الأحد، 15 أبريل 2012

موسوعة علوم القرآن - التفسير : المدرسة العقلية فى التفسير

المدرسة العقلية فى تفسير القرآن الكريم


يقوم منهج التفسير لدى المدرسة العقلية الاجتماعية على أسس متعددة هي (1):
الأساس الأول :
الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم :
وقد أيد كثير من علماء السلف الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم ومنهم ابن العربي الذي قال : " ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم " (2)0
وقال ولي الدين الملوي رادا على من أنكر الوحدة الموضوعيى : " قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة " ، إلى أن قال : " والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها ففي ذلك علم جم وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له " (3)0
ومال رجال المدرسة العقلية الاجتماعية إلى هذا الرأي فقالوا بالوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم وعدوه أساسا في فهم القرآن الكريم فقال محمد رشيد رضا : " من نظر في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد روعى في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة ومن حكمته أن في ذلك عونا على تلاوته وحفظه فالناس يبدءون بقراءته من أوله فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئين فالمثاني فالمفصل أنفى للملل وأدعى إلى النشاط ، ويبدءون بحفظه من آخره لأن ذلك أسهل على الأطفال ، ولكن في كل قسم من الطول والمئين والمفصل تقديما لسور قصيرة على سور أطول منها ، ومن حكمة ذلك أنه قد روعى التناسب في معاني السور مع التناسب في الصور أي مقدار الطول والقصر " (4)0
وقال أيضا بهذا القول من رجال المدرسة العقلية الاجتماعية محمود شلتوت ـ رحمه الله تعالى ـ فقال : " إن جميع ما في القرآن وإن اختلفت أماكنه وتعددت سوره وأحكامه فهو وحدة عامة لا يصح تفريقه في العمل ولا الأخذ ببعضه دون البعض " (5)0
ولتأكيد الوحدة الموضوعية بين سور القرآن الكريم نرى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية يوازنون بين التفاسير فيختارون منها ما يرونه ملتئما مع السياق ولهذا فلربما استعرضوا آراء المفسرين السابقين في تفسير آية أو كلمة قرآنية ورفضوها لمخالفتها لهذا الأساس 0
وانطلاقا من هذا الأساس لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية فإنا نرى الأستاذ محمد عبده يرفض تحديد فجر بعينه أو ليال عشر بعينها من قوله تعالى : { والفجر وليال عشر } بل هما مطلقان والعلة في ذلك الوحدة الموضوعية في آيات القرآن الكريم قال : ( كثر خلاف المفسرين والرواة في معنى كل من الفجر وليال عشر إلى آخر ما أقسم به وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى ثم يأتي في الليالي العشر بما لا يلائمه وغالب ذلك يجري على خلاف ما عودنا الله في نسق كتابه الكريم وقد جرت سنة الكتاب بأنه إذا أريد تعيين يوم أو وقت ذكره بعينه : كيوم القيامة في { لا أقسم بيوم القيامة } وكاليوم الموعود في سورة { والسماء ذات البروج } و كليلة القدر في سورتها فإذا أطلق الزمن ولم يقيد كان المراد ما يعمه معنى الاسم كما سبق في قوله : { والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس } [ التكوير 17 ، 18 ] فالفجر هنا ـ على هذا هو جنس ذلك الوقت المعروف الذي يظهر فيه بياض النهار في جلد الليل الأسود ، وينبعث الضياء لمطاردة الظلام وهو وقت تنفس الصبح وهو معهود في كل يوم فصح أن يعرف بالألف واللام (6) وقال نحو هذا في " وليال عشر" 0
واستنادا إلى هذا الأساس أيضا ينفي عن تفسير الآية القرآنية كل ما لا يتفق عنده مع مفهوم الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم فتراه ينفي عن قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم } [ الحج 52 ] الآيات 0 ينفي الأستاذ الإمام عن تفسير هذه الآيات في مغازيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران : { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب } [ آل عمران 7 ] وقد قال بعد ذلك : { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار } [ آل عمران ] ثم قال : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } [ آل عمران 12 ] 000 الخ الآيات 0 وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم وأولئك هم الذين يفتنون بالتأويل ، ويستغلون بقال وقيل بما يلقي إليهم الشيطان ويصرفهم عن مرامي البيان ويميل بهم عن محجة الفرقان وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئا فستوفيهم آجالهم ، وتستقبلهم أعمالهم ، فإن لم يوافيهم الأجل على فراشهم فسيغلبون في هراشهم (7) وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الإنسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه ، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه ، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج " (8)0
ويتضح مدى التزامهم لهذا الأساس حين نراهم يذمون رواة أسباب النزول الذين عمدوا إلى الآيات ذوات أسباب النزول ليفردوها عن بقية الآيات ويتناولوها بالتفسير والشرح من هذا الجانب وهم بهذا ـ كما يقول الأستاذ محمد رشيد رضا ـ يمزقون الطائقة الملتئمة من الكلام الإلهي ويجعلون القرآن عضين متفرقة بما يفككون الآيات ويفصلون بعضها من بعض وبما يفصلون بين الجمل الموثقة في الآية الواحدة فيجعلون لكل جملة سببا مستقلا كما يجعلون لكل آية من الآيات الواردة في مسألة واحدة سببا مستقلا " (9)0
تلكم أمثلة يظهر منها التزامهم للقول بالوحدة الموضوعية في القرآن الكريم التزاما يجعله أساسا من الأسس البارزة في منهجهم 0
الأساس الثاني :
الوحدة الموضوعة في السورة القرآنية :
وهو كالأساس الذي قبله من الأسس الواضحة في منهج المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير وقد وقف العلماء السابقون منه موقفهم من سابقه أيضا بين منكر ومؤيد 0
طائفة قالت بالتناسب بين آيات القرآن الكريم وتناسقها ومنهم الشيخ ولي الدين الملوي الذي قال : " قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففي ذلك علم جم وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له " وقال بالمناسبة أيضا الإمام الشاطبي والإمام السيوطي (12) وغيرهم0
وذهبت طائفة أخرى إلى أن القرآن الكريم لم يأت على نسق الكتب الموضوعية إذ ليست له مقدمة وليست فيه مباحث موضوعية 00 مرتبة 00 لها مقاصد وأغراض في فصول وأبواب وإنما كان القرآن مشتملا على عدة سور كل سورة منه احتوت على آيات متعددة كل آية في غرض 0 فهذه للوعظ وتلك للزجر ، وهذه قصة وأخرى لحكم من الأحكام ، وأخرى لوصف الجنة أو النار(13)0
وقد عاب الإمام عز الدين بن عبد السلام ذلك وعد طالبه متكلفا حيث قال : " المناسبة علم حسن لكن يشترط في حسن ارتباطه الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض " (14)0
وكما قال رجال المدرسة العقلية بالوحدة الموضوعية في القرآن الكريم قالوا بالوحدة الموضوعية في السور القرآنية فقال الشيخ عبد العزيز جاويش : " قد يغفل المفسر عما بين آيات القرآن من الارتباط والتناسب وما قد يفيد بعضها بعضا من البيان أو التقييد فيأخذها بالتأويل مفككة العري مبددة النظم حتى إذا استعصى عليه أمرها ونبا عقله عن فهمها لا يزال يركب في تأويلها صعاب المراكب ويلتمس بلوغ معانيها بتسنم الجبال وقطع السباسب وقلما سلمت أقدامهم من العثار أو استطاعوا إبراز ما فيها من الآثار " (15)0
وكما ردوا من التفاسير التفسير الذي يخالف الوحدة الموضوعية في القرآن فإنهم يردون هنا ما يخالف الوحدة الموضوعية في السورة أو هدفها العام حتى جعلوا هذا الأخير أساسا في فهم آياتها ولذلك فإنا نرى ـ مثلا ـ الأستاذ الإمام محمد عبده يرفض تفسير الرزق في قوله تعالى : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } [ آل عمران 37 ] ، بأنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف 0 ويؤكد هذا الرفض بقوله : " والله لم يقل ذلك ولا قاله رسوله صلى الله عليه وسلم ولا هو مما يعرف بالرأي ولم يثبته تاريخ يعتد به ، والروايات عن مفسري السلف متعارضة وفي أسانيدها ما فيها " ، ثم أورد التفسير الذي يراه موافقا للهدف العام للسورة فقال : " وأنت ترى أنه لا دليل في الآية على أن الرزق كان من خوارق العادات وإسناد المؤمنين الأمر إلى الله في مثل هذا المقام معهود في القديم والحديث " ، ثم قال : " أما ما سيقت القصة لأجله وهو الذي يجب أن نبحث فيه ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه فهو تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله وجعلوه خاصا بشعب إسرائيل وشبه المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته لأنه بشر ، وبيان ذلك أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية وأهم مسائلها مسألة الوحدانية وتقرير عقيدة البعث والجزاء وعقيدة الوحي والأنبياء وقد افتتحت السورة بذكر التوحيد وإنزال الكتاب ثم كانت الآيات من أولها إلى هذه القصة أو قبيل هذه القصة في الألوهية والجزاء وبعد البعث بالتفصيل وإزالة الشبهات والأوهام في ذلك ثم بين أن الإيمان بالله وادعاء حبه ورجاء النجاة في الآخرة والفوز بالسعادة فيها إنما تكون باتباع رسوله وقفى على ذلك بهذه القصة التي تزيل شبه المشركين وأهل الكتاب في رسالته وتردها على وجههم0
