الأربعاء، 18 أبريل 2012

موسوعة علوم القرآن : تدوين القرآن الكريم

تدوين القرآن الكريم




        أربعة أعمال : مجيدة , وخالدة , وهامة , في تاريخ النص القرآنى الشريف0
        الأول : تدوين القرآن الكريم فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم.
الثانى : جمع القرآن الكريم , وتدوينه , فى عهد أبى بكر رضى الله عنه 0
والثالث : جمع القرآن الكريم , وتدوينه , فى عهد عثمان رضى الله عنه 0
والرابع : وضع النقط والشكل فى المصحف الشريف , فى عهد التابعين رضوان الله عليهم 0

* * *
* * *

ولقد اهتم المسلمون اهتماما بالغا بتدوين القرآن الكريم , فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم , وبين يديه , وباملائه عليه الصلاة والسلام0
حتى تحقق لهم :
تدوين القرآن جميعه , فى زمان الرسول صلى الله عليه وسلم بإقرار منه 0
وبمحضر من جميع الصحابة , الذين كانوا يعرفون الكتابة جيدا , وهم كثرة يفيد نقلهم العلم الضرورى 0

- ب-

وأمن المسلمون بذلك من ضياع السند الكتابى للقرآن الكريم 0
* * *
* * *
كما اهتموا بجمع القرآن , وتدوينه , فى عهد أبى بكر رضى الله عنه , من حيث :
الدوافع 0
والاقناع والاقتناع 0
وطريقة التنفيذ 0
حتى تحقق لهم :
جمع القرآن من الصحف والقطع المتناثرة , التى كان مكتوبا فيها 0
وتدوينه فى مصحف واحد 0
وأمن المسلمون بذلك : من المخاوف التى تنبه لها البعض , وحذَّر منها حينئذ 0
* * *
* * *

كما اهتموا – ثالثا – بجمع القرآن , وتدوينه , فى عهد عثمان رضى الله عنه , من حيث :
الدوافع 0
والإقناع والإقتناع 0

- جـ -
وطريقة التنفيذ 0
حتى تحقق لهم :
نسخ المصاحف العثمانية من مصحف أبى بكر 0 وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية العديدة 0
وأمن المسلمون بذلك : من المخاوف التى تنبه لها البعض , وحذَّر منها حينئذ 0

* * *
* * *

كما اهتموا - رابعا – بوضع النَّقْط والشكل فى المصحف الشريف , فى عهد التابعين , من حيث :
الدوافع 0
والإقناع والإقتناع 0
وطريقة التنفيذ 0
حتى تحقق لهم :
وضع النَّقْط والشكل فى المصحف الشريف , بشكل رائع ؛ يقيه من : لحن الألْسُن , وصعوبة التلاوة 0
وأمن المسلمون بذلك : من المخاوف التى تنبه لها البعض وحذَّر منها حينئذ 0
* * *
* * *
- د -
هذا 00
ولئن كان كتابنا "قصة النقط والشكل فى المصحف الشريف " قد تكفل بالحديث عن هذا العمل الرابع الرائع فى مجال خدمة النص القرآنى الشريف 0 !!
فإن هذا الكتاب : يتناول بالتفصيل والتوضيح الجهود العملاقة , التى تمت في "تدوين القرآن الكريم " فى عهوده الثلاثة 0
ويقدمها لأبناء الإسلام , فى هذا الجيل , وكل جيل 0
يدحضون بها : افتراءات أعداء الإسلام 0
ويرون فيها : ألوان الحفظ لكتاب الله تعالى ؛ إذ يقول ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )[الحجر 9] 0
ويحملون الراية بهديها لخدمة الإسلام: واعين , جادَّين (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا المصير ) صدق الله العظيم 0
............................................................................................0

* كتابه عليه الصلاة والسلام :
كان للرسول صلى الله عليه وسلم كتبة متخصصون فى الكتابة له عليه السلام 0
بل كان له كذلك منهم : متخصصون فى أنواع معينة من الكتابات ، كما سنرى على الوجه التالى :-

أولا – كتّابه عليه الصلاة والسلام على وجه العموم :
تذكر المراجع العلمية (32) أنه كان للرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب : -
1- أبو بكر رضى الله عنه 22- سعيد بن العاص
2- أبى بن كعب 23- سعيد بن سعيد بن العاص
3- أبو أيوب الأنصارى 24- السجل (33)
4- أبو سلمة المخزومى 25- سعد بن أبى وقاص
5- أبو سفيان بن حرب 26- شرحبيل بن حسنة
6- أبان بن أبى سفيان 27- طلحة بن عبيد الله
7- الأرقم بن أبى الأرقم 28- عمر بن الخطاب
8- أبو رافع القبطى 29- عثمان بن عفان
9- بريدة بن الحصيب 30- على بن أبى طالب
10- ثابت بن قيس 31- عبد الله بن رواحة
11- جهيم بن الصلت 32- عبد الله بن عبيد الله بن أبى بن سلول
12- حنظلة بن الربيع 33- عبد الله بن سعد بن أبى السرح 13- حويطب بن عبد العزى 34- عبد الله بن زيد
14- الحصين بن نمير النميرى 35- عبد الله بن عبد رب الأسد 15- حذيفة بن اليمان 36- عامر بن فهيرة
16- حاطب بن عمرو 37- عمرو بن العاص
17- خالد بن الوليد 38- العلاء بن الحضرمى
18- خالد بن سعيد بن العاص 39- العلاء بن عقبة
19- خالد بن زيد 40- عبد الله بن الأرقم
20- زيد بن ثابت 41- معاوية بن أبى سفيان
21- الزبير بن العوام 42- معيقيب بن أبى فاطمة
43- المغيرة بن شعبة 44- معاذ بن جبل
45- محمد بن مسلمة 46- يزيد بن أبى سفيان 0

ثانيا - الكتَّاب المتخصصون :
وقد حظى هذا البحث بأن عثر – بفضل الله تعالى - على ما يفيد : تقدم فن الكتابة فيما قبل الإسلام وإبَّان ظهوره ؛ إذ وصل الأمر ببعض الناس من الإجادة درجة أهلته للتخصص والاشتهار بنوع من أنواعها 0
حيث نجد من كتاب رسول الله من تخصص منهم للكتابة بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم فيما يلى :-
1- فى كتابة المعاملات والمدانيات وسائر العقود : -
أ- عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث الزهرى 0
ب- العلاء بن عقبة 0
وكانا يكتبان كذلك : فى هذه الامور بين الناس (30)0
2- كتابة مغانم رسول الله صلى الله عليه وسلم (30)
معيقيب بن أبى فاطمة الدوسى 0
3- الكتابة فيما يعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حوائجه وأموره : (30)
أ‌- المغيرة بن شعبة 0
ب- الحصين بن نمير 0
جـ - سعيد بن العاص 0
4- كتابة أموال الصدقات : (34)
أ- الزبير بن العوام 0
ب- جهيم بن الصلت 0
5- الكتابة فى خَرْص النخل : (35)
حذيفة بن اليمان 0
6- كتابة العهود والمصالحات (36)
على بن أبى طالب 0
7- ومن كتاب الرسائل له عليه الصلاة والسلام (37)
أ – زيد بن ثابت 0
ب – عبد الله بن الأرقم الزهرى0
جـ - أبى بن كعب 0
8- وممن كان يقوم بدلا عن كل واحد ممن هؤلاء :
حنظلة بن الربيع بن صيفى الأسيدى 0
ومعنى ذلك :
أنه كان إذا غاب أحد ممن تقدم ذكرهم من الكتاب ؛ قام حنظلة هذا بكتابة ما ينفرد به هذا الغائب 0
أى أنه كان يشغل ما يشبه وظيفة " نائب الكتاب " 0
ولذا كان يسمى : حنظلة الكاتب (30)
9- وممن كان يكتب إلى الملوك والرؤساء الأجانب , باللغات الأجنبية ، بجانب قيامه باعمال الترجمة : التحريرية , والفورية له عليه الصلاة والسلام (30) - كما سبقت الاشارة إلى ذلك :
زيد بن ثابت 0
10- وممن كان يكتب الوحى :
لقد كتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم – وكانوا يحرصون على ذلك أشد الحرص – كل من تقدم ذكرهم ، وغير من تقدم0
وتشير المراجع إلى أن : أول من كتب له عليه السلام فى ذلك بمكة من قريش (38) :
عبد الله بن سعد بن أبى سرح 0
وأول من 0
كتب له حين قدم المدينة :
زيد بن ثابت (38)
وأبى بن كعب (39)
وألزمهم
له فى هذا الشأن وأخصهم به : (14)
زيد بن ثابت
ومعاوية بن أبى سفيان

