السبت، 29 سبتمبر 2012

موسوعة المفاهيم الإسلامية : التجديد فى الفكر الإسلامى

التجديد فى الفكر الإسلامى

( تجديد الفكر الإسلامي ) عنوان لدعوات انطلقت في العقود الأخيرة، وكتب عنه كثير من المفكرين المسلمين، وعقد حوله المؤتمرات العلمية. وقد لاقت هذه الدعوة تأييداً من البعض ومعارضة من البعض الآخر. والحقيقة إن الدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي دعوة جديرة بالاهتمام، وذلك إذا وضعت في إطارها الصحيح والتزمت بالضوابط الشرعية. فلا يوجد هناك مانع شرعي ولا عقلي يمنع من تجديد الفكر الإسلامي، ولاسيما أنه من نتاج اجتهادات البشر. ولمَّا كان من الخصائص التي يتميز بها الفكر الإسلامي والتي لا توجد في غيره: " التوازن بين الثبات والتطور ", أو " الثبات والمرونة ". حيث إن الثبات يدل على الخلود والمرونة تدل على التطور، كما يتجلى الثبات في المصادر الأصلية القطعية للتشريع المتمثلة بالكتاب والسنة وتتجلى المرونة في " المصادر الاجتهادية " التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق مثل الإجماع والقياس والامتحان والمصالح المرسلة وأقوال الصحابة وشرع من قبلنا. هذا كله يجعل الفكر الإسلامي قابلاً للتجديد [القاموس المحيط 1/ 281، ولسان العرب 3/ 111]. تعريف التجديد يطلق التجديد في اللغة على وجود شئ معروف عند الناس ولكنه بحكم ما مر به من زمن أصابه البلى والقدم، لذلك احتاج إلى إعادة بناء وترميم. وهكذا فالجديد ضد القديم البالى، يقال جد يجد فهو جديد، وتجدَّد الشيء: صار جديدا، وأجدّه وجدّده واستجده: صيره جديداً. والتجديد فى الاصطلاح الحديث: نزعة تأخذ بأساليب جديدة فى نواحى الحياة الفكرية والعملية [المصطلحات العلمية والفنية للمجامع والجامعات العربية لنديم مرعشلى وأسامة مرعشلى ص 136 مطبوع مع الصحاح للجوهري]. وممكن أن يعرَّف بأنه : الإحياء والبعث والإعادة والتغيير وقد جاء هذا المعنى في كلام النبي صلى اله عليه وسلم (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) [أخرجه أبو داود، كتاب الملاحم، باب : ما يذكر في قرن المائة (4 / 0 48)]. فهذا الحديث جعل التجديد سنة من سنن الله وقانوناً من قوانين الفكر الإسلامي. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: إن المقصود بالتجديد هنا لا يقع على الثابت من الدين وهو المنهج الإلهي من عقائد وعبادات وشرائع وأخلاق ولكنه يقع على الحالة الثانية وهي ما يكون عليه الإنسان في علاقته بالمعنى الأول من الفكر والشعور والعمل والخلق، ومن هنا يقال : ضعيف الدين أو قويه، حسن الإسلام أو رديئة ولذلك أضاف الرسول صلى الله عليه وسلم الدين للأمة ولم يضفه إلى الله تعالى [انظر: تجديد الدين في ضوء السنة، مجلة مركز بحوث السيرة والسنة، جامعة قطر، العدد الثاني 1987م]. فالتجديد على ذلك يكون مطلباً شرعياً بكل ما تجمله كلمة التجديد من معنى التغيير والتطوير وخلق الشخصية المسلمة القادرة على إطلاق طاقات الأمة في كل ميادين الحياة عن طريق الفكر والعقيدة والسلوك. ضرورة التجديد إن الدعوة إلى التجديد ضرورة تدعو إليها جملة من الأمور منها: 1- إن التجديد والابتكار هما ركنا التطور، إذ التطور لا يأتي من فراغ وإنما هو نتيجة لدراسة الآراء والأفكار وأخذ الصالح المفيد منها مع إضافة رؤى أخرى عليها فيتولد من ذلك فكر نير تسترشد به الأمة في مسيرتها. 