رد عليهم بما يعرفونه من أن آدم أبو البشر وأن الله اصطفاه 00 ومن اصطفاء نوح 00 ومن اصطفاء إبراهيم 00 فقد كان الأمر له في اصطفاء من يشاء من عباده ، وبذلك اصطفى هؤلاء على عالمي زمانهم فما المانع له من اصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على العالمين كما اصطفى أولئك (16)0
المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعا يجب أن تفسر الآية (3) ، ثم ذكر تفسيرين للآية يتفقان مع القول بالوحدة الموضوعية في السورة القرآنية وفي السور القرآنية 0
وقد برزت هذه ظاهرة في تفاسير أصحاب المدرسة العقلية الاجتماعية ألا وهي اهتمامهم ببيان الغرض العام في السورة حتى يكون محور ارتكاز في التفسير 0
الأساس الثالث :
تحكيم العقل في التفسير : ـ
لا ينكر صاحب لب ما للعقل من قيمة وما له من مكانة كبيرة في الحياة عامة ولا ينكر صاحب فهم وعلم ما له من قيمة ومكانة في الإسلام أيضا تشهد لذلك النصوص العديدة والآثار البارزة والعلامات البينة كلها تدل عليه وتشير إليه 0
دعا الإسلام إلى استعمال العقل في مواضع عديدة { كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون } [ البقرة 73 ] ، { وكذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } [ البقرة 242 ] وغير هذا كثير 0
وذم الإسلام بعض الأفعال لمخالفتها العقل : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } [ الحجرات 4 ] ، { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } [ الحشر 14 ] ، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } [ الأنبياء 67 ] وغير هذا كثير 0
وذكر الإسلام من أسباب دخول النار عدم الاهتداء بالعقل { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } [ الملك 10 ] 0
هذه بعض أمثلة على مكانة العقل في الإسلام بعضها يرسي له مكانة سامية ودرجة عالية ـ ومع هذا التكريم فقد كرمه مرة أخرى تكرمة عدها بعض من لا علم له ولا معرفة امتهانا وعدها ذوو العقول والألباب لا تقل عن سابقها من المكارم تلكم المكرمة أنه حد له حدودا لا يتجاوزها ورسم له مراسم لا يتعداها لا لشئ إلا لأنه سيضل فيها ويتيه ولا لشئ إلا لأنها فوق مداركه وفوق قدراته وطاقاته ومن الخير له كل الخير أن يقف دونها لا يخوض فيها وفي هذا ولا شك تكريم له وأي تكريم 0
وقد نبتت في الإسلام نابتة أعطت العقل أكثر من حقه وزعمت أنه خلق ليعرف وهو قادر على أن يعرف كل شئ المنظور وغير المنظور وجعلوه الحكم الذي يحكم في كل شئ والنور الذي يجلو كل ظلمة حكموه في إيمانهم وفي جميع شؤونهم الخاصة والعامة (18) حتى قال عالمهم ومفسرهم الزمخشري رامزا للعقل بالسلطان " امش في دينك تحت راية السلطان ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان فما الأسد المحتجب في عرينه أعز من الرجل المحتج على قرينه 0 ومما العنز الجرباء تحت الشمأل البليل أذل من المقلد عند صاحب الدليل " (19)0
وقد أدى بهم تحكيم العقل المجرد عن النص إلى أن شطحوا بعقولهم شطحات وهفوا هفوات في الكتاب والسنة بل في جوانب كثيرة من العقيدة ما كانوا ليقعوا فيها لو اهتدوا إلى سبيل الحق0
وقد امتطى هذه الصهوة رجال جاؤوا من بعدهم فمال بهم وأدى بهم إلى أمور خاطئة واعتقادات باطلة وأحكام زائفة وهم وإن لم يوافقوهم كل الموافقة ، فهناك قواعد مشتركة وعقائد متماثلة تجمع بين هؤلاء وهؤلاء حتى أطلق على هؤلاء المتأخرين " معتزلة العصر الحديث" (20) ولن نسميهم باعتزال بل نسميهم بالصفة المشتركة بينهم فليكونوا ولتكن مدرستهم المدرسة العقلية الحديثة وقد اتجهت المتأخرة إلى الإصلاح الاجتماعي فكان حقا لها أن يلصق بها هذا الوصف فتكون المدرسة العقلية الاجتماعية0
كيف لا والأستاذ الإمام محمد عبده يعد أصول الإسلام فيعد الأول والثاني منها النظر العقلي وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض حيث يقول : " الأصل الأول للإسلام النظر العقلي لتحصيل العلم 0 فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي 0 والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح فقد أقامك منه على سبيل الحجة وقاضاك إلى العقل ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه ؟ " (21)0
ولا شك أن وصف الإسلام بأنه " يذعن لسلطة العقل" تعبير مجانف للصواب ومخالف للحق فالإسلام عقيدة أوسع من أن تذعن لوسيلة والعقل وسيلة أضيق من أن تحيط بالعقيدة ، تلكم صفات الله تعالى ما حقيقتها؟ ! وهل يدرك العقل ذلك منها ؟ ! إن زعم ذلك زاعم فقد كذب وافترى على العقل 0 وإن فوض أمرها فقد اعتقد ما لا يدرك العقل فأنى للعقيدة الصحيحة أن تذعن لسلطة هي أضعف من إدراكها 0
ولنعجل بالأصل الثاني من أصول الإسلام عند الأستاذ الإمام قال : " الأصل الثاني للإسلام تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعرض " 0 إلى أن قال : " وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي صلى الله عليه وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل وأزيلت من سبيله جميع العقبات واتسع له المجال إلى غير حد " (22)0
وقال أيضا مما يبين درجة العقل عنده : " وتقرر بين المسلمين كافة ـ إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه ـ إن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل كالعلم بوجود الله وبقدرته على إرسال الرسل وعلمه بما يوحى به إليهم " (23)0
إذا فإذا كانت العقول قادرة على هذا فما الحكمة من إرسال الرسل ؟ ! لإتمام الحجة : لا لا يصح هذا لأن الحجة قائمة بقدرة العقل المزعومة ويبقى السؤال معلقا ما بقى هذا الزعم 0
وذلكم الأستاذ محمد فريد وجدي يستدل بأحاديث باطلة أو منكرة أو ضعيفة سندا لعقيدته في العقل وواصفا هذه الأحاديث وهي بهذه الدرجة بأنها "قواعد إلهية" ؟ ! فأورد حديث " الدين هو العقل ولا دين لمن لا عقل له " (24) ، وحديث : " يا أيها الناس اعقلوا من ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم وما نهيتم عنه واعلموا أنه ينجدكم عند ربكم " (25) إلخ ، ثم عقب عليهما قائلا : "بهذه القواعد الإلهية نال العقل حريته وتخلص من وثاق كان يئن منه ويتعثر في أصفاده وصار هو المرشد الحقيقي للإنسان وهي الوظيفة التي خلقه لأجلها الملك الديان " (26)0
إذا فهذه درجة الحكم العقلي لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية طبقوه ودعوا لذلك في تفسير القرآن الكريم وهذا الأستاذ محمد فريد وجدي يقول في تفسير بعض الآيات : " كل هذه الآيات تتناولها القاعدة الأصولية التي انفرد بها هذا الدين وهي أنه لو تعارض نص وعقل ، أو علم صحيح أول النص وأخذ بحكم العقل أو العلم ، وقد أول آباؤنا من هذه الآيات ما خالف عقولهم أو ناقض العلم الصحيح ، ونحن نجري على سنتهم فنؤول ما يخالف عقولنا منها 0
جرى المسلمون على هذا السمت فكان تطورهم العلمي يمدهم بالمعلومات وعلماؤهم يؤولون الآيات حتى تآخى العلم والدين وسارا كفرسي رهان لا يسبق أحدهما الآخر 00 فلم ينقسم الناس إلى فريقين فريق للدين يقل كل يوم عددا ، وفريق للمدنية يزداد كل يوم مددا ولكن كانوا في وحدة لا انفصام لها فبلغوا إلى ما لا تبلغه أمة قبلهم من بسطتي الدنيا والدين " (27)0
لذا فهم يصرفون الآيات القرآنية عن ظاهرها إذا صعب عليهم فهمها أو التبست على عقولهم معانيها وأنكروا كثيرا من المعجزات أو أولوها بما لا تكون به معجزة خارقة وردوا بعض الأحاديث الصحيحة 0