وملاحظاتنا على هذا التعداد الذى تحاوله المراجع :
1- انه ليس تعدادا على وجه الحصر والقطع بعدد معين , كما صرح بذلك بعض الباحثين (40) 0
ذلك : أنه لم يقم على ما نعرف من وسائل الإحصاء وسبل الحصر العلمية , التى تكشفت عنها علوم هذا العصر 0
وأيضا فإنه لم يذكر إلا من ثبت على كتابته , واتصلت أيامه فيها , وطالت مدته وصحت الرواية على ذلك من أمره , دون من كتب الكتاب والكتابين والثلاثة ؛ إذ كان يستحق بذلك أن يسمى كاتبا , ويصاف الى جملة كتابه " (30)
ولذا فهناك غير هؤلاء كثيرون :
2- أنه إذا كان هذا هو الحال فى المسلمين , وهم بالنسبة الى جميع العرب – وقتها – لا يمثلون الغالبية 00!!
فما بالنا بأعداد الكتاب فى غير هؤلاء المسلمين 00 ؟ !! لابد وأنهم على هذا : كانوا أعدادا كثيرة , وكانوا كذلك مجيدين لأنواع الكتابات المختلفة 0
مما يؤكد لنا : أن الذين كتبوا القرآن الكريم 00 لم يكن يعتور كتابتهم الخطأ , أو يشوب معرفتهم بها أى نقص , أو خلل , كما يدعى بعض الباحثين (4) 0
............................................................................................
 
التدوين فى عهد الرسول
الكتاب
تتوافر المراجع العلمية : على إثبات أن مجلس النبى عليه الصلاة والسلام كان يحظى بعدد وفير من الكتاب , الذي يبتهلون فرصة نزول الوحى عليه ، لتسجيل آيات القرآن الكريم وألفاظه , بالتدوين فى صحائفهم وألواحهم , بين يديه وباملائه , صلى الله عليه وسلم 0
كما أنها تذكر كذلك : أعدادا كثيرة من الكتاب , كانت تحرص أيضا على تدوين ما كان ينزل من الوحى ؛ بالرغم من بعدها عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ساعة نزول الوحى به 0
وهؤلاء الكتاب : كثيرون ، بلغ احصاؤهم أخيرا نيفا وأربعين كاتبا كما مر فى التمهيد (1)0
ونكتفى هنا أن نذكر – مرة أخرى - أن : ألزمهم له فى كتابة القرآن , واخصهم بذلك من بين الكتاب , كان :
زيد بن ثابت
ومعاوية بن أبى سفيان
كما كان أول من كتب له القرآن عليه الصلاة والسلام بمكة من قريش هو :
عبد الله بن أبى سرح
وأن أول من كتب له القرآن حين قدم المدينة كان :
زيد بن ثابت 0
وأبى بن كعب 0
وهؤلاء جميعا : كانوا ممن برعوا فى الكتابة يومئذ , وممن وضع
فيهم النبى عليه الصلاة والسلام ثقته , لأنهم مع حذقهم فى الكتابة , جمعوا
فضائل الكتاب من :
الأمانة , والضبط وإرهاف السمع ووعى القلب (2)0
وقد كتب هؤلاء الكتاب آيات القرآن الكريم : كما أملاهاعليهم النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى المكان الذى يحدده لهذه الآية , أو تلك 0
فقد كان صلى الله عليه وسلم "إذا نزل عليه شئ – من القرآن – دعا بعض من يكتب , فيقول : ضعوا هذه الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا ) 0 (3)
بهذا الشكل : كان النبى صلى الله عليه وسلم يملى عليهم مباشرة , فيكتبون ما نزل بحضرته , ويعرضون عليه مرة بعد اخرى حتى يقرهم 0 (4)
ولم تقتصر كتابة القرآن فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم على ما كان يكتب بين يديه , ومن إملائه فقط : بل كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يكتب ما تعلمه من القرآن ، فيما تيسر له من الصحف وغيره , بعيدا عنه ؛ نظرا لمشاغله وعدم فراغه , أو نظرا لكونه فى غزوة أو سرية منعته من كتابة مانزل وقت نزوله وبين يديه صلى الله عليه وسلم 0 (5)
ولعله لوجود فريق من الناس يكتبون القرآن بعيدا عنه صلى الله عليه وسلم : ورد عنه – حفظا للقرآن من التخليط – قوله نهيا " لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن , فمن كتب عنى شيئا سوى القرآن فليمحه " 0(6)
وبهذا النهى : انصرفت همة الناس إلى كتابة القرآن الكريم وحده , آنذاك وتسجيله , حتى زمن الاختفاء فى أوائل الإسلام لم تمنعهم ظروفهم من ذلك , فكانوا يكتبون , ويتدارسون القرآن من هذه الصحائف فى البيوت , وكان المشركون يسمون هذه الدراسة إذ ذاك "الهينمة " (4) 0
ومن شواهد ذلك : حديث عمر بن الخطاب مع أخته قبل إسلامه , وهى
المشهورة بقصة اسلام عمر (7)0
وقد حفلت كتب السنة بالروايات التى تدل على أن النبى صلى الله عليه وسلم إهتم بكتابة القرآن 0
وأنه اتخذ كتابا –كما أشرنا – لهذا الغرض 0
وأن القرآن كتب كله فى عهده وحضرته بمكة والمدينة , بكل اتقان وضبط (8) من أوله إلى آخره , فى صحائف وقراطيس متفرقة 0
وكانت هذه الصحائف والقراطيس : أغلى من أنفسهم , وأنفس لديهم من كل نفيس , وأحب إليهم من كل حبيب وجليس 0 (4)
و ذلك : لتيقنهم أن القرآن هو السبب فى عزهم وسعادتهم , وأنه أساس دينهم وشريعتهم 0 (9)
وبهذا الشكل : كتب القرآن جميعه فى زمان الرسول صلى الله عليه وسلم : باقرار منه , وبمحضر من جميع الصحابة الذين كانوا أهلا لمعرفة الكتابة , وكيفية الرسم , وهم عدد كثير لا يحصى , يفيد نقلهم العلم الضرورى 0 (10)
قال معاذ بن جبل , وهو أحد هؤلاء الكتاب :
عرضنا القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم : فلم يعب أحدا منا0
وقد ظهر الإسلام فى جميع أنحاء جزيرة العرب : كاليمن والبحرين وعمان , ونجد وبلاد مضر , وربيعة وقضاعة والطائف ومكة , ليس فيها مدينة ولا قرية ولا حلة عرب , إلا وقد قرئ فيها القرآن , وعلمه الصبيان والنساء , وكتب وحفظ فى الصدور
 