2- إن التجديد كما هو مطلب اجتماعي هو كذلك مطلب عقلي، إذ ليس من العدل والإنصاف أن نطلب من أحد أن يأخذ بفكر من سبقه من غير مناقشة أو إبداء رأى خاصة إذا كان أهلا لذلك. وما ذلك إلا تعطيل لوظيفة العقل. ومازال علماؤنا يناقشون آراء من تقدمهم فتارة يؤيدونها وتارة يردونها وتارة ثالثة يضيفون إليها، ولم يعب أحد عليهم هذا الصنيع وكل ذلك يتم بحثاً عن الحق والحقيقة. 3- إن الإنسان منذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا يعيش في تطور مستمر في جميع أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.. وهذا أمر محسوس ملموس لا يحتاج إلى دليل لإثباته. إن هذا التطور في الحياة يجب أن يواكبه فكر متجدد ينبع عن رؤية لقضايا الإنسان واهتمامه. إن الإنسان مهما بلغ مقدار التطور في حياته فإنه يحتاج إلى جنب ذلك التطور فكرا يُشبع عقله وروحه، وكلما كان الفكر متجدداً متوافقا مع النهضة التي يعيشها المجتمع كلما كان الإشباع أكمل مما يعكس أثراً إيجابياً على حيوية المجتمع ونشاطه. والفكر الإسلامي يواكب تطور الحياة فمن القواعد الفقهية المقررة أن الأحكام الشرعية التي وضعها المجتهد بناء على ما كان في عرفه وزمانه فإنها تتغير بتغير الزمن والعرف. 4- إن الإنسان كائن حي له حاجات متعددة، وهذه الحاجات تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، ومهمة الفكر الأساسية هي تلبية حاجة الإنسان، وهى مقياس نجاحه، فكلما كان الفكر ملبياً لحاجة الإنسان المشروعة كلما كان فكراً ناجحاً، والعكس بالعكس. ويمثل فقه الضرورة في الفكر الإسلامي تطبيقاً عمليا لتلبية ضرورات الإنسان وحاجاته. 5- ما من مجتمع على وجه الأرض إلا وله مشكلاته المختلفة، والفكر النافع هو الفكر الذي يقدم حلولاً لمشكلات مجتمعه، ولاشك أن المشكلات تتجدد بتطور المجتمع، فتظهر مشكلات لم تكن موجودة من قبل فيستلزم ذلك فكراً جديداً أو متجدداً لحل هذه المشكلات كما أن حاجتنا إلى التجديد تظهر جلية في إيجاد البدائل للأفكار التي يطرحها الفكر الغربي والتي تتعارض مع الشريعة الإسلامية. وقد خطا الفكر الإسلامي في مجال الاقتصاد خطوات عديدة إذ قدم بديلاً للبنوك الربوية يقوم على أساس إسلامي، وقد طبق في كثير من البلاد الإسلامية وأثبت نجاحه وفاعليته [انظر بحث: ضرورة التجديد وضوابطه فى الفكر الإسلامي، الدكتور: خالد عبد الله الشعيب]. 6- إن رفض الجمود والتقليد إنما يضع العقل المسلم أمام خيار وحيد، هو الخيار التجديدي. وهذا التجديد الذي يجمع بين سلفية العودة للمنابع والأصول الإسلامية، وبين عصرية فقه الواقع المعيش واستشراف المستقبل، هو – في النسق الفكري الإسلامي – أكثر من مجرد ( خيار ) لأنه ضرورة إسلامية اقتضاها ويقتضيها كون الشريعة الإسلامية هي الشريعة العالمية، والخاتمة، إذ بدون التجديد الذي يحافظ على الثوابت كي لا تحدث قطيعة معرفية مع الأصول والمقاصد تُفقدُ الجديد إسلاميته.. والذي يُجدد في الفروع وفقه الواقع كي تمتد فروع الشريعة فتظل كل الفضاءات التي يصل إليها الإسلام، وكي تقدم هذه الشريعة الحلول للقرون والأجيال التي تلت وتتلو عصر الوحي والتنزيل، فبدون هذا التجديد لا تتمكن الشريعة الإسلامية من أن تكون عالمية حقاً ولا خاتمة حقاً، أي أن التجديد هو السبيل لتحقيق إرادة الله أن تكون شريعة محمد هي العالمية وأن تظل حجة الله على عباده قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

مستقبلنا بين التجديد الإسلامى والحداثة الغربية

فى لقاء مع عدد من المثقفين الأندونيسيين - ذوى التوجهات الإسلامية - وأثناء استعراض واقع الفكر الاسلامى المعاصر حدثتهم عن تميز تيارات الفكر فى عالم الإسلام . نوزعها - على وجه الإجمال - الى