هذا بعض ما أدى بهم إليه تحكيم العقل المجرد عن النص وهي قضايا آحادية تولدت حتى أصبح بعضها أساسا مستقلا بذاته في منهجهم في التفسير نذكر من هذه الأسس التي تولدت عن هذا الأصل لديهم إنكار التقليد وذمه ، وموقفهم من التفسير بالمأثور ورد بعض الأحاديث الصحيحة ، والتحذير من الإسرائيليات وتأويل المعجزات والخوارق بما يبطلها ، وكذا تأويل بعض القصص القرآنية بالتمثيل وعدم وقوعها وموقفهم من بعض الغيبيات كالملائكة والجن وبعض علامات الساعة وأماراتها وموقفهم من السحر وغير ذلك كثير 0
كلها أمور تولدت من هذا الأساس العميق المتأصل في منهجهم بل عمود منهجهم الأول ونحن هنا ـ في دراستنا هذه سنعرض لبعض هذه الأبحاث عرضا سريعا غرضنا منه جلاء الصورة وبيان أبعادها وحدودها ليس إلا 0 وليس من شأننا دراسة هذا الأساس أو هذا المنهج دراسة نقدية موسعة فذلك شأن آخر وإنما غرضنا عرض مناهج التفسير في العصر الحديث وندع لمن شاء أن يدرس كل منهج دراسة نقدية موسعة ففي كل منها مادة وفيرة للدراسة ومعالم بارزة محمودة ومذمومة0
* * *

المصادر والمراجع
ـ
1ـ انظر : اتجاهات التفسير في القرن العشرين
2ـ الإتقان في علوم القرآن : السيوطي 2/108 ، والبرهان : للزركشي 1/36 0
3ـ الإتقان : السيوطي 2/108 0
4ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 7/287 0
5ـ الإسلام عقيدة وشريعة : محمود شلتوت ص 487 0
6ـ تفسير جزء عم : محمد عبده ص 76 0
7ـ الهراش : الموائبة والمخاصمة 0
8ـ الإثارة الثالثة : محمد عبده ص 182 ـ 184 ، ضمن تفسير الفاتحة وست سور من خواتيم القرآن رشيد رضا 0
9ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 2/11 0
10ـ الإتقان للسيوطي : 2/108 0
11ـ انظر الموافقات : الشاطبي 4/414 ـ 415 0
12ـ انظر الإتقان : السيوطي 2/110 0
13ـ الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم : محمد محمود حجازي ص 13 0
14ـ الإتقان : السيوطي 2/108 0
15ـ أسرار القرآن : عبد العزيز جاويش ص 117 0
16ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 3/293 ـ 294 0
17ـ الإثارة الثالثة : الإمام محمد عبده ص 178 ـ 180 0
18ـ الفكر الإسلامي بين الأمس واليوم : محجوب بن ميلاد ص 114 0
19ـ أطواق الذهب في المواعظ والخطب : الزمخشري مقالة 37 ص 28 0
20ـ اليقظة الإسلامية في مواجهة الإستعمار : أنور الجندي ص 132 0
21ـ الإسلام والنصرانية : محمد عبده ص 72 ، 73 0
22ـ الإسلام والنصرانية : محمد عبده ص 74 ، 75 0
23ـ رسالة التوحيد : محمد عبده ص 7 0
24ـ قال الشيخ الألباني في كتابه : " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " : " الدين هو العقل ومن لا دين له لا عقل له " ، باطل أخرجه النسائي في الكنى وعنه الدولابي في الكنى والأسماء ج 2 ص 104 ؛ وقال النسائي حديث باطل منكر : " انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ص130
25ـ قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار " حديث يا أيها الناس اعقلوا من ربكم وتواصلوا بالعقل الحديث ، داود بن المحبر أحد الضعفاء في كتاب العقل ، من حديث أبي هريرة وهو في مسند الحرث بن أبي أسامة عن داود " انظر إحياء علوم الدين : للغزالي ج 1 ص 89 0
26ـ المدنية والإسلام : محمد فريد وجدي ص 52 0
27ـ الإسلام دين الهداية والإصلاح : محمد فريد وجدي ص 92 0
* * *
















40
المدرسة العقلية
في تفسير القرآن الكريم
[2]
بسم الله الرحمن الرحيم
ـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 0
وبعد 0
فخلال حديثنا في اللقاء السابق عن أسس المدرسة العقلية في تفسير كتاب الله تعالى : اتضح لنا من هذه الأسس ما يلي :
1ـ الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم 0
2ـ الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية 0
3ـ تحكيم العقل في التفسير 0
نكمل الآن ـ بعون الله تعالى ـ بيان باقي هذه الأسس التي اعتمدوا عليها 0
فنتحدث عن :
4ـ إنكارهم للتقليد وذمه والتحذير منه 0
5ـ التقليل من شأن التفسير بالمأثور 0
6ـ جعلهم القرآن هو المصدر الأول في التشريع 0
وذلك حسب التفصيل التالي : (1)
الأساس الرابع :
إنكار التقليد وذمه والتحذير منه :
وهو أساس متولد ـ كما ذكرنا ـ من سابقه ويطلق التقليد ويراد به في عرف الفقهاء "قبول قول الغير من غير حجة" ولا يسمى الأخذ بالكتاب أو السنة أو الإجماع تقليدا لأن ذلك هو الحجة في نفسه " (2)0
ولا يخفى أمر الاجتهاد والتقليد في عمومه وقد حدثت بين المسلمين حوادث تحز في نفس المسلم من عبارات مؤيدي الاجتهاد أو أنصار التقليد وما أدى التطرف بطائفة من هؤلاء وأخرى من أولئك إلى أقوال وأفعال لا تحمد وليس بحثنا هنا بحثا أصوليا نعرض فيه أقوال هؤلاء وهؤلاء ولكنه بيان لموقف رجال المدرسة العقلية الاجتماعية في التفسير 0
وهو موقف تلحظه في كل سطر بل في كل كلمة من كلماتهم يرفضون التقليد وينكرونه ويذمون أصحابه وينعون عليهم فعلهم 0
وهذا الأستاذ الإمام محمد عبده أستاذ المدرسة ورائدها جعل تحرير الفكر من قيد التقليد أول أمر دعا إليه حيث قال : " ثم لم ألبث بعد قطعه من الزمن أن سئمت الاستمرار على ما يألفون واندفعت إلى طلب شئ مما لا يعرفون فعثرت على ما لم يكونوا يعثرون عليه وناديت بأحسن ما وجدت ودعوت إليه وارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين الأول تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولي واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه00 وقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة ـ طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم " (3)0
وهذا الاجتهاد الذي يدعو إليه الأستاذ الإمام سهل المنال على الجمهور الأعظم وقد وضح ذلك بقوله : " فرض الإسلام على كل ذي دين أن يأخذ بحظه من علم ما أودع الله في كتبه وما قرره من شرعه وجعل الناس في ذلك سواء بعد استيفاء الشرط بإعداد ما لابد منه للفهم وهو سهل المنال على الجمهور الأعظم من المتدينين لا تخص به طبقة من الطبقات ولا يحتكر مزيته وقت من الأوقات"(4)0
ولأنه سهل المنال فإن تلميذه السيد رشيد رضا يعد ما اشترطه العلماء في بلوغ رتبة الاجتهاد افتياتا على الله تعالى فقال : " وإن في إطلاق مقلدة المصنفين من خلف القرون الوسطى القول بإيجاب تقليد المجتهدين في أمور الدين وتحريم الأخذ بالدليل فيه ـ لاشتراكهم فيه استعداد كل مستدل مستقل للتشريع ـ لإفتياتا على دين الله ونسخا لكتاب الله وشرعا لم يأذن به الله خلاصته تحريم العلم وإيجاب الجهل وهذا منتهى الإفساد للفطرة والعقل وهو اقطع المدى لأوصال الإسلام وأفعل المعاول في هدم قواعد الإيمان وعلة العلل لانتشار البدع التي ذهبت بهداية الدين واستبدلت بها الخرافات ودجل الدجالين " (5)0
ولهذا فإنك ترى الحرص الشديد لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية على ذم التقليد والتشنيع على المقلدين وخلطوا بين التقليد في العقيدة والتقليد في الأحكام وقلبوا الآيات في تفسير قوله تعالى : { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } [ آل عمران 64 ] قال الأستاذ محمد عبده : " فما جرى عليه المقلدون من المسلمين من الأخذ بآراء بعض الفقهاء في العبادات والحلال والحرام هو عين ما أنكره كتاب الله تعالى على أهل الكتاب وجعله منافيا للإسلام بل جعل مخالفتهم فيه هي عين الإسلام ، فليعتبر المعتبرون " (6)0
هذه إشارات موجزة لبعض مواضع اجتهاداتهم في تفسير آيات الأحكام في القرآن الكريم يظهر منها المدى الذي وصوله في دعوتهم إلى الاجتهاد ونبذ التقليد وكلها بل كل عباراتهم في هذا السبيل تعلن اتخاذهم له أساسا هاما في منهجهم في التفسير 0
الأساس الخامس :
التقليل من شأن التفسير بالمأثور :
ومن المعلوم أن التفسير بالمأثور يشمل أنواعا أربعة :
أولها : تفسير القرآن بالقرآن 0
ثانيها : تفسيره بالسنة النبوية 0
ثالثها : تفسيره بأقوال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ 0
رابعها : تفسيره بأقوال التابعين ـ رحمهم الله تعالى ـ 0
أما أولها فقد أشرنا إلى قبولهم له وأنه أشرف أنواع التفسير وأصح طرقه ونقصد بحديثنا هنا النوع الثاني وإنما قصرنا الحديث عليه دون الثالث والرابع لأن من رد التفسير بالسنة النبوية فهو أسرع إلى رد أقوال الصحابة والتابعين ـ رضي الله عنهم ـ 0
ومن المعلوم منزلة التفسير بالسنة النبوية ومكانتها لدى علماء السلف وأنها تأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم بدليل الكتاب والسنة 0
وقد درج علماء المدرسة العقلية الاجتماعية على التقليل من شأن التفسير بالمأثور والتشكيك فيه وعدم الاحتجاج به وإن كانوا يظهرون قبوله واعتباره 0