لماذا كتب فى هذا العهد ؟
لماذا حرص النبى عليه الصلاة والسلام على كتابة القرآن فى عهده , وبين يديه , الى هذا الحد الذى يجعل الكتاب على هذه الدرجة العالية من الحرص والتنافس والفقه والعناية في كتابته , خاصة وأن رسول الله بين ظهرانيهم يتلو عليهم ويبلغهم ؟ ؟
لابد إذا من سبب أو أسباب دفعت فطنة النبى عليه الصلاة والسلام وكتابه إلى الحرص على تسجيل النص القرآنى كلما نزل منه شئ جديد 00 !!
وهذه الأسباب – فيما يرى المرحوم الشيخ محمد فريد حامد العبادى ، ونحن معه – هى :
1- تبليغ الوحى على الوجه الأكمل , نظرا لأن الكتابة لا يتطرق إليها الشك أو النسيان 0
2- تبليغ الشاهد الغائب , وتبليغ الصحابة لمن بعدهم 0
3- معاضدة المكتوب للمحفوظ 0
4- تنبيه المسلمين إلى المحافظة على القرآن بكل الوسائل
ويمكن أن يضاف إلى هذه الأسباب :
5- تعليم الرسم الخاص بكلمات القرآن ؛ حيث إن غيره من الرسوم: لم تكن – ولا تصلح أن – تتحمل ما يتحمله هذا الرسم من وجوه الإعجاز0
 
طريقة التدوين
       كتب القرآن الكريم فى عهده -صلى الله عليه وسلم- جميعه , على الألواح , واللَّخاف , والعسب والعظام .. و .. و .. إلخ..

       وتنقسم هذه القطع من حيث ما كتب فيها إلى قسمين : -

        القسم الأول: ما كتب بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- , وبإملائه.

        القسم الثانى : ما كتب بعيدا عنه عليه الصلاة والسلام .

       وسنتناول لبيان طريقة الكتابة فى عهده عليه الصلاة والسلام , الحديث حسب هذا التقسيم .

        القسم الاول : ما كتب بين يديه -صلى الله عليه وسلم- وباملائه :

       كان النبى -صلى الله عليه وسلم- كلما نزل عليه شئ من القرآن : دعا بعض كتبة الوحى , وأملى عليهم ما نزل عليه , ثم يستحفظ أصحابه فى هذا الذى نزل , فيحفظون , ويعرض عليهم , ويعرضون عليه , المرة بعد الأخرى , حتى يقرهم .(1)

       وهكذا كان دأبه عليه الصلاة والسلام .

       "إذا نزل عليه شئ دعا بعض من يكتب , فيقول ضعوا هذه الآيات , فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا " (2)

        بل إنه ما من آية نزلت : إلا وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من يكتب له , أن يضعها فى موضع كذا من سورة كذا ويمليها عليهم بنفسه (3)

        روى البخارى عن البراء قال : (2)

        لما نزلت ( لا يستوى القاعدون من المؤمنين )

        قال النبى -صلى الله عليه وسلم- :

        ادع فلانا .

        فجاء : ومعه الدواة واللوح , أو الكتف .

        فقال :

       أكتب (لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ).

        وخلف النبى -صلى الله عليه وسلم- ابن أم مكتوم .

        فقال :

        يا رسول الله : أنا ضرير , فهل من رخصة ؟

        فنزلت مكانها :

        ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ) (4)

        فأمر -صلى الله عليه وسلم- زيدا أن يكتبها ؛ فكتبها 0

        قال زيد : كأني أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف 0

        وأثناء ذلك : كان يرشد الكتاب الى ما يجعل كتابتهم حسنة ومتقنة , ويرشدهم إلى تجويدها وتحقيقها , حتى تزداد وضوحا ولرسالتها أداءً 0 (5)

        ومن الضرورى أنه كانت تعاد كتابة الآية أو الآيات : مرة أو مرات , إذا لزم الأمر إلى ذلك , كأن تعاد الكتابة من أجل الترتيب لهذه الآية , أو الآيات فى سورها 0

        فقد أخرج الحاكم بسنده على شرط الشيخين , عن زيد ابن ثابت قال :

       "كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- , نؤلف القرآن من الرقاع" الحديث0

       قال البيهقى : يشبه أن يكون المراد به : تأليف ما نزل من الآيات المفرقة فى سورها , وجمعها فيها , باشارة من النبى -صلى الله عليه وسلم.0 (6)

        ومن الضرورى أيضا: أنهم كانوا يراجعون مكتوباتهم لأنفسهم أولا , ولبعضهم ثانيا , مبالغة منهم فى التثبت والدقة , وصيانة النص الشريف 0

        وقد كانوا يرون خلال هذه المراجعات خطوط بعضهم البعض 0

        وقد كانت بالضرورة – جميعها – متوافقة : وإلا لتناقشوا فى ذلك , ولو تناقشوا لنقل إلينا , ولكنه لم ينقل إلينا مثل هذا ؛ فدل على أن كتاباتهم كانت متفقة مع بعضها البعض , ومطابقة لإملاء النبى -صلى الله عليه وسلم- لهم , الذى كان يتابعهم أولا بأول , و يملى عليهم بنفسه مباشرة 0

        والمسلمون مجمعون على أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يكتبون : إلا ما كانوا يقطعون بسماعه من النبى صلى الله عليه وسلم 0 (7)

        ومن الضرورى كذلك : أنهم هم الذين كتبوا بعض الكلمات فى بعض المواضع برسم , وفى بعضها الآخر برسم آخر 0 مثل كلمة : " سبحان " حيث وردت فى القرآن الكريم كله فى ثمانية عشر موضعا , (8) كتبت فيها كلها محذوفة الألف (9), إلا فى قوله تعالى ( قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا ) (10) , فقد كتبت بالألف 0

       وأنهم كانوا : يرون ذلك , ويعرفونه , ولا يتخالفون 0

        وما ذلك إلا لأنه : باملاء وإرشاد من النبى -صلى الله عليه وسلم- , ولم يكن باصطلاحهم , وإلا لتناقشوا - كما قلنا – ذلك , وهم ليسوا بأقل حرصا على إتقان عملهم , ودقة كتابتهم , من الذين تناقشوا فى كلمة " التابوت " – كما سيأتى – على عهد عثمان رضى الله عنه 0

        وهكذا : كانت العناية تشمل هذا المكتوب بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- , من حيث :

        1- ترتيب آياته فى سورها 0

        2- خلوه من الإبدال أو النقص والزيادة , أو التقديم والتأخير 0

        3- كونه بإملاء النبى -صلى الله عليه وسلم- , وخاضعا لإرشاداته فى تحسين الكتابة , ورسم الكلمات 0

        4- إقرار النبى -صلى الله عليه وسلم- – بعد المراجعات - لما فيها لفظا وخطا 0

        القسم الثانى : ما كتب بعيدا عنه -صلى الله عليه وسلم- :

        وقدمنا أن السبب فى كتابة هذه القطع : هو ما كان يحول بين أصحابها وبين كتابتهم لها بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- من شواغل حياتهم وشئون معايشهم 0

        وكذلك : خروجهم فى الغزوات وفى السرايا0

        ولهذا لم يكن لهذه المكتوبات : من الدقة والاصابة والمطابقة الحقيقية للفظ المنزل , ما كان للذى كتب بين يديه عليه الصلاة والسلام0

        إذ كان الواحد – من الصحابة - إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو كتبها , ثم خرج فى سرية , فنزل وقت تغيبه سور , فإنه كان إذا رجع , فأخذ فى حفظ ما ينزل بعد رجوعه – وكتابته – ويتبع ما فاته على حسب ما يتسهل له : يقع فيما يكتبه تقديم أوتأخير , من هذا الوجه 0

        وقد كان منهم من يعتمد على حفظه فلا يكتب 0 (3)

        وكذلك – أيضا – من كانت تمنعه شواغله الخاصة وشئون حياته من الكتابة بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- : كان يقع فيما يكتبه من التقديم والتأخير , والزيادة والنقصان , والإبدال 0 0 ما يقع 0