اولا : تيار الجمود والتقليد لتراثنا الفكرى ، وعلى الاخص منه تراث عصر التراجع الحضارى لأمتنا وحضارات ذلك التيار الذى ينظر ، فقط ، إلى الخلف .. ويقف عند ظواهر النصوص ، مغفلا المقاصد التى تغياها الشارع من وراء هذه النصوص .. بل ويتخير من النصوص ( النصوص الوسيطة ) بدلا من ( النصوص الأولى المقدسة والمعصومة )غافلين عن معنى ( النص ) فى علم أصول الفقه ، وهو الذى لا ينطبق على كل عبارة وإنما يقتصر على ما هو قطعى الثبوت وقطعى الدلالة ، الذى لا مجال فيه لأى تاويل
ولذلك كله ، فإن هذا التيار - تيار الجمود والتقليد - يخاصم النظر العقلى فى حكم وعلل الأحكام التى جاءت بها النصوص .. مع إهمال فقه الواقع المتغير ، والذى يتطلب - فى الفروع - أحكاما جديدة ، تواكب المتغيرات ، وتستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة التى تفرزها هذه المتغيرات
وثانيا : تيار التغريب والحداثة الغربية ، ذلك الذى انطلق من المرجعية الفلسفية للحضارة الغربية . معتمدا مناهج النظر ( الوضعية - العلمانية ) - واحيانا المادية - التى تعاملت بها تلك الحضارة مع الدين وحقائقه وعوالمه وعلومه ومعارفه فنظرت إلى الدين ومواريثه باعتبارها فكرا غير علمى ، عبَر عن مرحلة من مراحل تطور ( العقل الانسانى ) وهى مرحلة طفولة هذا العقل .. التى تلتها ونسختها ( مرحلة الميتافيزيقا ) والتى تلتها - هى الأخرى - ونسختها ( المرحلة الوضعية ) ، التى جعلت الكون المادى والواقع الدنيوى فقط - وليس الغيب - هو مصدر المعرفة الحقة والعلم الحقيقى ، كما جعلت ( العقل ) والتجربة وحدهما - دون ( النقل ) و ( الوجدان ) - الطريقان المعتمدان والمأمومنان لتحصيل هذه المعرفة .. فكانت ( القطيعة المعرفية ) مع الموروث . وبالذات الموروث الدينى تلك التى تميزت بها ثقافة الحداثة الغربية ، والحداثة الثقافية ، عندما عزلت علمانيتها السماء عن الأرض وبدعوى أن ( العالم مكتف بذاته ) وأن ( الإنسان مكتف بذاته ) . وأن تدبير هذه الحياة الدنيا إنما يتم بالاسباب المادية والملكات الانسانية المودعة فى ظوارها وعوالمها ، دونما حاجة إلى مدبر مفارق ومتعال من وراء الطبيعة .. حتى لقد جعلت هذه الثقافة الحداثية - التى تمحورت حول الإنسان دون الله - جعلت من هذا الانسان كائنا طبيعيا و ( سيدا للكون ) ، وليس ذلك المخلوق الربانى ، الذى نفخ الله فيه من روحه ، وجعله خليفة له أى سيدا فى الكون ، وليس سيد الكون ، وإنما عبدا لسيد الكون ذلك هو تيار التغريب والحداثة الغربية ، الذى نظر أهله إلى الغرب فقط ، فقلدوه وجمدوا على مقولات ثقافته وفلسفاته . كما نظر اهل الجمود التراثى فقط إلى الماضى ، فقلدوا مقولات سلف عصر تراجعنا الحضارى ، وجمدوا عند ظواهر نصوصها
وثالثا : تيار الإحياء والتجديد ، الإحياء لأصول الإسلام وثوابته ، بالعودة الى المنابع الجوهرية والنقية لهذا الدين الحنيف ، والنظر فيها بعقل معاصر ، يفقه أحكامها ، كما يفقه الواقع الذى يعيش فيه ، عاقدا القراّن بين ( فقه الواقع ) و ( فقه الأحكام ) ليصل إلى التجديد فى فى الفروع - أى الفقه ، الذى هو علم الفروع - مبدعا الأحكام الفقهية الجديدة التى تستجيب للمصالح الشرعية المعتبرة ، التى طرحتها وتطرحها مستجدات الواقع الجديد والمعيش
ففى هذا التيار - الإحيائى والتجديدى - تتوازن ( الثوابت ) - الدائمة الثبات ، والضامنة دوام إسلامية النسق الفكرى على امتداد الزمان والمكان - مع ( التجديد ) فى الفروع التى تطرحها متغيرات الواقع ومستجداته .. الأمر الذى ينفى القطيعة ( قطيعة الجديد والتجديد ) مع ( الثوابت والثبات ) .. كما ينفى ( الجمود والتقليد ) ، الذى يحدث فراغا فكريا ، سرعان ما تملؤه الفكرية الحداثية الغربية ، التى مثلت - منذ نشأتها فى عصر النهضة الأوروبية - قطيعة معرفية مع الموروث الدينى على وجه الخصوص