وهذا السيد محمد رشيد رضا إمام المدرسة في علم الحديث يقول : " وأما الروايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلماء التابعين في التفسير فمنها ما هو ضروري أيضا لأن ما صح من المرفوع لا يقدم عليه شئ ويليه ما صح من علماء الصحابة مما يتعلق بالمعاني اللغوية أو عمل عصرهم والصحيح من هذا وذاك قليل ، وأكثر التفسير بالمأثور قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب كما قال الحافظ ابن كثير " (7)0
وقال أيضا : " وقد ثبت أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله ، والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدول فلا يخل جهل اسم راو منهم بصحة السند وهي قاعدة أغلبية لا مطردة فقد كان في عهد النبى صلى الله عليه وسلم منافقون 00" وقال : " ولا شك في أن أكثر الأحاديث قد روى بالمعنى كما هو معلوم واتفق عليه العلماء ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها وما دخل على بعض الأحاديث من المدرجات 00 فعلى هذا كان يروي كل أحد ما فهمه وربما وقع في فهمه الخطأ لأن هذه أمور غيبية " (8) 0
هذا بعض ما قاله إمام هذه المدرسة في الحديث وعلومه ومن بعضه ندرك مدى تشكيكه وقلة ثقته في التفسير بالمأثور بل السنة عموما لأن عباراته أوسع من أن تخصص وإذا كان هذا من الشيخ رشيد فلا عجب أن لا يثق أستاذه محمد عبده إلا بأقل القليل مما روى في الصحاح من أحاديث الفتن0
وبهذا يظهر موقف الإمام من السنة وأنه يرد صحيحها لأسباب واهية لم يقل بها أحد من قبله لا من علماء الحديث ولا من سواهم ومثل هذه الأسباب لا اعتبار لها وقد اعترف الأستاذ رشيد رضا بأن الأستاذ الإمام " كان مقصرا في علوم الحديث من حيث الرواية والحفظ والجرح والتعديل "(9)0
هذه إشارات وتلميحات لبعض مواقفهم من التفسير بالمأثور أحسبها تدل دلالة بينة على منهجهم في هذا اللون من التفسير 0
الأساس السادس :
التحذير من التفسير بالإسرائيليات :
خلاصة موقف السلف ـ رحمهم الله تعالى ـ من الإسرائيليات ذكره ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ حيث ذكر أن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للإستشهاد لا للإعتقاد ، وأنها على ثلاثة أقسام :
" أحدها " ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق 0 فذاك صحيح و " الثاني" ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه 00 و " الثالث " ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل 0
فلا نؤمن به ولا نكذبه 0 وتجوز حكايته لما تقدم ـ يقصد حديث " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني " (10)0
وقد شن رجال المدرسة العقلية الاجتماعية حملة شعواء على الإسرائيليات وحذروا من تناولها في تفسير القرآن الكريم وعابوا على المفسرين السابقين تداولهم لها واعتبروا هذا خطأ لا يغتفر0
وهذا الأساس عندهم متولد من الأساس السابق تحكيم العقل وتطرفهم فيه تولد عنه رفضهم الشديد للإسرائيليات وقد أدى بهم تطرفهم هذا إلى تكذيب بعض الإسرائيليات التي وافقت ما جاء في شريعتنا ، وأدى بهم أيضا إلى تكذيب بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة خشية أو احتمال أو للظاهر أن يكون الصحابي الذي روى الحديث سمعه من كعب الأحبار ؟ !
وأدى بهم أيضا إلى أن تناولوا بعض الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بالتجريح وشككوا في إيمان بعض التابعين الذين شهد لهم السلف الصالح بالعدالة وروى لهم البخاري ومسلم ، ونسبوا العلماء الذين وثقوهم إلى الغفلة 0
ومع هذا الموقف الصلب والرفض الحاسم الجازم فإن رجال المدرسة العقلية الاجتماعية أو غالبهم أباح لنفسه ما حرم على غيره فقد أوردوا من الإسرائيليات ونصوص التوراة والإنجيل كثيرا وكثيرا بل ـ ويا للعجب ـ فقد أوردوا ما يخالف النص القرآني ؟ ! وأحسب هذا ولا شك نتيجة كل دعوة متطرفة 0
وهذه بعض النصوص لرجال المدرسة التي تبين حكم الأخبار الإسرائيلية وهذا الأستاذ الإمام محمد عبده يقول عند تفسيره لقوله تعالى : { وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم } [ البقرة الآية 58 ] 00 الآية فقد ذكر الأستاذ الإمام بعض أقوال المفسرين ثم قال : " ومنشأ هذه الأقوال الروايات اِلإسرائيلية ، ولليهود يف هذا المقام كلام كثير وتأويلات خدع بها المفسرون ولا نجيز حشوها في تفسير كلام الله تعالى " (11) ، وقال عن هذه التفاسير : " كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن لتكون بيانا له وتفسيرا وجعلوا ذلك ملحقا بالوحي والحق الذي لا مرية فيه أنه لا يجوز إلحاق شئ بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه إلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتا لا يخالطه الريب " (12)0
والأستاذ رشيد رضا هو أشد رجال المدرسة العقلية الاجتماعية حربا على الإسرائيليات ورواتها وإقرأ قوله : " كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل قارئه عن هذه المقاصد العالية والهداية السامية فمنها ما يشغله عن القرآن بمباحث الإعراب وقواعد النحو 00 وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات 000 وأكثر التفسير بالمأثور قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب ) (13)0
وقد رد الأستاذ رشيد رضا بعض الأحاديث الصحيحة زاعما أنها من الإسرائيليات ومن ذلك حديث البخاري الذي رواه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ في كتاب التفسير " قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولا حطة فدخلوا يزحفون على أستاهم فبدلوا وقالوا حبة في شعرة " (14) واختاره السيوطي في التفسير فقال عنه السيد رشيد 0 " ما اختاره الجلال مروي في الصحيح ولكنه لا يخلو من علة إسرائيلية " (15)0
وأدى به تطرفه إلى أن ذم رواة الإسرائيليات الثقات ككعب الأحبار ووهب بن منبه فقال عن وهب عند روايته أن موسى ـ عليه السلام ـ كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر منه عيون 000" وهذا من الخرافات التي اختلقها وهب ليس لها أصل عند اليهود ولا عند المسلمين " إلى أن قال : " وقد عدوه مع أمثال هذه الخرافات ثقة في الرواية " (16)0
وقال عن كعب الأحبار " بمثل هذه الروايات كان كعب الأحبار يغش المسلمين ليفسد عليهم دينهم وسنتهم ، وخدع به الناس لإظهاره التقوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"(17)0
ذلكم موقف رجال المدرسة العقلية الاجتماعية من رواية الإسرائيليات يظهر منه الرفض الشديد والمتطرف لها ولكنهم وبكل أسف لم يلتزموا بأنفسهم ما دعوا إليه وقديما قال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
بل لم يأت هؤلاء مثله فتجاوزوا المثل فزجوا بما لم يزج به المفسرون السابقون فرووا من الإسرائيليات ما رواه السابقون ، وزادوا عليهم برجوعهم بأنفسهم إلى المصادر التي أخذ منها كعب ووهب !! ولم يقل أحد منهم في نفسه ما قاله في كعب ووهب ، فأباحوا لأنفسهم ما لم يبيحوه لسواهم ، ونقلوا من الإسرائيليات ما يخالف النص القرآني الكريم ولم ينقدوه أو يبطلوه بل وحرفوا معاني نصوص القرآن الكريم حتى توافق ما جاؤا به من الإسرائيليات 0
لست أقول ما قلت من غير تأمل وتفكر ولست ألقى الكلام على عواهنه كما يقولون وليس هذا من قبيل استفزاز المشاعر ضدهم بل هو الحقيقة والواقع ولنسق الأمثلة واحدا واحدا0
أما روايتهم لما ورد من الإسرائيليات من غير رد لها حسب منهجهم الذي ذكروه فما أورده السيد رشيد رضا في تفسيره حيث قال : " روى نحو هذا ابن جرير قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونها 000 إلخ " (18)0
وقال في تفسير قوله تعالى : { فقلنا اضربوه ببعضها } ، " ويروون في هذا الضرب روايات كثيرة قيل أن المراد اضربوا المقتول بلسانها وقيل بفخذها وقيل بذنبها 00" (19) 0
هذا هو النوع الأول من وقوعهم في الإسرائيليات ينقلون منها ما نقله السابقون أما النوع الثاني وهو نقلهم ما يخالف النص القرآني من غير تكذيب له فمنه ما نقله الشيخ عبد القادر المغربي في تفسيره لسورة نوح ـ عليه السلام ـ حيث قال : " وذكر في الأسفار القديمة أن نوحا ولد لسنة 182 من عمر أبيه " لامك " ولسنة 1056 لجده الأكبر آدم ـ عليه السلام ـ ومعنى نوح : الراحة والتعزية 0 وكان عمر نوح 500 سنة لما أخذ يلد أولاده ساما وحاما ويافث وكان عمره 600 لما حصل الطوفان " (20)0
قلت ولا ينفع الشيخ قوله بعد هذا : " هذا منخول ما جاء في الكتب القديمة من خبر نوح ـ عليه السلام ـ ونحن ـ معشر المسلمين ـ لا نصدقها ولا نكذبها بل نكل أمرها إلى العلم الحديث فهو الذي يمحصها ويميز غثها من سمينها " (21)0