        وسوف نرى – فيما بعد – أن هذه هى القطع التى رفض زيد بن ثابت حين كتابة القرآن فى عهد أبى بكر رضى الله عنه اعتمادها , وأبى التعويل عليها فى جمع القرآن

        لأنها :

        لم تكتب بين يديه -صلى الله عليه وسلم- ولم تشرف بإملائه وإرشاداته النبوية 0

        ولم تحظ بالمراجعات الدقيقة : التى كانت تتم بين الصحابة , وأمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- , للمكتوبات بين يديه 0

        ولم تكرر كتابتها مرة أو أكثر , كما كان يحدث , عند تأليف القرآن فى سورة من الرقاع 0

        ولم تسلم من وقوع التقديم والتأخير , وغير ذلك فيها 0

        ولم تسلم – كذلك – من خلط ما ليس بقرآن بها , كالتفسير والحديث ؛ مما دعا النبى عليه الصلاة والسلام , أول الأمر إلى أن يبادر بوقاية ألفاظ القرآن أن يختلط بها ما ليس منها , فكان أمره الشريف – كما قدمنا – " لا تكتبوا عنى , ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه " (11)0

       وهذا : حتى لا يختلط الأمر , عند أمثال هؤلاء الذين يكتبون بعيدا عنه , فيكتب ما ليس من القرآن فى القرآن 0

        وبهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يعمل على تقليل مظان الخلاف بين المسلمين , بعد ذلك 0

ومن الملاحظ :

أنه -صلى الله عليه وسلم- : قد أمرهم بعدم كتابة غير القرآن ؛ وقاية من الخلط المؤدى إلى الخطأ , المؤدى بالتالى إلى الخلاف والتنازع 0
ولم يأمرهم بعدم الكتابة بعيدا عنه , وقصرها على أن تكون بين يديه : إذ أن فى ذلك من المشقة والصعوبة : ما فيه 0
كما أن الخطر الذى يمكن له أن يترتب على كتابة القرآن بعيدا عنه عليه الصلاة والسلام : لا يمكن له أن يتجاوز وعد الله سبحانه وتعالى بحفظه لكتابه الكريم (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [الحجر 9] 0
وصدق الله سبحانه وتعالى : فقد عولجت هذه الثغرة بجمع القرآن من الصحف والقطع التى كتبت بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- بإرشاده وإملائه فقط , وأبعدت القطع الأخرى التى لم تكتب بين يديه , و التى لم تجزها لجنة الفرز فى الجمع البكرى
 
..........................................................................................
التدوين فى عهد أبى بكر الصديق
الكتاب
       إذا كان القرآن الكريم , عندما كتب فى عهد النبى -صلى الله عليه وسلم- : كان فى صحائف متفرقة عند أصحابه , وكتبة الوحى , رضوان الله عليهم 00 !!

        فإن الأمر يختلف عن ذلك عند أبى بكر رضى الله عنه فى كتابته للقرآن الكريم 0

        وبيان ذلك :
أن كتابته فى عهد أبى بكر رضى الله عنه , يراد بها : جمعه فى مكان واحد بعد تفرقه , وضم آياته بعضها إلى بعض بعد توزعها , كل ذلك فى صحف مجتمعة فى موضع واحد , مرتب الآيات فى سورها , على ما وقف النبى صلىالله عليه وسلم أصحابه عليه , بإرشادهم – كما مر – عند نزول كل آية أو آيات الى موضعها من سورتها , وبقراءة سور كاملة فى الصلاة وغيرها , وإقراء الصحابة , والاستماع منهم 0 (1)

        إذا : فهذه كتابة لها من الأهداف والأغراض غير ما كان فى الكتابة الأولى 0

        ولابد لمن يقوم بهذا العمل الشاق الهادف : من مواصفات خاصة 0

        وكانت هذه المواصفات فى : -

        كاتب وحى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : زيد بن ثابت 0

        وقد خصه أبو بكر رضى الله عنه لهذه الفضيلة , وناط به وحده تنفيذ هذه المهمة !!

       لأنه : قرأ على النبى -صلى الله عليه وسلم- بعد العرضتين الأخيرتين ، وهى حاكمة على المتقدمات (2) وكان عليه الصلاة والسلام يقرئ – بهذه القراءة الأخيرة حتى مات 0 (3)

       وثانيا : كان من ألزم الناس للكتابة بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- فى الوحى وغير الوحى , لا عمل له غير ذلك (4) ؛ مما مكنه أن يرى – دائما – إملاء النبى -صلى الله عليه وسلم- القرآن عليه 0

       ولذا كان يشاهد من أحوال القرآن : ما لا يشاهده غيره 0 (5)

        ويضاف إلى ذلك ثالثا : الصفات التى قالها له أبو بكر رضى الله عنه - فى ترشيحه للقيام بهذا العمل الجليل – فى عبارته الشهيرة :

        " إنك : رجل , شاب , عاقل , لانتهمك , وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- "
 
لماذا كُتب في هذا العهد ؟
       لئن كانت ردة بعض الناس عن الاسلام : هى التى أدت إلى الاشتباك بين المسلمين والمرتدين !!!

        ولئن كانت موقعة اليمامة : هى التى أودت بحياة الكثيرين من قراء القرآن الكريم وحفاظه !!

        ولئن كان موت هؤلاء القراء من المسلمين : هو الذى دفع بعمر رضى الله عنه إلى التفكير فى جمع القرآن !!
        فإن الذى لا يخفى : أن خوف عمر رضى الله عنه , الذى عبر عنه بقوله فى رواية البخارى " وإنى أخشى أن يستمر القتل بالقراء فى المواطن , فيذهب كثير من القران " (1) كان السبب فى ذلك 0
       بيد أنه : لم يكن هذا – الخوف – ناشئا عن احتمال ذهاب الحفظة 0
       فإن سبعين رجلا أو سبعين ألفا لو ذهبوا من حفظته فى ذلك الوقت , لم يكن شيئا مذكورا 0
       فقد قال الإمام إبن تيمية فى " فتاويه " : توفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقرآن لا يشك فى كلمة منه , أو حرف من حروفه أحد من أصحابه , بل سارت به الركبان , وشاع فى أنحاء جزيرة العرب , و تدارسه أهل الجزيرة , كلهم يتلقى ما يقرأه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- , أو عن أحد أصحابه 0 (2)
        وإنما خاف عمر:
        أن يذهب كثير من أحرف القرآن السبعة , المحفوظة فى الصدور ؛ بذهاب حملته 0
       أو يذهب كثير من صحائف القرآن المكتوبة بين يدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- , بذهاب أصحابها 0
       وبذلك لا يعرف : طريق كتابته , الذى أقره النبى -صلى الله عليه وسلم- (3) 0
       وحقا : ما كان يخشى – مع وعد الله بحفظ كتابه – ضياع أصل القرآن بموت القراء , وإنما يخشى ضياع بعض الأحرف دون بعض , أو ضياع الرسم 0 (3)
        وبذلك : يذهب العارفون برسم المصحف الذى أقر عليه النبى -صلى الله عليه وسلم- اصحابه ؛ لما يعلم من الحروب المقبلة الطاحنة , ولما رآه من ترامى القراء على شفار السيوف 0
        رأى عمر رضى الله عنه ذلك : فشدد فى جمع القرآن 0
        حتى تم جمع تلك الصحف بمصحف واحد 0
        وتم إعلان الناس بكيفية الرسم الذى أقره الرسول -صلى الله عليه وسلم
 
طريقة التدوين
       يروى البخارى فى صحيحه : قصة الحوار ومحاولات الإقناع التى كانت بين عمر بن الخطاب , وبين أبى بكر , رضى الله عنهما 0

       ثم ما كان من أمر أبى بكر لزيد بن ثابت , وتكليفه له بالقيام بهذه المهمة الشاقة التى عبر زيد عن مشقتها بقوله " والله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل على مما أمرونى به من جمع القرآن " 0