لقد دار حديثى مع المثقفين الاندونيسيين ، حول هذا التشخيص لتيارات الفكر فى عالم الإسلام
وأحسست أن كلامى كان واضحا .. وكان مقبولا .. اللهم إلا عند ذكر مصطلح ( التجديد ) أو الاشارة إلى نماذج العلماء المجددين ، فإن النظرات والإيماءات كانت لشئ بأن هناك لبسا يحول دون وضوح المقصود من وراء هذا التجديد
واخيرا أدركت أن هناك خلطا فى المفاهيم والمضامين - مفاهيم ومضامين المصطلحات - حدث لأن عددا من ( الحداثيين - المتغربين ) عمدوا إلى ( تسويق بضاعتهم ) ، الوضعية العلمانية - واحيانا المادية تحت عنوان وراية ومصطلح ( التجديد ) حتى اصبح هذا المصطلح ( سيئ السمعة ) عند هؤلاء المثقفين الأندونيسيين الأمر الذى أوجب ويستوجب تحديد مفاهيم ومضامين المصطلحات .. ليتميز ( التجديد ) كسبيل إسلامى أصيل فى التطور بعالم الأفكار .. عن ( الحداثة ) - بمعناها الغربى - تلك التى تعنى القيطعة المعرفية مع ثوابت الدين وأصوله . فهى نسخ للدين - بالجمود والإنكار , أو بالتأويل الذى يفرغه من محتواه - بينما يعنى ( التجديد ) : البعث والإحياء لثوابت الدين وأصوله ، مع تطور فى فقه الفروع ، مواكبة لمستجدات الواقع المعيش ، وحفاظا - فى ذات الوقت - على صلاح وصلاحية الثوابت والأصول الدينية لكل زمان ومكان .. فهما - ( الحداثة ) و ( التجديد ) - نقيضان فى نظرة كل منهما إلى ثوابت الدين وأصوله .. وأيضا فى النتائج التى يثمرها كل منهما إزاء الدين
إن للإسلام فلسفته الفريدة فى النظر الى الكون .. والى مكانة الانسان فى هذا الوجود .. والى نطاق حرية الانسان فى هذه الحياة .. وهى فلسفة لا وجه للتوفيق بينها وبين الفلسفة الوضعية التى قامت عليها النهضة الأوروربية الحديثة ، وثقافتها الحداثية المعاصرة
فالإنسان - فى الرؤية الإسلامية - مخلوق لله سبحانه وتعالى .. وفى هذا قد تتفق الرؤية الإسلامية مع الوضعية الغربية المؤمنة .. لكنها تعود فتفترق عنها عندما تقرر أن الله سبحانه وتعالى ، ليس مجرد خالق فقط ، وإنما هو الخالق والراعى والهادى والمدبر لهذا الوجود أو هذا الإنسان
فالله فى التراث الارسطى الإغريقى ، هو مجرد خلق للعالم والوجود ، خلقه ثم دفعه للحركة فتحرك .. ولا يزال يتحرك بواسطة الأسباب الذاتية المودعة فى عوالمه وقواه ، دونما حاجة إلى تدبير إلهى او رعاية ربانية ، او شريعة دينية يأتى بها الوحى ، من وراء الطبيعة والوجود المادى ألى الأنبياء والمرسلين
وهذه الرؤية الأرسطية هى ذاتهاالرؤية الوثنية الجاهلية .. فلقد كان الوثنيون - فى الجاهلية - يؤمنون بالله خالقا لهذا الوجود (( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )) اية 25 سورة لقمان (( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون )) اية 61 سورة العنكبوت (( ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون )) اية 63 سورة العنكبوت
فهم لا ينكرون الخلق والخالق لهذا الوجود .. وإنما استحقوا اوصاف ( لا يعلمون ) و ( لا يعقلون ) لأنهم وقفوا بنطاق عمل الذات الإلهية عند ( الخلق ) فقط ، وجعلوا ( التدبير ) للاصنام والاوثان والوسائط التى أشركوها مع الله ، يلجأون إليها إذا أرادوا الحرب أو السلم .. السفر أو القرار .. الفعل أو الترك .. الإقدام أو الإحجام .. الزواج او الطلاق .. الى غير ذلك من التدابير لشئون الحياة