وإنما قلت لا ينفعه هذا لأن منهجنا ـ معشر المسلمين ليس ما ذكر بل تكذيب ما خالف النص القرآني لا التوقف أو تفويض أمره إلى العلم الحديث ؟ ! 0
أما النوع الثالث من أنواع وقوعهم في الإسرائيليات التي حذروا منها فهو رجوعهم بأنفسهم إلى مصادر أهل الكتاب ونقلهم منها مباشرة لمجملات القرآن الكريم ومبهماته بل وجعل هذه النصوص دليلا مرجحا وميزانا للمفاضلة بين أقوال المفسرين بل رد التفاسير التي تخالف هذه النصوص حتى قال أحدهم " ومنه نعلم أن كل ما خالفها ـ أي التوراة ـ من أقوال المفسرين في معنى الطمس على أموالهم فهو من أباطيل الرايات الإسرائيلية التي كان من مقاصد كعب الأحبار وأمثاله منها كما نرى صد اليهود عن الإسلام بما يرويه في تفسير المسلمين للقرآن مخالفا لما هو متفق عليه عندهم " (22)0
وأمثلة هذا النوع كثيرة جدا في تفاسيرهم ومنها ما قاله الأستاذ أحمد مصطفى المراغي في تفسير { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد } [ المائدة 117 ] ، فقال: " وجاء في إنجيل يوحنا وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته " (23) 0
ومنه ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } [ البقرة 248 ] الآية قال : " وهذا التابوت المعرف صندوق له قصة معروفة في كتب اليهود ففي أول الفصل الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه : "وكلم الرب موسى قائلا كلم بني إسرائيل إلخ " (24) ، ثم ذكر النص 0 وقال أيضا : وفي سفر تثنية الاشتراع أن موسى لما كمل كتابة هذه التوراة أمر اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلا : خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون شاهدا عليكم [ 31:24ـ30 ] (25)0
أما النوع الرابع : وهو النوع الأخطر من أنواع وقوعهم في الإسرائيليات فهو صرفهم معنى النص القرآني ليوافق نصوص أهل الكتاب ونضرب لذلك مثلا بتفسير الشيخ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد رضا لقوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } [ البقرة 67 ] الآيات حين مال الشيخان إلى أن المراد في الآيات بيان نوع من التشريع الموجود عند بني إسرائيل يتوصل به إلى معرفة القاتل المجهول0 ثم يربط بين هذا المعنى وبين ما جاء في التوراة فيقول : " على أن هذا الحكم منصوص في التوراة وهو أنه إذا قتل قتيل لم يعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي 000 إلخ " (26)0
وقد أيد الشيخ رشيد رضا ما ذهب إليه شيخه بذكر النص الوارد في التوراة المتعلق بقتل البقرة ثم قال بعد هذا : " فعلم من هذا أن الأمر بذبح البقرة كان لفصل النزاع في واقعة قتل"(27)، ثم قال : " والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره 00 ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التى كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس أي يحييها بمثل هذه الأحكام وهذا الإحياء على حد قوله تعالى :{ [ 5 : 32 ] ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ، وقوله : { ولكم في القصاص حياة } ، فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين ثم قال : { ويريكم آياته } بما يفصل بها في الخصومات ويزيل من أسباب الفتن والعداوات } (28)0
وبهذا يكون الشيخ محمد عبده وتلميذه صرفا معنى الآية عن أن تكون قصة واقعة أحيا الله فيها القتيل { كذلك يحي الله الموتي } ليكون آية للناس { ويريكم آياته } صرفا هذه الآيات عن هذا المعنى إلى أنها وردت لبيان حكم كان في بني إسرائيل فعلوا هذا ليوافق ما جاء عن أهل الكتاب "والإسرائيليات" 0
هذه بعض مواطن وقوعهم فيما حذروا منه فوقعوا في مثله أو أسوأ منه وقد ترددت في اعتبار هذا من أسس منهجهم ما داموا لم يلتزموه لولا أني رأيت أن القول الصريح مقدم على الفعل ، في الاستدلال فأقوالهم صريحة في رفض الإسرائيليات فاعتبرته كذلك وإن لم يلتزموه0
الأساس السابع :
القرآن هو المصدر الأول في التشريع :
وتظهر أبعاد هذا الأساس لدى رجال المدرسة في قول الأستاذ الإمام محمد عبده : " وأريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذي يحمل عليها ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها كما جرى عليه المخذولون وتاه فيه الضالون"(29)0
ويؤكد هذا التأصيل تلميذه السيد رشيد رضا بقوله : " إن القاعدة القطعية المعروفة عمن أنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم وعن خلفائه الراشدين ( رضي الله عنهم ) أن القرآن هو الأصل الأول لهذا الدين وأن حكم الله يلتمس فيه أولا فإن وجد فيه يؤخذ وعليه يعول ولا يحتاج معه إلى مأخذ آخر وإن لم يوجد التمس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين أرسله إلى اليمن وبهذا كان يتواصى الخلفاء والأئمة من الصحابة والتابعين"(30)0
وأيد هذا الشيخ محمود شلتوت قائلا : " إن مصادر التشريع في الإسلام ثلاثة : القرآن والسنة والرأي وهي في المصدرية على هذا الترتيب فما وجد في القرآن أخذ منه ولا يطلب له مصدر سواه وما لم يوجد فيه بحث عنه فيما صحت روايته وثبت وروده عن الرسول صلى الله عليه وسلم"(31)0
ومع هذه النصوص نصوص أخرى تميز المراد من النصوص الأولى وتظهره ذلكم أن تلك النصوص السالفة قبالة لهذا وذاك قابلة لمن يجعل القرآن هو المصدر الأول ولا يقبل معه ما يبين مجمله ولا يخصص عمومه وقابلة لمن جعل القرآن هو المصدر الأول من غير رد لما صح من السنة والذي يظهر أن رجال المدرسة العقلية الاجتماعية كثيرا ما يميلون إلى المراد الأول فينكرون من صحيح السنة ما لا يوافق تفسيرهم لآية في القرآن الكريم وكأن التفسير الذي مالوا إليه قد قامت أركانه وصحت قوائمه وتبوأ منزلة هي أقوى درجة من صحيح السنة فردوا هذا الأخير لأجل فهمهم الخاطئ0
فهذا الإمام محمد عبده ينكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحر فيقول : " والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما ينفيه ، وقد جاء بنفي السحر عنه ـ عليه السلام ـ حيث نسب القول بإثبات حصوله إلى المشركين وأعدائه ووبخهم على زعمهم هذا فإذن هو ليس بمسحور قطعا0
وأما الحديث على فرض صحته ـ فهو آحاد والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين ، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون " (32) ، إلى أن قال : " وعلى أى حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل " 0
وقد كفانا مؤونة الرد على الأستاذ الإمام الشيخ محمد حسين الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ حيث قال : " وهذا الحديث الذي يرده الأستاذ الإمام رواه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الصحيحة وليس من وراء صحته ما يخل بمقام النبوة فإن السحر الذي أصيب به النبي عليه الصلاة والسلام كان من قبيل الأمراض التي تعرض للبدن بدون أن تؤثر على شئ من العقل " (33) ، وقال : " ثم إن الحديث رواية البخاري وغيره من كتب الصحيح ولكن الأستاذ الإمام ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخاري وغيره 0 فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخاري كما أنه لو صح في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن 0 وهذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة التي هي بالنسبة للكتاب بمنزلة المبين من المبين وقد قالوا : إن البيان يلتصق بالمبين " (34)0
وخذ مثلا لذلك ـ آخر ـ تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغي لقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ـ فإنه رجس ـ أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } ، قال الشيخ المراغي مكتفيا بالقرآن دون السنة : " وما صح من الأحاديث في النهي عن طعام غير هذه الأنواع الأربعة فهو إما مؤقت وإما للكراهة فقط ومن الأول تحريم الحمر الأهلية فقد روى ابن أبي شيبة والبخاري عن ابن عمر قال : " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر"، ومن الثاني ما رواه البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير " (35)0