        وهكذا حتى آخر الحديث 0 (1)

        وتبدأ قصة الكتابة فى هذا العهد : بعد هذا الحوار , وهذا الاقناع والاقتناع , وِفْقَ هذا المنهج الدقيق , الحريص , المتحرَّج , الذى أعان على وقاية القرآن الكريم من كل ما لحق النصوص الأخرى من مظنة الوضع والانتحال , وعوامل النسيان الضياع – (2)

       وكانت خطة هذا المنهج – فيما نرى – وفقا للنقاط التالية : (3)

        1- جمع أبو بكر الحفظة المشهود لهم بالضبط والإتقان , وكان بينهم : زيد بن ثابت , وأبى بن كعب , وعثمان , وعلى , وعبد الله بن مسعود , وعبد الله ابن عباس , وعبد الله بن عمر , وعبد الله بن الزبير , وعبد الله بن السائب , وخالد ابن الوليد , وطلحة , وسعد , وحذيفة , وأبو هريرة , وأبو زيد , وأبو الدرداء , وأبو موسى الاشعرى , وعمرو بن العاص (4)0

       وقد اختار أبو بكر هؤلاء الرجال ؛ لانهم مارسوا كتابة الوحى فى زمن النبى -صلى الله عليه وسلم- , إذ كتابة الوحى لها طريقة معلومة , وكيفية مخصوصة , أقر عليها الرسول -صلى الله عليه وسلم- 0(5)

       2- واجتمعت هذه اللجنة : برئاسة زيد بن ثابت , فى منزل سيدنا عمر بن الخطاب 0

        وتشاورت هذه اللجنة فيما بينها : وتناقشت , حتى وصلت فى اجتماعها هذا , للإتفاق على شيئين :-

        أ- خطة العمل , التى سوف يسير عليها الجمع والكتابة 0

        ب- تخصيص دور كل واحد منهم , والعمل المنوط به (4)

        3- وبعد ذلك : انتقلت هذه اللجنة إلى مسجد المدينة , وأخذوا يوالون فيه هذه الاجتماعات , لتنفيذ الجمع والكتابة (4)

        4- أحضر كل من كتب منهم مصحفا لنفسه , به , وكذلك الصحائف والقراطيس التى كتبوا فيها القرآن بحضرة النبى -صلى الله عليه وسلم- و إملائه (4)

        5- وعهدوا إلى بلال رضى الله عنه أن ينادى بأنحاء المدينة مخبرا ؛ بأمر هذا الجمع , وكتابة القرآن الكريم 0

        وفى هذا ما يشبه أن يكون : دعوة عامة لمن أراد أن يشهد هذا الجمع وهذه (6) الكتابة منهم 0

        فهو : اجتماع عام , فى مكان عام , لخير عام 0

       
وحتى :

        أ- يعلم الناس جميعا بأمر هذا الجمع , واعتزام أبى بكر رضى الله عنه , كتابة القرآن الكريم فى مكان واحد 0

       ب- ويُحْضِرُوا ما عندهم من القطع المختلفة التى كتبوا فيها القرآن الكريم 0

       جـ - يُسَلَّموا هذه القطع إلى هذه اللجنة 0 (4)

        ومن الملاحظ أنه بهذا العمل تبين أنهم :

        لم يكتفوا بحفظهم , ولا بالصحف والمصاحف التى كتبوها لأنفسهم , من ذاكرتهم ؛ لأنها لا تزيد عن الحفظ شيئا , بل طلبوا ما كتب بين يدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- , مما عندهم وعند غيرهم , ليكتبوا من عينه – كما سنرى – فيوافق رسمهم الرسم الذى أقره النبى -صلى الله عليه وسلم- , حينما كتب بين يديه 0 (7)

        ونتيجة هذا الاعلام : جئ بعدد كثير من القطع0

        6- وبدأت اللجنة عملها : بفَرْز هذه القطع , التى ما كانوا يقبلون قطعة منها حتى يتحققوا انها كتبت بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- " إذ كان غرضهم ألا يكتب إلا من عين من ما كتب بين يديه -صلى الله عليه وسلم- " , و ما كانوا يفعلون ذلك إلا مبالغة منهم فى الاحتياط , ومغالاة في التحفظ , وأيضا فى الضبط , وكانوا يقابلون القطع المكررة بعضها ببعض , لئلا يبقى مجال شك فى تمام الضبط0

        وكان من منهج هذه اللجنة فى عملية الفرز هذه أثناء الكتابة :

        أولا : أنها قبلت من القطع : -

        1) ما ثبت أنه عرض على النبى -صلى الله عليه وسلم- عام وفاته , دون ما كان مأذونا فيه قبلها 0 (8)

        2) ما وافق رسمها الرسم الذى كتب به بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- , والذى كتب به الصحابة , بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- , ومنهم زيد بن ثابت 0

       3) ما ثبت أنها كتبت بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- , ولم يكن يكتفى لثبوت الشرط إلا بشهادة شاهدين , يشهدان – كما قال الإمام السخاوى – على أن هذا المكتوب :

        أ- كتب بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- 0

        ب- أو أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن 0 (9)

        ثانيا: رفضت من القطع :

        1- ما نسخت تلاوته , من كلمة , أو آية , أو قراءة (7)0

        2- ما لم يحفظه عدد التواتر من الصحابة 0

        ولذلك : رفضت آية الرجم التى أتى بها عمر , ولم تكتب , لانه كان وحده 0 (15)

        3- ما لا يوافق رسمه قرآنا متواترا متلوا 0

        ومخالفة الرسم هذه قد تكون :

        أ- بالتقديم والتأخير 00 مثل "اذا جاء فتح الله والنصر " (10)

        ب- بالابدال 00 مثل " كالصوف المنفوش " (11)

        جـ- بالنقص والزيادة 00(12) مثل " والذكر والانثى " (13)

        إلى غير ذلك 0

روكان جُلُّ (14) هذا المرفوض – عند هذه اللجنة – هو مما كتب بعيدا عن النبى -صلى الله عليه وسلم- , كما بينا - آنفا – فى كتابة القرآن فى عهد النبى -صلى الله عليه وسلم- 0

        7-ووفق هذا المنهج فى عملية فرز هذه القطع :

       كانوا(7) يجلسون فى المسجد , أو غيره , ويستدعون من أقرأه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- , أو أملى عليه سورة كذا , فيحضرون0

        فيقول زيد :

        من معه من الكتاب الآية الأولى من السورة , وهى قول الله عز وجل كذا 0

        فيجيب الكاتبون :

        فيطلب من أحدهم إبرازها , فيبرزها , ويقرؤها , ويبين كيفية رسمها بمسمع من باقى الكتاب والحفاظ 0

       فإذا وافقه الجميع عليها : كتبها زيد على الرسم الذى عنده ,

       وإن خالفه أحد الكتاب فى الرسم , أو أحد الحفاظ فى القراءة : كان هذا محل المقارنة والموازنة 0

       فأول شئ من ذلك :

       تُبْعَد القطع التى رُفِضَت , حسب منهج فرز هذه القطع كما تبين 0

       وبعد هذا :

       ينظر فى الرسم , أو الرسوم التى توافق ما تواتر من القراءات المتلوة فى هذه المكتوبات التى وافق عليها الجميع 0

       أ- فان صلح رسم واحد منها , لجميعها : اكتفى به 0

       ب- وإن لم يصلح إلا رسمان أو أكثر : كتب أحدهما بالأصل , وكتب ما يخالفه تحته , أو فوقه , أو بهامش الآية , أو بغير ذلك من الطرق التى يعرفون بها أن للكلمة رسمين أو أكثر (15)

       وهذا الاحتمال وإن كان بغير دليل كما نرى : إلا أنه لا يوجد – أيضا – ما يمنع من قبوله 0