وتلك بعينها ، هى الفلسفة الوضعية الغربية ، عندما تؤمن بالخلق والخالق .. فهى - بالعلمانية - قد قررت أن العالم مكتف بذاته ، وان الانسان مكتف بذاته .. فالعالم تدبره الأسباب الذاتية والمادية المودعة فى عوالمه ومجتمعاته وقواه وظواهره .. والإنسان هو سيد الكون .. ولا سلطان على العقل الإنسانى إلا للعقل الانسانى وحده و ( العقد الاجتماعى ) البشرى يقرره الاختيار الانسانى وحده ، والحرية الانسانية التى لا سقف عليها ولا إطار يحكمها من وحى أو شريعة تاتى بها السماء
وفى مقابل هذه الرؤية الوضعية - التى هى بعث وإحياء للتصور الأسمى ، وللتصورات الوثنية الجاهلية ، تأتى فرادة الرؤية الإسلامية ، التى لا تجعل الله مجرد خالق .. وإنما هو الخالق والراعى والهادى والمدبر لكل عوالم المخلوقات والتى ترى الإنسان خليفة لله ، خلقه الله ونفخ فيه من روحه ، واستخلفه لعمارة الأرض ، وسخر له كل ما فى الوجود ، وحياة القدرة والحرية والاختيار والاستطاعة والتمكين .. لكن فى حدود ثوابت عقد وعهد الاستخلاف - عقد وعهد الإنابة والتوكيل - فهذا الانسان - وفق عبارة الإمام محمد عبده : ( هو عبد الله وحده ، وسيد لكل شيئ بعده ) .. هو خليفة ونائب ووكيل لسيد الكون سبحانه وتعالى ، وليس هو سيد الكون .. وهو الحامل لأمانة عمران هذه الارض .. وهو فى تدبير هذا العمران ، مصدر السلطة والسلطان ، لكن فى إطار الحلال والحرام الدينى ، أى فى إطار الثوابت الدينية - عقيدة وشريعة وقيما - .. فهذا الانسان - فى الرؤية الاسلامية - ليس ذلك الحقير .. الفانى .. المهمش .. المجبر الذى لا حول له ولا طول .. وأيضا ليس هو سيد الكون ، المكتفى بذاته عن توجيهات الدين ، وتدبير السماء ، ووحى الله سبحانه وتعالى . وإنما هو - بهذه - الرؤية الفلسفية الوسطية - سلطان الارض ، المحكومة سلطاته بسلطان السماء ، لانه خليفة فى الكون ، وليس سيد هذا الكون .. لان سيد الكون - الله ، سبحانه وتعالى - ليس مجرد خالق ، وانما هو الخالق والمدبر لكل عوالم المخلوقات
يقول تعالى (( الا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين )) (( قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى )) (( إنَ ربكم الله الذى خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون )) (( الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شئ عليم )) صدق الله العظيم
فالرؤية ( الوضعية - العلمانية ) الغربية ، التى تريد تحرير الاجتماع الانسانى من ثوابت التدبير للشريعة الإلهية
فنقول - مثلا - ( لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين ) .. او تحرر الوطن من الدين ومن العبودية لله ، ومن الالتزام بحاكمية الشريعة الالهية ، بدعوى ( أن الدين لله ، والوطن للجميع ) هذه الرؤية التى تعزل السماء عن الأرض ، وتحصر الفعل الإلهى فى نطاق دون نطاق ، هى التعبير الحديث والمعاصر عن الرؤية الوثنية الجاهلية التى سفهها القراّن الكريم وسفه قسمتها هذه عندما قال : (( وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون )) صدق الله العظيم
بينما الرؤية الاسلامية تجعل الدين لله .. أى خالصا دون طغيان الطواغيت والعبودية لهم .. وتجعل الوطن أيضا لله . سخر الله ما فيه من إمكانات للإنسان - الامة .. المواطنين - المستخلف فى عمرانه وتدبيره وفق الشريعة الإلهية - التى هى بنود عقد وعهد الإستخلاف - فالكل - الوطن والمواطنون - فى الحقيقة وواقع الامر - لله ، سبحانه وتعالى ، وفق المنطق والمبدأ القراّنى (( قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )) صدق الله العظيم
