مقتطفات من الموقع

حمل جميع المصاحف من مكتبة القرآن الصوتية حمل ألفية ابن مالك والصحاح فى اللغة وغيرها من معاجم وأمهات اللغة حمل سيرة ابن هشام والرحيق المختوم والبداية والنهاية وغيرها من كتب السيرة الموسوعة الشاملة للصحابة ضمن شخصيات تاريخية حمل كتب السنة البخارى ومسلم وجميع كتب الحديث هنا حمل مقامات الهمذانى والحريرى وموسوعات الشعر وأمهات كتب الأدب العربى حمل تفسير ابن كثير والجلالين والكشاف وجميع كتب التفاسير من هنا صور طبية التشريح Anatomy صور طبية هيستولوجى Histology حمل كتب الفقه المالكى والحنفى والحنبلى والشافعى وكتب الفقه المقارن وغيرها من كتب الفقه هنا حمل كتاب إحياء علوم الدين وغيرها من كتب الأخلاق والتزكية المكتبة الكبرى والعلمية لصور الحيوانات ضمن مكتبة الصور المكتبة الكبرى والعلمية لصور الطيور دليل الجامعات العربية جامعات عالمية مكتبة العلماء مكتبات الفيديو المتنوعة Anatomy picures Histology picures and slides Histology pictures and slides Bacteriae slides Surgery pictures الموسوعة الإسلامية الشاملة موسوعة علم النبات موسوعة الكيمياء موسوعة الجيولوجيا موسوعة اللغة والأدب مكتبة الفيديو للجراحة وهى احد المكتبات الطبية