       فإذا كتب زيد هذه الآية , طلب الآية الثانية التى يحفظها القراء , ويعلمون أنها الثانية , ومع بعضهم مصاحفهم ينظرون إليها , لئلا تنسى آية فى أثناء الطلب , ويفعل بالثانية ما فعل بالأولى 0

        وهكذا يفعل بسائر آيات السورة : حتى إذا تمت , عرضها زيد عليهم , خوف نسيان شئ منها فى الوسط , أو فى الآخر 0

        فإذا اقروا جميعا بالتمام : شرع فى سورة أخرى , وصنع بها مثل ما صنع بالأولى 0

        وقد كان من بديع حفظ الله تعالى لكتابه – كما يقول الشيخ العبادى – أنه ما طلب زيد آية متواترة متلوة إلا وجدها مكتوبة عند جمع من الصحابة , الذين كتبوها باملاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- , أ 0 هـ 0

        وبعد أن كتبوا ما كلفوا بكتابته :

        جمع الصديق القراء 0

        وقارنوا بين مافى الصحف – القطع – وبين ذلك المصحف 0

        ثم أعلن الناس : بأن ما فى الصحف التى كتبت فى زمان الرسول -صلى الله عليه وسلم- , وأقر عليها , قد كتب مثلها فى مصحف مجموع ؛ خوفا من ذهاب من يعرف كيفية الرسم الذى أقر عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- 0 (5)

        وقد ترتب على هذا الجمع – وبهذه الكيفية :
        إرشاد الناس إلى كيفية الرسم الذى أقر عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- 0
        حتى لو ذهب جميع القراء الذين كانوا فى زمان الرسول عليه السلام – بعد ذلك – لم يؤثر ذلك فى معرفة الرسم 0
 
......................................................................................
التدوين فى عهد عثمان
الكتاب
       إن الهدف من تدوين القرآن الكريم فى عهد عثمان رضى الله عنه : جد مختلف عما قبله 0

       إذ أن المراد من تدوينه هذه المرة : " كتابة القرآن المتواتر المتلوا , جميعه , مرتب الآيات والسور فى مصاحف , ونشرها فى الأمصار ؛ لتكون مثابة للناس عند الاختلاف " (1)0

       ولهذا : كان من العسير جدا أن يتم هذا العمل بكاتب واحد , كماحدث عند تدوين القرآن فى عهد أبى بكر رضى الله عنه 0
       ومن هنا :

       كان من الضرورى : تكوين مجموعة من الكتاب لهذا الغرض ؛ حتى يمكن تحقيق الهدف من هذا التدوين الرسمى الثالث 0

       وكونت بالفعل لجنة لهذا العمل من : (2)

       زيد بن ثابت 0

       وعبد الله بن الزبير 0

       وسعيد بن العاص 0

       وعبد الرحمن بن الحارث 0

       وعلى هذا :

       فاللجنة مكونة من أربعة اشخاص فقط 0

       ولكن جاء فى بعض الروايات : أن عثمان لما أراد أن يكتب المصاحف , جمع له اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار , منهم أبى بن كعب , وزيد بن ثابت 0 (3)


       ولا نرى تناقضا بين الروايتين فى عدد الكتاب 0

       إذ أن الأمر كما يقول الحافظ بن حجر : كان لمن ذكر فى التشكيل الأول 0

       ثم احتاجوا إلى من يساعد فى الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التى ترسل إلى الآفاق : فأضافوا لزيد من ذكر 0

       ثم استظهروا بأبى بن كعب فى الإملاء (4)0

       وربما كان القصد – كذلك – من كل هذه الجماعة المساعدة المشتهر أعضاؤها بالضبط والمعرفة : أن ينضم العدد إلى العدالة 0
 
لماذا دُوّن في هذا العهد ؟
       ورد أن أهل الشام وأهل العراق : تنازعوا فى قراءة القرآن 0

       أهل الشام:يقرأون بقراءة أبى بن كعب ؛ فيأتون بما لم يسمع أهل العراق

       وأهل العراق : يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود , فيأتون بما لم يسمع أهل الشام0

       وقد أدى هذا التنازع : إلى أن يكفر بعضهم بعضا 0 0

       كان ذلك أيام غزو المسلمين لأرمينية وآذربيجان(عام22هـ تقريبا)(1)

       وقد فزع حذيفة بن اليمان إلى المدينة : وتوجه صارخا إلى الخليفة قبل أن يدخل بيته , شاكيا له هول ما وقع , ومنبها إلى فداحة ما قد يحدث0

       حيث قال " يا أمير المؤمنين : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى " (2)

       وصادف ذلك:ما كان عثمان رضى الله عنه قد عرفه عن المعلمين عنده

       حيث : كان المعلم يعلم قراءة الرجل , والمعلم – الآخر – يعلم قراءة الرجل ؛ فجعل الغلمان يتلقونه فيختلفون , حتى كفر بعضهم بعضا 0

       فبلغ ذلك عثماناً : فتعاظم فى نفسه , فقال : أنتم عندى ؛ تختلفون فمن نأى عنى من الأمصار أشد اختلافا " (2)0

       وفكر عثمان رضى الله عنه فى الأمر مليا : فوجد أن الاسباب التى دعت إلى هذا التنازع تنحصر فيما يلى : -

       1- اختلاف الصحابة الذين تفرقوا فى الأمصار فى القراءة 0

       ويقطع ابن الجزرى : بأن كثيرا منهم كانوا يقرأون بما يخالف رسم المصحف العثمانى – قبل الاجماع عليه – من زيادة كلمة فأكثر , وإبدال أخرى بأخرى , ونقص بعض الكلمات (3)0

       2- عدم معرفة الآخذين عن هؤلاء الصحابة أن هذه الخلافات مردها إلى النبى -صلى الله عليه وسلم- , مما أدى الى أن يكفر بعضهم بعضا , كما فى " فتح البارى " 0

       3- اختلاف رسوم القرآن بكثرة المصاحف الخاصة , التى كتبها الصحابة لأنفسهم 0

       مثل مصحف : عمر بن الخطاب , ومصحف : على بن أبى طالب ,

       ومصحف : أبى بن كعب , ومصحف : عبد الله بن مسعود ,

       ومصحف : عبد الله ابن عباس , ومصحف : عبد الله بن الزبير ,

       ومصحف : عائشة زوجة النبى -صلى الله عليه وسلم- 0

       ومصحف : حفصة زوجة النبى -صلى الله عليه وسلم- 0

       ومصحف : أم سلمة زوجة النبى -صلى الله عليه وسلم- 0 (4)

       مما أدى : إلى تخالف المسلمين فى القراءة ؛ نتيجة أخذهم عن أصحاب هذه المصاحف المختلفة , والتى لم تتوفر لها مميزات الصحف البكرية 0

       ولذلك :

       كان قراره رضى الله عنه : بعد التشاور 0

       يتضمن هذه البنود الثلاثة :

       أ – أن يكتب القرآن الكريم فى عدة مصاحف 0

       ب- أن ترسل من هذه المصاحف إلى الأمصار الإسلامية 0

       جـ - أن يؤمر الناس بإحراق ما سوى هذه المصاحف , أو إقامة ما عندهم عليها (5)

       وبذلك : يجمع الناس على مصحف واحد ؛ فلا تكون فرقة ولا اختلاف 0
 
طريقة التدوين
       سبق أن أنهينا الفقرة الخاصة ببيان السبب الذى دفع بعثمان رضى الله عنه إلى التفكير فى إعادة كتابة القرآن الكريم بما يفيد :

       " أن الحل لتلاشى هذا التنازع , الذى ظهرت بوادره , والذى ارتآه لرأب هذا الصدع : هو إعادة كتابة القرآن الكريم نقلا من نسخة أبى بكر, التى كتب ما فيها مما كتب بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- , وتعميم رسمها فى البلاد " 0