تلك هى المنطلقات المختلفة لكل من الرؤية الاسلامية المؤمنة للكون .. ولمكانة الإنسان فى هذه الوجود ولنطاق الحرية الانسانية فى هذه الحياة - وهى الرؤية المؤسسة على فلسفة الخلافة والاستخلاف - وللرؤية ( الوضعية الغربية ) حتى المؤمنة منها - والتى مثلت وتمثل الجذر الفلسفى الذى يفتح الباب امام الحداثة الغربية لإنكار الثوابت الدينية ، ونسخها ، وإقامة القطيعة المعرفية معها ، بشكل مباشر وحاد ، او بالتأويل الذى يفرغ الدين ومصطلحاته من محتواه .. بينما تحول الرؤية الاسلامية دون فتح هذا الباب ، مكتفية - لتلبية احتياجات التطور ، ومتغيرات الواقع ، ومستجدات الزمان والمكان والمصالح بطريق واّليات ( التجديد الذى يحيى الثوابت ويعيد الحيوية إلى الأصول مع التغيير والتجديد والتطوير والإبداع فى الفروع التى تواكب مستجدات الواقع والمصالح والحياة ) فإذا كانت
فاءذا كانت الحداثة الغربية - انطلاقا من الفلسفة الوضعية ، التى حررت الدنيا من الدين - قد أقامت قطيعة معرفية مع الموروث الدينى
وإذا كان الجمود والتقليد - فى فكرنا الإسلامى - ينكر التجديد ، أو يستريب فيه ، بدعوى أن الإسلام قد اكتمل ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا ) صدق الله العظيم
والمكتمل - بنظرهم - لا يحتاج إلى تجديد .. فإن تحديد المفاهيم .. وتحرير مضامين المصطلحات .. هو الكفيل بتمييز ( التجديد ) عن الحداثة وبنفى التناقض الموهوم بين التجديد وبين اكتمال الدين
إن ( اكتمال الدين ) و ( تجديده ) .. وبتعبير اّخر ( السلفية ) .. و ( التجديد ) .. مصطلحان يرمزان - فى عرف بعض الباحثين - إلى نسقين متقابلين ، بل ومتناقضين فى الرؤية والمنهج والتفكير والثمرات . والذين ينظرون إلى فكرنا الإسلامى بمناهج الفكر الغربى لا يتصورون علاقة وفاق أو اتفاق أو تكامل بين ( اكتمال الدين ) وبين (تجديده ) أو بين ( السلفية ) وبين ( التجديد ) .. ففى الفكر الغربى ، كانت ( السلفية ) - الأرثوذكسية - هى الوقوف عند الأصول فقط - وهى أصول لا علمية ولا عقلانية - حتى لقد سميت هذه ( السلفية ) هناك بـ ( الاصولية ) بمعناها الغربى ، أى الجمود المنافى للتقدم وللعقل وللعلم ولمواكبة مستجدات الزمان والمكان .. كما كانت الحداثة هى رد الفعل الغربى للسلفية والأصولية الغربية ، التى مثلت ثورة أتت على هذه الأصولية الارثوذكسية من القواعد والأسس
لكن منهجنا الإسلامى ، بوسطيته الجامعة ، لم يعرف ولن يعرف هذه الثنائية الانشطارية التى تقيم التقابل والتضاد بين ( إكتمال الدين .. والسلفية ) وبين الاجتهاد فيه .. والتجديد له
إننا نتلوا فى اّيات القراّن الكريم قول الله سبحانه وتعالى (( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا )) صدق الله العظيم
ونقرأ فى السنة النبوية الشريفة ، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) صدق الرسول الكريم ، فلا نشعر - بالمنهج الإسلامى .. ووسطيته الجامعة - أن هناك تناقضا بين اكتمال الدين ، بتمام الوحى وختام النبوة والرسالة ، وبين التجديد الدائم ابدا لهذا الدين ، الذى اكتمل بختم الوحى وتمام القراّن الكريم
ذلك أن الدين : عقيدة وشريعة .. والعقيدة فيه هى : الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الاّخر .. والشريعة فيه هى : كل ما ينهجه المسلم ويسلكه ويقيمه - من عبادات .. وقيم .. ومعاملات - كى يعتقد هذه العقيدة ويتدين بها .. ولكل من العقيدة والشريعة أصول وقواعد وأركان ، هى جميعها قد اكتملت بتمام الوحى الذى اكتمل به الدين ، وبإقامة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وصحابته رضى الله عنهم لهذا الدين