الأحد، 31 مارس، 2013

قسم المقالات : المسألة المراكشية وحرب الدار البيضاء بقلم الشيخ محمد رشيد رضا

المسألة المراكشية وحرب الدار البيضاء بقلم الشيخ محمد رشيد رضا


كتبنا في السنة الأولى للمنار نصيحة فيه لسلطان مراكش ؛ أنذرناه فيها بأن
طوفان أوربا لابد أن يفيض على بلاده ، فيغمرها إن لم يبادر هو إلى إصلاح شأنها
بما تقتضيه حال العصر من التربية والتعليم ، لا سيما تعليم الفنون العسكرية والمالية .
ثم كنا نعيد النصائح والنذر مرة بعد أخرى ، وآخر عهدنا بها ما كتبناه في أيام
انعقاد مؤتمر الجزيرة من العام الماضي { وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَّ
يُؤْمِنُونَ} ( يونس : 101 ) بالأسباب والمسببات وسنن الله تعالى في الأمم ، وإنما
يعتمدون في دفع الضر ، وحفظ المصالح على الخوارق ، وكرامات الأولياء مع
ما درجوا عليه من التقاليد والعادات ، لا يقبلون وراء ذلك إصلاحًا ، ولا يبتغون
بدونه فلاحًا ، وقد سبق لنا بيان التجائهم إلى قبر مولاي إدريس ، وجؤار أهل العلم
الديني عنده بكلمة يا لطيف ؛ ليدفعوا بذلك ما طلبته فرنسا من السلطان يومئذ
فليرجع إلى ذلك في المجلد الثامن من أراد .
مرت الأيام والسنون ، وأهل هذه البلاد { يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْن } ( التوبة : 126 ) أو مرات { ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } ( التوبة : 126 ) من تفريطهم
وغرورهم { ولا هم يذكرون } ( التوبة : 126 ) ، ما حل بأمثالهم من الأمم
والشعوب الجاهلية بحال هذا العصر ورقي أممه ، وما يجب من إعداد القوة
لمدافعتها إذا عدت بحسب الاستطاعة ، وعلى قدر ما هي عليه من الاستعداد ،
وكل ذلك مما يرشد إليه الإسلام ، ويفرضه بنص القرآن .
ولكن أين أولئك الجاهلون من الإسلام والقرآن ، وهم يعتقدون أن قراءة تفسيره
تميت السلطان ، وحياته عندهم أولى من إحياء القرآن ، ثم ماذا تفيدهم قراءته إذا
كانوا يعتقدون أن الاهتداء به من الاجتهاد الممنوع بحكم شيوخ التقليد الجامدين ، وأنَّ
الدِّين لا يؤخذ إلا من كتب الفقهاء الميتين ، كما يفهمها أصحاب الجاه من الشيوخ
الحاضرين ، وهم يرون أن العلوم والفنون والصنائع التي تصنع آلات القوة ، كالبنادق
( ويسمونها المكاحل ) والمدافع والبوارج الحربية كلها محرمة ، لا يجوز للمسلمين
الاشتغال بها ، كما يرى ويعتقد ذلك أشباههم من أصحاب العمائم في أكثر بلاد
المسلمين ، وبذلك أضاعوا الدنيا والدين وكانوا سبب هلاك المسلمين .
مرت الأيام والسنون ، فدخلت ( مسألة مراكش ) ؛ أي : مسألة محاولة أوربا
استعمارها والاستيلاء عليها في طور جديد ، فقد اعتدى بعض المغاربة على العُمَلة
الأوربيين في مرفأ الدار البيضاء ، وهي من حواضر مملكة مراكش ، ففتح بذلك
لفرنسا باب استعمال القوة في هذا الثغر ، فدخلت منه ، وذلك ما كانت تبغي .
أصبحت فرنسا مع قبائل المغرب في حرب تعددت وقائعها ، فالقبائل تهاجم
الدار البيضاء ، فتلاقيها العساكر الفرنسية بمدافعها ، ومن ورائها البوارج تساعدها
بمدفعها ، فتمزق شمل القبائل ، وتنسفهم في الهواء نسفًا . ولكن الفرنسيين قد دهشوا
من شجاعة المغاربة واستبسالهم ، فسلطوا عليهم عسكرهم من مسلمي الجزائر ؛
لعلمهم بأنه لا يفل الحديد إلا الحديد ، وقد ترك المغاربة الهجوم إلى حيث تنالهم مدافع
البحر .
مهما عظمت شجاعة المغاربة ، فإنها - والجهل قائدها - لا تكفي لحفظ
استقلال البلاد ، ولا تدفع عنها ما تريد فرنسا منها ، فإن الجهل لا يغلب العلم ،
والاختلال لا يعلو النظام ، فإذا كان أهل المغرب الأقصى أسودًا ، فإن العقلاء من
البشر قد عهد منهم التصرف في الأسود وحبسها في بلاد ما هي مواطنها ، وما
عهد أن تعيش فيها وجعلها مع ذلك في مواضع النزهة ، يأنس برؤيتها حتى
النساء والولدان .
نعم ، ينتظر أن تتعب فرنسا في تذليلهم ، كما تعبت في الجزائر ، ولكن العاقبة