لكن الشيخ المراغي جعل تحريم غير هذه الأربعة إما مؤقت وإما للكراهة ولم يتحدث عن ما ورد بلفظ التحريم من غير علة عارضة تقيده بزمان أو مكان وقد كفاه مؤنة هذا الصنف الأستاذ محمد رشيد رضا حيث قال : " وما ورد منه بلفظ التحريم فهو مروي بالمعنى " (36) لا بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم وليس مراد من رد تلك الأحاديث بآية الأنعام من الصحابة وغيرهم أنه لا يقبل تحريم ما حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن منصوصا في القرآن بل معناه أنه لا يمكن أن يحرم النبي صلى الله عليه وسلم شيئا جاء نص القرآن المؤكد بحله ، واعتبر هذا بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذه الآية : { قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما } 00 فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " خبيثة من الخبائث " فقال ابن عمر إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال ا0هـ فقوله " إن كان " مشعر بشكه فيه وأنه إن فرض أنه قال وجب قبوله لأن الله أمر باتباعه ولكن بمعنى أنه خبيث غير محرم كالثوم والبصل على أن الحديث ضعيف " 0
وهذا الذي قاله محمد رشيد رضا غريب منه فهل خفى عليه ـ ولا أظنه ـ أن قول ابن عمر، رضي الله عنهما : " إن كان إلخ رجوع منه ـ رضي الله عنه ـ عن فهمه إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم 0
وغريب منه أيضا أن يجهل ـ ولا أظنه كذلك ـ حكم الخبائث في الإسلام فيكفي أن يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه خبيثة من الخبائث لنعرف من القرآن أنه عليه الصلاة والسلام يحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث 0
والأمثلة كثيرة في تفاسيرهم 0
* * *






المصادر والهوامش
ـ
1ـ انظر : اتجاهات التفسير في القرن العشرين
2ـ روضة الناظر وجنة المناظر : ابن قدامة المقدسي ، ص 205 0
3ـ تاريخ الأستاذ الإمام : محمد رشيد رضا 1/11 0
4ـ رسالة التوحيد : محمد عبده ، ص 162 ـ 163 0
5ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا ، ج1 ص 114 0
6ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 3/327 0
7ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا ج1 ص 7 ، 8 ؛ ولم يشر رشيد رضا إلى المصدر ولم نقف لابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ على مثل هذا ؟ 0
8ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا ج9 ص 465 ـ 467 ، علما أنه لم يجرؤ أحد من المنافقين على الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية ، لا في عهده ولا في عهد أصحابه رضي الله عنهم لأن المنافق يعلم علما يقينا أن الصحابة سيكشفون أمره ويهتكون ستره 0 فلا يصح التشكيك بعدالة الصحابة لوجود المنافقين فالقضية هنا عكسية إذ موقفهم من المنافقين يزيد الثقة في مروياتهم0
9ـ تاريخ الإستاذ الإمام : محمد رشيد رضا 1/5 0
10ـ مجموع فتاوي ابن تيمية : جمع عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد 13/366ـ367 0
11ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/325 0
12ـ المرجع السابق : 1/175 0
13ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/7 ـ 8 0
14ـ صحيح البخاري : كتاب التفسير سورة البقرة
15ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/325 0
16ـ المرجع السابق : 9/343 0
17ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 9/ 459 0
18ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 2/484 0
19ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/351 0
20ـ المرجع السابق : ص 56 0
21ـ تفسير جزء تبارك : عبد القادر المغربي ص 56 0
22ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 11/474 0
23ـ تفسير المراغي : أحمد مصطفى المراغي 7/64 0
24ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 2/480 0
25ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 2/482 0
26ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/347 ـ 348 0
27ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/347 ـ 348 0
28ـ المرجع السابق : 1/351 0
29ـ فاتحة الكتاب : محمد عبده ص 46 0
30ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 5/120 0
31ـ الإسلام عقيدة وشريعة : محمود شلتوت ص 469 0
32ـ تفسير جزء عم : محمد عبده ص 180 ـ 181 0
33ـ التفسير والمفسرون : محمد حسين الذهبي 3/240 ـ 241 0
34ـ نفسه 0
35ـ تفسير المراغي : أحمد مصطفى المراغي 8/58 0
36ـ جرأة غريبة من الشيخ محمد رشيد رضا على رد الأحاديث وبكل سهولة يزعم بصيغة العموم " وما ورد منه بلفظ التحريم فهو مروي بالمعنى " وهل يصلح هذا لرد الأحاديث بدون تتبع ؟ !! 0


=======
(1)
الأساس الثامن :
الشمول في القرآن الكريم : ـ
وهو أمر مسلم إذ الشمول فيه فرع عن الشمول في الرسالة الإسلامية عامة ، فهي ليست لأمة دون الأمم ولا لطائفة دون طائفة ولا لزمن دون زمن : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) (الأعراف : 158 ) ، ولذا جاء القرآن الكريم أيضا وهو كتاب هذه الرسالة شاملا : ( وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) (الأنعام 19) ، ( إن هو إلا ذكر للعالمين ) (يوسف : 104)0
أدرك هذا رجال المدرسة العقلية الاجتماعية فالتزموه في تفسيرهم، فقال أستاذهم الإمام محمد عبده : " إن القرآن هاد ومرشد إلى يوم القيامة وإن معانيه عامة وشاملة ، فلا يعد ويوعد ويعظ ويرشد أشخاصا مخصوصين وإنما نيط وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره بالعقائد والأخلاق والعادات والأعمال التي توجد في الأمم والشعوب " (2)0
وقال تلميذه من بعده : " فإن كان مات من كانوا سبب النزول فالقرآن حي لا يموت ينطق حكمه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان"(3)0
ولعلنا ندرك من هذا النص الأخير أنهم يحرصون كثيرا على عدم تخصيص الآيات ذوات سبب النزول بالسبب ، بل يلتزمون القول بالشمول في غالب ذلك 0
خذ مثلا لذلك ما قاله الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسير الأتقى والأشقى من قوله تعالى : ( فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى ) (الليل 14 ـ 17 ) الآية ، قال : " وبتفسير الأتقى والأشقى على النحو الذي سمعته تبطل تلك الإشكالات التي أوردها المفسرون في الحصر وما أشكل عليهم إلا تقييدهم بالعادة في استعمال ألفاظ كذب وتولى ، وتحكيمهم عاداتهم واصطلاحاتهم التي وضعوها من عند أنفسهم لأنفسهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، ثم إنهم يوردون ههنا أسبابا للنزول وأن الآيات نزلت في سيدنا أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ لأنه اشترى من أرقاء المسلمين ضعفاء وأعتقهم من ماله لا يبتغي في ذلك إلا وجه الله ورووا غير ذلك ، وقالوا إن الأشقى هو أمية بن خلف وقيل غير ذلك ، ومتى وجد شئ من ذلك في الصحيح لم يمنعنا من التصديق به مانع ولكن معنى الآيات لا يزال عاما ـ كما رأيت ـ والله أعلم (4) 0
ومن ذلك تفسير البشيخ محمد رشيد رضا لقوله تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) ( البقرة 8) ، حيث قال : " وهذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي المبينة لحال الفرقة الرابعة وهي فرقة من الناس توجد في كل آن وفي كل عصر ، وليست الآيات كما قيل في أولئك النفر من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل 0 ولذلك قال تعالى في بيان حالهم : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ) ، ولم يقل عنهم إنهم يقولون مع ذلك : " وآمنا بك يا محمد " وما كان القرآن ليعتني بأولئك النفر الذين لم يلبثوا أن انقرضوا كل هذه العناية ويطيل في بيان حالهم أكثر مما أطال في الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس " (5) 0
ومثلا آخر تفسير الشيخ أحمد مصطفى المراغي للمغضوب عليهم والضالين وذلك في سورة الفاتحة : " غير المغضوب عليهم ولا الضالين) 0
فقد ورد في السنة تخصيص هذا العموم بأن المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى ، لكن الشيخ المراغي يميل إلى العموم فيقول في تفسيرها : " والمغضوب عليهم الذين بلغهم الدين الحق الذي شرعه الله لعباده فرفضوه ونبذوه وراءهم ظهريا وانصرفوا عن النظر في الأدلة تقليدا لما ورثوه عن الآباء والأجداد ... والضالون هم الذين لم يعرفوا الحق أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح وهؤلاء هم الذين لم تبلغهم رسالة أو بلغتهم على وجه لم يستبن لهم فيه الحق " (6)
وهذا أيضا مثل من تفسير الشيخ محمد مصطفى المراغي على هذا النحو في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) ( الأنفال 27) ، فقد ذكر سبب نزول الآية ، ثم قال : " يصح أن يكون هذا أو غيره سبب نزول الآية ، لكن الآية عامة تشمل كل خيانة لله ورسوله " (7).