لكن الإنسان المسلم ، بحكم خلافته لله ، سبحانه وتعالى ، فى عمارة الأرض وسياسة المجتمع ، وتنمية العمران ، لابد له - وهو ينجز مهمة خلافته هذه . ويؤدى أمانتها - من إقامة ابنية أخرى يبدعها هو فوق هذه الأصول والقواعد والأركان .. فالإسلام - مثلا - قد بنى على خمس - ( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ) كما قال الرسول الكريم - فهذه الاركان الخمسة هى القواعد التى بنى عليها الإسلام ، وليست هى كل بناء الإسلام ، وإنما هى القواعد التى تعلوها أبنية الفروع .. وهذه الابنية - الفروع للأصول وخاصة فى المعاملات والتى تتغير وتتجدد وتتطور تبعا للمصلحة ووفقا لمقتضيات الزمان والمكان - إذا كانت متسقة مع مقاصد الأصول وغايات القواعد وحدود الأركان فهى ( تجديد ) فى نطاق واّفاق وروح وتأثيرات هذه الأصول والقواعد والأركان .. فالأصول الثوابت قد اكتملت باكتمال الدين ، بينما اّفاقها واّثارها والفروع الباسقة منها دائمة النمو والتغير والتطور شاهدة على دوام التجديد ، وعلى العلاقة بين هذا التجديد وبين الثوابت المكتملة من الأصول والقواعد والأركان
ولوضوح هذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامى ، كان اتفاق مذاهب الفكر الإسلامى على امتناع الاجتهاد فى الأصول ففيها وعليها قامت وحدة الأمة - التى هى فريضة دينية .. واصل دينى - منذ اكتمال الدين بختم الرسالة .. وكان اتفاق هذه المذاهب كذلك على أن الاجتهاد الاسلامى مجاله ( الفروع ) فهو ، عندئذ ، يمد - بالتجديد - فروع الاصول الى المستجدات من الوقائع والمصالح .. ويحل أحكاما جديدة - أى فروعا جديدة - محل أحكام تجاوزها الواقع الذى تغير والعرف الذى تطور والعادات التى تبدلت والمصالح التى استجدت ، عندما تكون هذه الاحكام ذات علل غائبة ، تدور معها وجودا وعدما .. بل إن هذا الاجتهاد والتجديد إنما ينهض بدوره الدائم فى الكشف عن جوهر الاصول والقواعد والاركان وتجليتها إذا علاها غبار الابتداع فطمس معالمها بالزيادة أو الانتقاص أو التحريف أو فاسد التأويل .. ففى الاصول والقواعد ، أيضا ، تجديد - بهذا المعنى - وهو الذى جعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتحدث عن ( تجديد الدين ) ، وليس فقط تجديد ( فكر المتدينين بالدين ) .. وهو الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبه على أن للإيمان - وهو جوهر الدين - تجديدا .. وذلك عندما قال لصحابته وأمته : ( جددوا إيمانكم ، قيل يا رسول الله ، وكيف نجدد إيماننا ؟ ، قال : أكثروا من قول لا إله إلا الله ) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأن كلمة التوحيد هى الثورة التى تكشف عن نقاء هذا التوحيد ، عندما تزيل عن أصوله وجوهره غبار واّثار العبودية والخضوع للطواغيت .. وبذلك يتجدد الايمان .. ويعود التوحيد الى امضاء التحرير للانسان من عبودية هذه الطواغيت ..فيكون إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية هو قمة التحرير لملكات وطاقات الانسان : فليس ( التجديد ) إذن نقيضا لـ ( اكتمال الدين وثباته ) ، بل انه السبيل لامتداد تاثيرات الدين الكامل وثوابته واصوله الى الميادين الجديدة ، والامور المستحدثة ، والضمان لبقاء ( الاصول ) صالحة دائمة لكل زمان ومكان .. اى انه هو الضمان لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة ، ولولا مده الفروع الجديدة من المحدثات ، واقامته الخيوط الجديدة بين الاصول الثابتة وبين الجديد الذى يطرحه تطور الحياة ، ولولا تجديده الدائم الذى يجلوا الوجه الحقيقى النقى لاصول الدين وثوابته .. لولا دور ( التجديد ) هذا فى حياة الاسلام وسيرته لنسخت وطمست هذه الاصول ، اما بتجاوز الحياة الممتدة لظل الفروع الاولى والقديمة ، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الاسلام .. او بتشويه البدع ، عندما تتراكم لجوهر هذه الاصول
