الأحد، 11 مارس 2012

موسوعة الفقه - باب الطلاق : تعريف الطلاق وحكمه ومقدمة عنه


تعريف الطلاق وحكمه ومقدمة عنه

.1- تعريفه:
الطلاق: مأخوذ من الاطلاق، وهو الارسال والترك.
تقول: أطلقت الاسير، إذا حللت قيده وأرسلته.
وفي الشرع: حل رابطة الزواج، وإنهاء العلاقة الزوجية.

.2- كراهته:
إن استقرار الحياة الزوجية غاية من الغايات التي يحرص عليها الإسلام.
وعقد الزواج إنما يعقد للدوام والتأبيد إلى أن تنتهي الحياة، ليتسنى للزوجين أن يجعلا من البيت مهدا يأويان إليه، وينعمان في ظلاله الوارفة، وليتمكنا من تنشئة أولادهما تنشئة صالحة.
ومن أجل هذا كانت الصلة بين الزوجين من أقدس الصلات وأوثقها.
وليس أدل على قدسيتها من أن الله سبحانه سمى العهد بين الزوج وزوجته بالميثاق الغليظ، فقال: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا}.
وإذا كانت العلاقة بين الزوجين هكذا موثقة مؤكدة، فإنه لا ينبغي الاخلال بها، ولاالتهوين من شأنها.
وكل أمر من شأنه أن يوهن من هذه الصلة، ويضعف من شأنها، فهو بغيض إلى الإسلام، لفوات المنافع وذهاب مصالح كل من الزوجين.
فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبغض الحلال إلى الله - عز وجل - الطلاق» وأي إنسان أراد أن يفسد ما بين الزوجين من علاقة فهو في نظر الإسلام خارج عنه، وليس له شرف الانتساب إليه.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من خبب امرأة على زوجها».
وقد يحدث أن بعض النسوة يحاول أن يستأثر بالزوج ويحل محل زوجته، والإسلام ينهى عن ذلك أشد النهي.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها».
والزوجة التي تطلب الطلاق من غر سبب ولا مقتض، حرام عليها رائحة الجنة.
فعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة».
3- حكمه:
اختلفت آراء الفقهاء في حكم الطلاق، والاصح من هذه الآراء، رأي الذين ذهبوا إلى حظره إلا لحاجة، وهم الأحناف والحنابلة.
واستدلوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لعن الله كل ذواق، مطلاق».
ولان في الطلاق كفرا لنعمة الله، فإن الزواج نعمة من نعمه، وكفران النعمة حرام.
فلا يحل إلا لضرورة.
ومن هذه الضرورة التي تبيحه أن يرتاب الرجل في سلوك زوجته.
أو أن يستقر في قلبه عدم اشتهائها، فإن الله مقلب القلوب، فإن لم تكن هناك حاجة تدعو إلى الطلاق يكون حينئذ محض كفران نعمة الله، وسوء أدب من الزوج، فيكون مكروها محظورا.
وللحنابلة تفصيل حسن، نجمله فيما يلي:
فعندهم قد يكون الطلاق واجبا، وقد يكون محرما، وقد يكون مباحا، وقد يكون مندوبا إليه.

فأما الطلاق الواجب: فهو طلاق الحكمين في الشقاق بين الزوجين، إذا رأيا أن الطلاق هو الوسيلة لقطع الشقاق.
وكذلك طلاق المولي بعد التربص، مدة أربعة أشهر لقول الله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}.