ولعل في ذلك ما فيه الكفاية لتقريره أساسا من أسس التفسير لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية .
ونحن حين نقول بالشمول في القرآن والعموم في الرسالة الإسلامية ، فلا يعني إطلاق ذلك ، فلا شك أن في القرآن آيات خاصة جاءت الأدلة على خصوصها فلا ينبغي أن يطلق العموم في القرآن على هذا النحو خاصة إذا أورد التخصيص للآية في السنة النبوية المطهرة.
الأساس التاسع : ـ
التحذير من الإطناب ، فيما ورد مبهما في القرآن الكريم والحديث عن هذا الأساس مرتبط بالحديث عن الأساس السادس وهو تحذيرهم من الإسرائيليات فكلاهما إعراض عن الحديث عن شئ من غير دليل صحيح وسند مقبول.
وهذا الأساس من الوضوح لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية بمكان ، فقد رفعوا أصواتهم وكرروا نداءاتهم ودعوا إلى تنقية التفاسير مما علق بها من أحاديث وضعها القصاص والوضاعون في بيان مبهم في القرآن الكريم ليدعموا به معتقدا زائفا أو دعوة باطلة أو لغرض دنيوي أو لطلب مكانة ومنزلة بين العامة فلجأوا إلى ذلك الأسلوب الهجين.
وألو ما يواجه القارئ للقرآن الكريم مما استأثر الله تعالى بعلمه ما يسمى بـ " فواتح السور " ، وقد بين الشيخ محمود شلتوت ما هو خير للناس في فهم هذه الفواتح ، فقال : ولعل من الخير للناس أن يوفروا على أنفسهم عناء البحث في معاني هذه الحروف وأسرار ترتيبها واختيارها على هذا النحو وأن يكفوا عن الخوض فيما لا سبيل إلى علمه ولم يكلفهم الله به ، ولم يربط به شيئا من أحكامه أو تكاليفه " (8) .
ومن أشهر المبهمات أيضا والتي توقف عندها عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، ثم قال لنفسه : " إن هذا لهو التكلف يا عمر " ، ذلكم هو " أبا " من قوله تعالى : " وفاكهة وأبا " ( عبس 31 ) وقد أعرض الأستاذ الإمام محمد عبده عن الخوض في ذلك عند تفسيرها فقال : "فالمطلوب منك في هذه الآيات هو أن تعلم أن الله يمن عليك بنعم أسداها إليك فقي نفسك وتقويم حياتك وجعلها متاعا لك ولأنعامك فإذا جاء في سردها لفظ لم تفهمه لم يكن من جد المؤمن أن ينقطع لطلب هذا المعنى بعد فهم المراد من ذكره ، بل الواجب على أهل الجد والعزيمة أن يعتبروا بتعداد النعم وأن يجعلوا معظم همهم الشكر والعمل هكذا كان شأن الصحابة ، رضي الله عنهم ، ثم خلف من بعدهم خلف وقفوا عند الألفاظ وجعلوها شغلا شاغلا لا يهمهم إلا التشوق بتصريفها وتأويلها وتحميلها ما لا تحتمله ، وقد تركوا قلوبهم خالية من الفكر والذكر ، وأعضاؤهم معطلة عن العمل الصالح والشكر " (9) .
وكما توقف عن القول في معنى أبا توقف عن القول فيما لا علم له به فتوقف عن القول بالحافظين من قوله تعالى : ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين ) ( الانفطار 10 ، 11 ) ، فأعلن إيمانه بذلك إجمالا ولم يبحث عما وراء ما ورد في النصوص الصحيحة فقال : " ومن الغيب الذي يجدب علينا الإيمان به ما أنبأنا به في كتابه من أن علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء ومن أي شئ خلقوا وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم ، هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا ـ وهو ما يبعد فهمه ـ أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال ؟ وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس إلى أن يبعث الله الناس ؟ كل ذلك لا نكلف العلم به وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر في معناه إلى الله والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في عملنا هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى لا يضيع منها نقير ولا قطمير " (10) .
ونحو هذا تفسير تلميذه الشيخ محمد مصطفى المراغي لقوله تعالى: ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) ( آل عمران 132 ) ، حيث قال : " والآية تدل بظاهرها على أن الجنة مخلوقة الآن لأن الفعل الماضي يفهم هذا غير أنه من الجائز أن يكون من قبيل قوله تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض ) ( الزمر 68) ، فلا يدل على خلقها الآن والبحث في هذا لا فائدة له ولا طائل تحته " (11) .
وفي تفسير قوله تعالى : ( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور ) ( الملك 7) ، يقول : " وهل هذا الصوت صوت جهنم نفسها بمعنى أن المواد التي تلتهب فيها يسمع لها هذا الصوت ؟ أو هو صوت أهلها الذين ألقوا ويلقون فيها ؟ لم يكلفنا الشرع تعيين أحد الأمرين كما لم يكلفنا أن نعرف جهنم والجنة وسائر شؤون عالم الغيب معرفة كنه وتحديد وإنما كل ما على المؤمن أن يعتقد أنه تعالى أعد دارا للأشرار تسعر فيها النار ويسمع لها صوت على المعنى الذي يريده سبحانه وتعالى . أما ما وراء ذلك من اعتقاد أن مواد جهنم وعناصرها وطبائعها وغليانها وحسيسها من جنس ما نعرفه في الدنيا أو لا ، فهذا مما لم نكلفه رحمة بنا إذ القصد أن يؤدى علمنا بالنار إلى الخشية والازدجار وهذا يحصل بمجرد ما قصه الله علينا من أمرها وأن الداخل إليها يشعر من الألم بأقصى ما يعهده في دار الدنيا " (11) .
وإمام هذه المدرسة الشيخ محمد عبده نذكر له توقفه عن الإطناب في شأن الميزان يوم القيامة وذلك عند تفسيره لقوله تعالى : ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ) ( القارعة 6 ، 7 ) ، قال : "ومن عجيب ما قاله بعض المفسرين : " إنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السموات والأرض ولا يعلم ماهيته إلا الله " !! ، فماذا بقى من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوض العلم فيه إلى الله ؟ والكلام فيه جرأة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم ولم يرد في الكتاب إلا كلمة الميزان وقدر ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه ... وعليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخبر الله به أن تؤمن أن الله يزن الأعمال ويميز لكل عمل مقداره ولا تسل كيف يزن ولا كيف يقدر فهو أعلم بغيبه والله يعلم وأنتم لا تعلمون " (12) .
هذه بعض الأمثلة على توقف رجال المدرسة العقلية الاجتماعية عن الإطناب فيما أبهمه القرآن الكريم مما لا طائل في معرفته .
الأساس العاشر :
الإصلاح الاجتماعي :
وبلغت منزلة هذا الأساس ودرجته عند رجال المدرسة العقلية الاجتماعية أن أصبح كالأساس الثالث " تحكيم العقل" صفة من صفاتهم التي بها يعرفون وإليها ينسبون حتى أضيف إلى اسم المدرسة فعرفت بالمدرسة العقلية الاجتماعية .
ذلكم أن رجال المدرسة وهم يواجهون أو يعاصرون يقظة العالم الإسلامي الذي انبهرت طائفة منه بمعالم الحضارة الغربية اتجهوا كغيرهم من الصلحين إلى تلمس السبيل الأمثل لإصلاح المجتمع الإسلامي وفق أحكام الشريعة الإسلامية بحيث تسبق هذه الأمة أمة الغرب أو تلحق بها مع التزامها لمبادئ دينها .
وهي مهمة غير ميسرة تحف بها العقبات وتحيط بها المتاهات وتزيغ بها الأهواء وتلتبس بها السبل فإن أحاط صاحبها نفسها بنور القرآن الكريم ولم يحد عن نوره بمنة أو يسرة لم يزل على جادة الحق حتى ينجو وينجي وإلا هلك وأهلك .
لا عجب أن يكون القرآن الكريم هو النبراس في دياجير الظلام فقد وصفه منزله ـ عز شأنه ـ بقوله : ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) ( إبراهيم 1 ) .