إن الله ، سبحانه وتعالى ، لما تعهد بحفظ القراّن الكريم وصيانته عن التحريف والتبديل (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )) . يسر للمسلمين اسباب ذلك ، فكان جمعه .. وتدوينه .. وخدمته بعلوم القراّن .. وكذلك الحال مع الدين الخاتم والرسالة العامة ، التى عنى ختم الرسالات السماوية بها إرادة الله دوام بقائها وعطائها الى ان يعرض البشر على بارئهم يوم الدين . فكان السبيل الى دوام بقاء هذا الدين واستمرار عطائه وصلاحه لكل زمان ومكان هو إعمال سنة التجديد للدين والفكر الدينى .. وهى ( سنة ) لا تبديل لها ولا تحويل ، اى انها قانون من القوانين الفاعلة والعاملة دائما وابدا فى النسق الفكرى الاسلامى ، وليست مجرد ( مباح ) ، أو مجرد حق من حقوق العقل الاسلامى
هكذا جمعت الوسطية الاسلامية ، وتجمع ، بين ( اكتمال الدين ) وبين ( تجديده ) .. وربطت بين ( السلفية ) - بمعنى العودة فى الدين الى اصوله وينابعه الجوهرية والنقية - وبين ( التجديد ) فى الفروع وفى المتغيرات
ونحن اذا نظرنا الى ذاتنا الحضارية ، بمنهجنا الاسلامى ، فسنجد ان فى ( سلفيتنا ) هذا اجتهاد يميز بين الجوهر - جوهر الوضع الالهى للدين - وبين الاضافات والنواقص والبدع التى طرأت على جوهره واصوله .. وسنجد ان فى ( اجتهادنا ) - الذى هو استنباط الاحكام الجديدة للواقع الجديد - سنجد ان فى هذا الاجتهاد : سلفية تستحضر الاصول والمبادئ والمقاصد ، لنرى الواقع الجديد فى ضوئها ، ونستخرج له منها الاحكام الجديدة .. ففى السلفية تجديد .. وفى التجديد سلفية .. وكل المجددين - فى سيرتنا الحضارية - كانوا سلفيين فى الاصول ، ومجددين فى الفروع
إن شيخ الاسلام ابن تيمية الذى هو طليعة من يرد على الذهن والخاطر إذا ذكر مصطلح ( السلفية ) لم يكن مجرد مجتهد ، وانما كان واحدا من ابرز الذين سعوا الى إبداع مشروع فكرى لتجديد الدين الاسلامى كى تتجدد به دنيا المسلمين .. وإن ابرز تلاميذ ابن تيمية ، وهو العلامة ابن القيم هو الذى عقد - فى كتابه ( إعلام الموقعين ) - فصلا نفسيا جعل عنوانه ( فصل فى تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغير الازمنة والامكنة والاحوال والنيات والعوائد ) ذلك ( لأن الشريعة مبناها واساسها على الحكم ومصالح العباد فى المعاش والمعاد ، وهى عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل الى الجور وعن الرحمة الى ضدها وعن المصلحة الى المفسدة ، وعن الحكمة الى العبث ، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها ) اعلام الموقعين
فالثابت فى الشريعة هو فلسفة التشريع ، والقواعد والنظريات ، والأحكام التى قننت للثوابت - من مثل القيم والحدود - أما التفاصيل والفروع والجزئيات - التى هى موضوع الفقه - فإن باب الاجتهاد والتجديد مفتوح فيها أمام العقل الفقهى ، كى يبدع الجديد من الاحكام ، التى تواكب متغيرات الواقع ومستجدات الزمان والمكان والاحوال والنيات والعادات .. كما قال ويقول الأئمة السلفيون - المجددون
هكذا تحددت .. وتحررت .. ووضحت المفاهيم .. مفاهيم ( التجديد ) و ( الحداثة ) .. وانتفت شبهات التناقض بين اكتمال الدين وبين تجديده .. وأيضا بين سلفية العودة إلى الأصول والثوابت وبين التجديد فى الفتاوى والأحكام
بقلم الدكتور محمد عمارة المفكر الاسلامى الكبير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