وأما الطلاق المحرم:
فهو الطلاق من غير حاجة إليه، وإنما كان حراما، لأنه ضرر بنفس الزوج، وضرر بزوجته، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه.
فكان حراما، مثل إتلاف المال، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».
وفي رواية أخرى أن هذا النوع من الطلاق مكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
وفي لفظ: «ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق» وإنما يكون مبغوضا من غير حاجة إليه - وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حلالا - ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، فيكون مكروها.
وأما الطلاق المباح: فإنما يكون عند الحاجة إليه، لسوء خلق المرأة، وسوء عشرتها، والتضرر بها، من غير حصول الغرض منها.
وأم المندوب إليه: فهو الطلاق يكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، مثل الصلاة ونحوها، ولا يمكنه إجبارها عليها، أو تكون غير عفيفة.
قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا ينبغي له إمساكها، وذلك لأن فيه نقصأ لدينه، ولا يأمن إفساده لفراشه، وإلحاقها به ولدا ليس هو منه، ولا بأس بالتضييق عليها في هذه الحال، لتفتدي منه، قال الله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.
قال ابن قدامه: ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب.
قال: ومن المندوب إليه، الطلاق في حال الشقاق.
وفي الحال التي تخرج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر.
قال ابن سينا في كتاب الشفاء: ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل ما، وألا يسد ذلك من كل وجه، لان حسم أسباب التوصل إلى الفرقة بالكلية يقتضي وجوها من الضرر والخلل.
منها: أن من الطبائع ما لا يألف بعض الطبائع، فكلما اجتهد في الجمع بينهما زاد الشر، والنبو أي الخلاف وتنغصت المعايش.
ومنها: أن من الناس من يمنى أي يصاب بزوج غير كف ء.
ولا حسن المذاهب في العشرة، أو بغيض تعافه الطبيعة، فيصير ذلك داعية إلى الرغبة في غيره، إذ الشهوة طبيعة، ربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد، وربما كان المتزاوجان لا يتعاونان على النسل، فإذا بدلا بزوجين آخرين تعاونا فيه، فيجب أن يكون إلى المفارقة سبيل، ولكنه يجب أن يكون مشددا فيه.

.الطلاق عند اليهود:
الذي دون في الشريعة عند اليهود وجرى عليه العمل أن الطلاق يباح بغير عذر، كرغبة الرجل بالتزوج بأجمل من امرأته، ولكنه لا يحسن بدون عذر، والاعذار عندهم قسمان:
الأول عيوب الخلقة، ومنها: العمش، والحول، والبخر، والحدب، والعرج، والعقم.
الثاني: عيوب الاخلاق وذكروا منها: الوقاحة، والثرثرة، والوساخة، والشكاسة، والعناد، والاسراف، والنهمة، والبطنة، والتأنق في المطاعم، والفخفخة، والزنا أقوى الاعذار عندهم، فيكفي فيه الاشاعة، وإن لم تثبت، إلا أن المسيح عليه السلام لم يقر منها إلا علة الزنا، وأما المرأة فليس لها أن تطلب الطلاق مهما تكن عيوب زوجها، ولو ثبت عليه الزنا ثبوتا.

.الطلاق في المذاهب المسيحية:
ترجع جميع المذاهب المسيحية التي تعتنقها أمم الغرب المسيحي إلى ثلاثة مذاهب:
1- المذهب الكاثوليكي.
2- الارثوذكسي.
3- البروتوستنتي.
فالمذهب الكاثوليكي، يحرم الطلاق تحريما باتا، ولا يبيح فصم الزواج لأي سبب مهما عظم شأنه، وحتى الخيانة الزوجية نفسها لا تعد في نظره مبررا للطلاق، وكل ما يبيحه في حالة الخيانة الزوجية، هو التفرقة الجسمية، بين شخصي الزوجين، مع اعتبار الزوجية قائمة بينهما من الناحية الشرعية، فلا يجوز لواحد منهما في أثناء هذه الفرقة أن يعقد زواجه على شخص آخر، لأن ذلك يعتبر تعددا للزوجات، والديانة المسيحية لا تبيح التعدد بحال.
وتعتمد الكاثوليكية في مذهبها هذا على ما جاء في إنجيل مرقص على لسان المسيح، إذ يقول: ويكون الاثنان جسدا واحدا، إذن ليسا بعد اثنين، بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان.
والمذهبان المسيحيان الآخران، الارثوذكسي، والبروتوستنتي، يبيحان الطلاق في بعض حالات محدودة، من أهمها الخيانة الزوجية، ولكنهما يحرمان على الرجل والمرأة كليهما أن يتزوجا بعد ذلك، وتعتمد المذاهب المسيحية التي تبيح الطلاق في حالة الخيانة الزوجية على ما ورد في إنجيل متى، على لسان المسيح، إذ يقول: من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني.
وتعتمد المذاهب المسيحية في تحريمها الزواج على المطلق والمطلقة على ما ورد في إنجيل مرقص إذ يقول: «من طلق امرأته، وتزوج بأخرى يزني عليها، وإن طلقت امرأة زوجها، وتزوجت بآخر تزني».

.الطلاق في الجاهلية:
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة، أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة، فأخبرتها، فسكتت حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.
قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا، من كان طلق، ومن لم يكن طلق رواه الترمذي.