ولا عجب أن يكون القرآن الكريم هو الهداية : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ( الإسراء 9 ) .
ولا عجب أن يكون القرآن الكريم هو النور فقد أنزله الله كذلك : (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) (النساء 174) .
والتاريخ شاهد للقرآن بهذا . فليتأمل المتأمل في تاريخ المسلمين ، وينظر إلى تلك الروح التي سرت في جسد الأمة الإسلامية في القرن الأول ما إن أشرقت أول شعاعة لهذا القرآن الكريم من عار حراء إلا والقلوب تأوي إليه والأفئدة تهفوا إليه ، وإذا بالفرد قد أصبح جماعة وإذا بالجماعة قد أصبحت أمة ، وإذا بالأمة قد أصبحت أمما حتى خاطب حاكمها سحابة في عنان السماء . أيتها السحابة أمطري حيث شئت فإن خراجك سيأتي إلى .
كانت هذه الأمة أمة مستذلة قبل أن يسري فيها نور القرآن . كانت تقول : " للبيت رب يحميه " وما إن أشرق فيها نوره حتى صارت جنود من يحميه ، بل لم تقف موقف الحماية فهبت لتاج كسرى الوثني تلقيه ولتاج قيصر الرومي تحطمه وترميه حتى لا يقف حاجز لهذا النور فليس هو لأمة دون أمة ولا لأرض دون أرض ، إذن فليفسح له السبيل وليفتح له الطريق حتى تشرق الأرض بنور ربها . وهكذا كان .سش
أشرق النور وانجلت الظلمات فصار الناس يرون الحق والسبيل السوي فيسلكونه ويرون الباطل وطريق الضلال فيجتنبونه . نعموا بالعدل وما أدراك ما هو ، فقد بسطه نبي هذه الأمة وما زالت كلمته تجلجل والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ، وبسطه خلفه من بعده حتى قال خليفتهم والله لو عثرت شاة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لم لم أمهد لها الطريق ، قال ذلك في منتهى إدراك المسؤولية على عاتقه .
ونعموا بالأمن فلا يضيع دم أحد هدرا حتى ولو اشترك أهل صنعاء في قتله ولا يضيع مال حتى تقطع يد لنصف دينار منه ولا يضيع شرف حتى يجلد صاحب كلمة تخدشه أو ترجم نفس تنتهكه أو تقطع أيدي وأرجل معتد عليها ، ولن يهذر سن ولا عين ولا جرح ولا شعرة حتى يقاد لصاحبها ويقتص .
أي أمن هذا ؟ وأي سلام ؟ إنه أمن الإيمان وسلامة الإسلام الذي عجزت وتعجز أن تدانيه أية قوانين مستحدثة ، وأية أنظمة وضعية.
إذا فلا عجب أن يكون ذلكم الكتاب الكريم شاملا لصلاح الدنيا وسعادة الآخرة ، ولا عجب أبدا أن يكون ملاذ المصلحين ودستور الحاكمين ومنار المهتدين . إليه يأوى أولئك يستمدون منه قواعد الإصلاح الاجتماعي وأسسه وإليه يأوى هؤلاء الحاكمون ويستمدون منه أصول الحكم الإسلامي وإرساء قواعد الدولة الإسلامية . ويأوى إليه المهتدون ينعمون بفيئ ظلاله وأمن جواره .
كنت أقول إن التاريخ شاهد على ما ذكرنا وأنه شاهد لا أشك فقي شهادته أن الأمة الإسلامية تقوى بتمسكها به وتضعف بتركها له أو إعراضها عنه .
سادت الدولة الإسلامية أرجاء واسعة من الأرض بسطت عليها سلطتها وأرست دعائم حكمها العادل ثم ضعف تمسكها بالقرآن الكريم وأحكامه ، فما لبثت أن بدأت تتهاوى وتسقط الواحدة تلو الأخرى حتى أصبحت غثاء كغثاء السيل وحتى تداعت عليها الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها .
حتى أفاق العالم الإسلامي من نومته واستيقظ من غفلته فإذا به مكبلا مقيدا يبغي الفكاك ، شمرت طائفة من العلماء عن سواعدها داعية إلى سبيل السلامة وما فيه النجاة والتفتوا إلى القرآن الكريم يرسلون أنواره في زوايا الظلمات حتى يكشفوا ما فيه هلاكهم فيحذروه وما فيه نجاتهم فيسلكوه .
أرسلوا هذا النور القرآني إلى عادات باطلة صارت عقائد راسخة ، وإلى عقائد أصيلة أصبحت في عالم النسيان نبهوا المسلمين إلى عدوهم الحقيقي ليحذروه ، ودعوهم إلى الإسلام وتحكيم مبادئه وترسيخ أصوله.
وكان من هؤلاء رجال المدرسة العقلية الاجتماعية الذين شاء الله أن يعيشوا أو كثير منهم تلك الفترة ، فقاموا حسب طاقتهم وجهدهم بهذه المهمة . فخاضوا في شتى القضايا وبسطوا كثيرا من الإصلاحات ، وكان لهم شأن البشر حسنات وكان لهم غيرها .
اتجهوا إلى تفسير القرآن الكريم يطبقونه على مجتمعهم فإن جاء ذكر عمل محمود أشادوا به ودعوا إلى امتثاله وإن جاء ذكر عمل مذموم شنئوه وحذروا الناس منه . فكان هذا وهو كذلك هو المدخل الصحيح للمصلح الاجتماعي .
كانت القضايا الاجتماعية لا تكاد تحد ولا تعد بدءا من الحكومة الإسلامية والقواعد التي تقوم عليها ، ومرورا بالوحدة الإسلامية والحرية الفردية والحرية السياسية وحرية العقيدة ثم إصلاح العقائد من الخرافات والأوهام التي ألصقت بها إلصاقا ثم إصلاح التعليم وما أدراك ما التعليم ، ثم إصلاح الاقتصاد عامة ونشر الاقتصاد الإسلامي خاصة ، ثم القضية التي يسمونها قضية المرأة ما لها وما عليها ما تطلبه وما يطلب منها شغلت الناس حينا من الدهر وما زالت . ثم قضايا التربية الإسلامية والالتزام بمبادئه التهذيبية كالأمانة والصدق والصبر ، مما يهذب النفس الإسلامية ويصبغها بمثله ومبادئه ثم قضايا الخمر والزنا والسرقة وبيان آثارها وأضرارها في المجتمع .
ولا أظن القلم سيتوقف من قريب إن ذهبت أعداد ـ مجرد تعداد ـ القضايا الاجتماعية في تلك الفترة حتى أنه لا يخلو تفسير آية من آيات القرآن الكريم من ألف مدخل ومدخل إلى قضية من تلكم القضايا.
وقد جد رجال المدرسة العقلية الاجتماعية في أن يلتزموا عند تفسير كل آية ما يتعلق بالإصلاح الاجتماعي ويتخذوا منها مدخلا إلى الإصلاح حتى وصف أستاذ هذه المدرسة ضمن أوصافه بالمصلح الاجتماعي .
وليس علينا ونحن نعرض هنا التزامهم لهذا الجانب في التفسير أن نعرض لكل الجوانب الإصلاحية ولا لأكثرها . فلنعرض إذا لبعض جوانب الإصلاح الاجتماعي مما يثبت سلوكهم إياه وعملهم به حتى صار أساسا من أسس تفسيرهم بل صفة تطلق عليهم . مثل موقفهم من : الحرية في العقيدة ، السياسية ، الجانب التهذيبي ، الحرية الاقتصادية من قضية المرأة .
وبعد 00
فهذه : أبرز الأسس التي يقوم عليها منهج المدرسة العقلية في تفسير القرآن الكريم .
 .
أهم رجال هذه المدرسة
أهم رجال هذه المدرسة ، الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، زعيمها وعميدها ، ثم المرحوم السيد محمد رشيد رضا ، والمرحوم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي ، وهما خير من أنجبت هذه المدرسة ، وخير من ترسم خطا الأستاذ الإمام ، وسار على منهجه وطريقته في التفسير .

* * *
الهوامش والمراجع
ـ
1ـ انظر : اتجاهات التفسير في القرن العشرين
2ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/179
3ـ المرجع السابق 1/153
4ـ تفسير جزء عم : محمد عبده ص 106
5ـ تفسير المنار : محمد رشيد رضا 1/149
6ـ تفسير المراغي : أحمد مصطفى المراغي 1/37
7ـ الدروس الدينية لعام 1357 : محمد مصطفى المراغي ص 29
8ـ تفسير القرآن الكريم : محمود شلتوت ص 61
9ـ تفسير جزء عم : محمد عبده ص 21
10ـ جزء عم : محمد عبده ص 36
11ـ الدروس الدينية لعام 1356 هـ : محمد مصطفى المراغي ص 21
11ـ تفسير جزء تبارك : عبد القادر المغربي ص 7
12ـ جزء عم : محمد عبده ص 145 ـ 146