للمتقين كما قال الله تعالى ، والتقوى تفسر في كل مقام بحسبه ، فهي تفسر في باب
الحرب والصدام باتقاء أسباب الانكسار والخذلان ، ولا شك أن فرنسا هي المتقية ما
يجب اتقاؤه في هذا المقام ، بالتدبير التام ، وإعداد ما تستطيع من قوة ، كما أمر الله
تعالى .
ومن التدبير الذي يتخذه العقلاء ولا يدري به الجهلاء - وهو من قبيل السيل
يضرب جلمودًا بجلمود - إيقاع الشقاق بين الزعماء في المغرب . وما وقف ذلك عند
حد الخارجين على السلطان والمحاربين له ، بل قامت طائفة عظيمة من الأمة فبايعت
بالملك مولاي حفيظًا ( أو عبد الحفيظ ) أخا السلطان عبد العزيز بفتوى من العلماء ،
فصار في البلاد سلطانان سيحارب كل منهما الآخر ، فيكفون فرنسا شر قوة البلاد .
يظن كثير من الناس أن السلطان عبد العزيز سيلجأ إلى فرنسا ؛ لتحفظ له
سلطانه ، وتكفيه شر أخيه ، كما لجأ توفيق باشا إلى إنكلترا في إبان الثورة العرابية ،
وبذلك تحتل فرنسا بلاد مراكش احتلالاً رسميًّا يسمى موقتًا ، وتعمل عملها فيها باسم
السلطان ، كما تحكم تونس باسم الباي ، وهذه هي الطريقة التي استقر عليها رأي
ساسة أوربا في استعمار بلاد المسلمين ؛ لأن حكمهم باسم أمرائهم وملوكهم أقرب إلى
السلام ، وأبعد عن النزاع والخصام .
إنه ليحزننا ؛ أن نرى مملكة إسلامية في الشقاء الذي أحاط بمملكة مراكش ،
ولا يسرنا أن تبقى على ما هي عليه ، أو على ما كانت عليه ، إذا كان ما انتابها
الآن مبدأ للانتقال من حال إلى حال .
وإنه ليحزننا ؛ أن يكون انتقالها بقوة الأجانب ، لا بتدبير رجالها وحكمتهم .
ولكننا لا نرى منفذًا لخيط من خيوط أشعة الرجاء في أولئك الرجال الجهلاء ، فيا
طالما نصحنا لهم ، وأنذرناهم البطشة الكبرى { فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} ( القمر : 36 ) ،
بل كان مثلنا ومثل سائر الناصحين معهم { كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً
وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } ( البقرة : 171 ) .
إن أهل العقل والعلم من طلاب الإصلاح للمسلمين ، تتمنى قلوبهم لو يدوم
لسلطنة مراكش استقلالها ، ويتحول طوفان أوربا عنها ، حتى يكون إصلاح حالها
من نفسها ولو بعد حين . ولكن عقولهم تحكم بأن هذا شيء لا مطمع فيه ، وتدرك أن
من العدالة العامة في الأكوان ، ومن سنن المبدع في اجتماع الإنسان أن يقذف بالحق
على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . ( راجع سورة الأنبياء من 18 : 21 ) وأن
الأرض يرثها عباد الله الصالحون ؛ أي : لعمارتها . ( راجع آية 105 من السورة
المذكورة ) ولا شك أن العلم بالنظام ، وبطرق العمران ، وتأمين السكان من الحق ،
وهو مما يقوم به الأوربيون ، وأن ما عليه المغاربة من ضد ذلك هو من الباطل ،
وأن الأوربيين يعدون بالنسبة إلى المغاربة من الصالحين لاستعمار الأرض الذي
امتَنَّ الله علينا به ، كما قال - تعالى - { هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} ( هود : 61 ) ، فكان الكتاب العزيز مؤيدًا لحكم العقل في وجوب زوال استقلال
المغاربة ، وكل دولة لا تحسن الاستعمار ولا تقيم النظام ، إلا أن تتوب وتقيم
الميزان بعد الاستعداد له بما تقتضيه حال الزمان . ولا يظهر صدق الآية الكريمة في
إرث الأرض إلا بهذا التفسير ، ولنا فيه سلف صالح فهو منقول لا مخترع .
إن حُكم الفرقان والقرآن بأن دول العلم والنظام والاستعمار هي التي تسود على
دول الجهل والخلل والإفساد في الأرض ، هو الذي يخفف من ألم حسرة العقلاء على
زوال استقلال دول المسلمين ، ولا أقول : دول الإسلام ، فإن من يقضي القرآن
بزوال دولته لا تكون دولته إسلامية . ولكن قد تكون مسلمية ، وبهذا نبرئ الإسلام
بحق من مناقضة أصول العمران العلمي ، ونجعل ذلك على أعناق المسلمين

المصدر : مجلة المنار