       ولذلك : يكون هذا الرسم بعد تعميمه , مانعا جامعا للقراءات الصحيحة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 0

       وكان هذا الحل : فى صورة قرار اتخذ بعد تشاور يتضمن بنودا ثلاثة كما سبق أن أشرنا وهى : -

       أ- أن يكتب القرآن فى عدة مصاحف 0

       ب- أن يرسل من هذه المصاحف إلى الأمصار 0

       جـ - أن يحرق ما عداها , أو يقوَّم عليها 0 (1)

       وكلامنا هنا : سوف يتناول بالبيان تنفيذ البند الأول من هذا القرار , الذى لولاه " لترك عثمان الناس يقرأون القرآن قراءات مختلفة , بلغات متباينة فى ألفاظها ؛ ولكان هذا مصدر فرقة لاشك فيها , ولكان من المحقق أن هذه الفرقة حول الألفاظ : ستؤدى إلى فرقة شر منها حول المعانى , بعد أن كان الفتح , و بعد أن استعرب الأعاجم , وبعد أن أخذ الأعراب يقرأون القرآن 0 (2)

       وتتناول النقاط الست الآتية 00 بيان تنفيذ هذا البند :

       النقطة الاولى : أول هذه النقاط التى بدأ بها عثمان هى :

       أخذ الموافقة الجماعية من الصحابة ؛ حتى يكون هذا العمل شرعيا , وحتى لا يقول أحد أنه نفذ بقوة سيف الحاكم , وحتى يشاركه هؤلاء الصحابة – وهم مقتنعون – القيام بهذه المهمة الجليلة الشاقة 0

       ففى " فتح البارى " : (3)

       قال الصحابة – وبعد التشاور – لعثمان : فما ترى ؟

       قال : أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد , فلا تكون فرقة ولا اختلاف 0

       قال الصحابة : فنعم ما رأيت 0 (4)

       وبهذا : حصل عثمان على الموافقة الجماعية , وأخذ فى :

       النقطة الثانية : تشكيل اللجنة :

       وكانت على النحو السابق تحت عنوان " الكتاب "

       النقطة الثالثة : إحضار الصحف التى جمع فيها القرآن فى عهد أبى بكر , إذ أرسل عثمان إلى حفصة – وكانت هذه الصحف عندها – أن أرسلى إلينا بالصحف , ننسخها فى المصاحف , فأرسلت بها حفصة إلى عثمان 0

       النقطة الرابعة : التعليمات العامة التى صدرت لهذه اللجنة :

       أصدر عثمان رضى الله عنه لهذه اللجنة بعض التعليمات العامة , قبل أن تبدأ فى عملها , حتى تكون مسترشدة بها فى خطة عملها , بل فى عملها نفسه , وحتى لا يكون هناك مظان خلاف بين أعضاء هذه اللجنة فى هذا العمل الحساس الشاق , الضخم الجسامة0

       من هذه التعليمات :

       أ- تخصيص عمل كل واحد من أعضاء هذه اللجنة 0

       فجعل الإملاء من اختصاص : سعيد بن العاص 00 بعد أن عـرف أنه أعرب الناس (5) , ويقال إنه كان أشبههم لهجة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- 0 (6)

       وجعل الكتابة من اختصاص : زيد بن ثابت 00 بعد أن سأل من أكتب الناس ؟ وقالوا له : كاتب رسول الله زيد بن ثابت (6)

       وكأن عثمان رضى الله عنه بهذا السؤال : أحب أن يزيل من نفوسهم كل مظنة لتفضيل زيد على غيره ؛ بجعلهم يعترفون بسبب اختياره , وإلا فإن عثمان يعرف أنه كان كاتب الوحى , وأنه هو الذى نسخ المصحف فى عهد أبى بكر 0

       وبذلك : تكون له أولية ليست لغيره (3)

       وجعل عثمان – رضى الله عنه – لبقية اعضاء اللجنة , ما يناط بها من الأعمال المختلفة , التى تكون فى مثل هذا العمل عادة 0

       وكذلك : ما يناط بها من المساعدة فى كتابة بعض النسخ , أو الإملاء (3)

       وجعل لنفسه – رضى الله عنه – الإشراف العام 0 (7)

       وليس هذا بمستكره , أو منتقد ؛ حيث إن مثل هذا العمل الجاد الخطير , لابد له من مشرف عام , يرجع إليه عند وجود أى خلاف ، أويستفسر منه عند أية غموض أو لبس فى التنفيذ , وليس أولى بهذا الإشراف : من الخليفة ,الذى يملك بسلطته إصدار القرارات وتنفيذها ,وهو ليس إشراف تشريف بقدر ما هو إشراف مسئولية 0

       أ‌- وضع قاعدة عند اختلاف اللجنة على كتابة شئ , بهذا الرسم
أو ذاك 0
       حيث قال لهم :

       " إذ اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ من القرآن , فاكتبوه بلسـان قريش ؛ فإنه إنما نزل بلسانهم (8) 0

       أى إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ اختلافا يؤدى إلى اختلاف الكتابة : فاكتبوه بالكتابة التى توافق قراءتكم , فإن ذلك الذى تختلفون فيه نزل بلسان قريش نزولا مع استقرار , ولم ينزل بلغة غيرهم إلا مدة (1) , وكان رخصة على غير استقرار , فى قراءة القرآن بلغة غيرهم , رفعا للحرج والمشقة فى ابتداء الأمر 0

       ورأى عثمان الآن : أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت , فاقتصر على لغة واحدة , وكانت هذه اللغة , هى لغة قريش , وحجته : أن القرآن نزل بلغتهم (7) 0

       وقد قدر لها بالإضافة إلى هذا – كما يرى الدكتور إبراهيم مدكور – أن تسود ؛ حيث صارعت اللهجات الأخرى وتغلبت عليها , وأعانها على ذلك : ما للكعبة من قدسية , وما للقرشيين من منزلة , وما أحرزته هى من نصر فى الأسواق التجارية والأدبية 0

       و إن كنا نرى أن الفضل – كل الفضل – فى تغلبها هذا , و فوزها فى هذا الصراع مع اللغات الأخرى00 يرجع بالدرجة الأولى : إلى نزول القرآن الكريم عليها 0

       ويقول بعض الأجلاء : وبهذا يتم الجمع على القراءة المتواترة , المعلوم عند الجميع ثبوتها عن النبى -صلى الله عليه وسلم- , وان اختلفت وجوهها , حتى لا تكون فرقة واختلاف , حيث أن ما يعلم الجميع انه قراءة ثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : لا يختلفون فيها , ولا ينكر أحد منهم ما يقرأه الآخر 0 (9)

       والحمد لله تعالى : " فلم يختلفوا إلا فى كتابة كلمة " التابوت " (10) أهى تكتب " التابوه " بالهاء , أم " التابوت " بالتاء (11) ؟

       جـ - جعل العمل علانية , وعلى مرأى من جميع المسلمين :

       وذلك : حتى يشترك الجميع فى علم ماجمع 0

       فلا يغيب عن جمع القرآن أحد عنده منه شئ , سواء أكان مكتوبا , كما سنرى أم محفوظا 0

       ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف 0

       ولا يشك أحد فى أنه جمع عن ملاء منهم (12) وذلك مثلما فعل فى جمع أبى بكر رضى الله عنه 0

       الخامسة : خطة اللجنة فى عملها :

       وضعت هذه اللجنة خطة سارت عليها فى هذا العمل الذى لابد فيه من 00 تخطيط دقيق , ونظام محكم , وتثبت هادف وتأن وأمانة فى كل ما يثبون وما يرفضون 0

       وكان سيرهم فى عملية الكتابة وفقا للبنود التالية :

       البند الأول : الاعتماد فيما يكتبون فى المصاحف على :

       1) عمل اللجنة الأولى , التى قامت بالكتابة فى عهد أبى بكر رضى الله عنه , أى على مصحف أبى بكر (3)

       وإنما أمرهم أن ينسخوا من هذه الصحف مع أنهم كانوا حفظة : لتكون مصاحفهم مستندة الى اصل ابى بكر المستند الى أصل النبى -صلى الله عليه وسلم- , المكتوب بين يديه , وأمره 0

       و بذلك ينسد باب القالة , أو يزعم زاعم أن فى هذه الصحف قرآنا لم يكتب , أو يرى إنسان فيما كتبوا شيئا مما لم يقرأ به , فينكره 0

       من أجل ذلك : كانت هذه الصحف البكرية 00 شاهدة بصحة جميع ما كتبوه (13)0

       2) الصحف والقطع , التى يملكها الافراد 0

       إذ طلب عثمان رضى الله عنه من كل من كان عنده من كتاب الله شئ , إلا جاء به : فكان الرجل يجئ بالورقة , والأديم فيه القرآن , حتى جمع من ذلك كثرة (6, 10)0

       بشرط أن تتوافر لكل قطعة من هذه القطع : الشروط التى كانت قد وضعتها لجنة الفرز - فى جمع أبى بكر لقبولها 0

       ويروى : أن عثمان رضى الله عنه , دعى من أحضروا هذه الصحف رجلا رجلا , وناشدهم " لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " وهو أملاه عليك ؟ فيقول : نعم 0(6)

       وفائدة ضم هذه القطع إلى صحف أبى بكر – كما يذكر الشيخ العبادى - : الإمعان فى التأكد , وضم اليقين إلى اليقين , حيث إنه كان بين جمع أبى بكر , وجمع عثمان , زمان يقرب من أربعة عشر عاما , وقد شب فيه قوم كانوا فى أيام الجمع الأول أطفالا ,ودخل فى الإسلام قوم لم يحضروا ذلك الجمع أصلا 0

       وعلى ذلك : فليطمئن هؤلاء وأولئك , ويرتفع كل وهم عندهم مما تتحدث به النفس عادة , ومما يدخله فى روعهم بعض أعداء الاسلام من نقص الجمع الأول 0

       وذلك لا يكون إلا : بضم الصحف المجموعة بإشراف أكابر الصحابة , ومعها كل القطع التى كتبها الصحابة بإملاء النبى -صلى الله عليه وسلم- , والتى هى المصدر الأول (1)0

       ولهذا الضم فائدة اخرى :

       وهى أنه : قد يكون بعض الكلمات فى الصحف مكتوبا بغير لغة قريش , فإذا أرادوا كتابته بلغة قريش , لم يكن لهم بد من الرجوع إلى مستند لذلك من هذه الرقاع المكتوبة بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- 0

       وبذلك : لا يكون فى المصاحف حرف مكتوب إلا وهو موافق لما كتب بين يديه وباملائه -صلى الله عليه وسلم- 0 (1)

       3 - التثبت الشفاهى – بقدر الامكان – قبل كتابة الكلمة 0
       بمعنى أنهم إذا اختلفوا فى كتابة كلمة : أهى ترسم هكذا أم هكذا ؟

       فإنهم كانوا فى هذه الحالة : يلجئون إلى التثبت الشفاهى ؛حيث: يسألون : من أقرأها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ؟

       فيقال : فلان

       فيتركون مكانها خاليا 0

       ثم يرسل إليه , وإن كان على رأس ثلاث من المدينة , حتى إذا أتى00 سألوه :

       كيف أقرأك رسول الله آية كذا وكذا ؟

       فيقول كذا وكذا 0

       فيكتبونها 0 (7)

       ولم ينقل إلينا أنهم اختلفوا فى شئ إلا – كما تقدم – فى كتابة " التابوت "

       البند الثاني : الامتناع عن كتابة :

       1- ما نسخت تلاوته 0 (14)
       فلا يكتب إلا ما استمر متلوًّا طول حياته -صلى الله عليه وسلم- , دون ما نسخت تلاوته بتوقيف منه فى العرضة الاخيرة أو غيرها

       حيث إن ما نسخت تلاوته : ليس بقرآن , وإن بقى حكمه (1)

       2- ما لم يثبت من القراءات , وما كانت روايته آحادا (7) , مهما كانوا ثقاتا حفاظا 0

       حيث إن الواحد 0

       يجوز : أن يسمع من النبى -صلى الله عليه وسلم- , تفسير الكلمة القرآنية : فيعتقد أنه قرآن 0

       ويجوز : أن يسمع منه ذكرا على هيئة خاصة : فيعتقد أنه قرآن0 ويجوز : أن يسمع قرآنا ثم يرفع وينسخ وهو غائب لم يدر بنسخه : فيستمر على اعتقاد أنه قرآن 0

       فلهذا : لا يكتفى فى القرآن بنقل الآحاد , بل لابد من التواتر الذى تتيقن معه القرآنية 0 (1)

       3- ما لم تعلم قرآنيته , أو ما ليس بقرآن 0

       كالذى كان يكتبه بعض الصحابة فى مصاحفهم الخاصة : شرحا لمعنى , أو بيانا لناسخ أو منسوخ , أو نحو ذلك (14)

       ولهذه النقاط الثلاث ، كما يقول الشيخ العبادى :

       لم يكتبوا " فامضوا إلى ذكر الله " بدل ( فاسعوا )(15)

       ولم يكتبوا كل سفينة صالحة " غصبا " بزيادة كلمة "صالحة" (16)

       إلى غير ذلك , مما روى من قراءة بعض الصحابة لكونه تفسيرا , أو منسوخا لعدم تواتره , الذى يحتمل معه ذلك (1)

       البند الثالث : أن يكتب القرآن كله فى كل نسخ هذا المصحف 0

       مرتب الآيات – كما فى مصحف أبى بكر – ويعتبر توقيفيا (17)

       ومرتب السور على ما نشاهده اليوم فى المصاحف, وهذا - أى : ترتيب السور - إما بتوقيف وإما باجتهاد وإما بهما , على خلاف فى ذلك بين العلماء (17) ليس هذا محله 0

البند الرابع : أن تكتب المصاحف بالرسم الذى كتبت به الكلمات بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- , بطريقة تجعلها صالحة لجمع وتحمل جميع القراءات الثابتة المتواترة عن النبى -صلى الله عليه وسلم- (18)0

       وهذه الطريقة : هى التى جعلت هذا الرسم ينسب إلى عثمان رضى الله عنه , فيقال الرسم العثمانى 0

       وما هو فى الحقيقة من وضع عثمان 0

       بل إن هذه الطريقة التى تخالفت بها المصاحف العثمانية فى رسومها , هى التى من وضع عثمان وابتكاره 0

       وهذا البند – أى هذه الطريقة – سوف نتحدث عنها فى الفصل التالى تحت عنوان " طريقة عثمان فى رسم المصاحف " فلنؤجل الحديث عن ذلك حتى نصل إليها بإذن الله 0

النقطة السادسة : أن تكتب مصاحف متعددة , ليرسل إلى كل مصر مصحف منها للرجوع إليه (19) 0

النقطة السابعة : مراجعة هذه المصاحف 0

       وذلك : بعد الفراغ من كتابتها , وقبل حمل الناس على كتابة مصاحفهم على نمطها0

       يراجعها زيد بن ثابت ثلاث مرات ,ثم يراجعها خليفة المسلمين بنفسه, كل هذا أمان من النسيان والخطأ (20)

       والآن :

       وبعد انتهاء هذه اللجنة من عملها : نرى أنه مما ترتب على ما قامت به بخصوص الرسم النتائج التالية : -

       1- إعادة كتابة القرآن الكريم - فى موضع واحد للمرة الثانية - كتابة توافق الرسم الذى كتبت به صحف حفصة , التى يوافق رسمها الرسم الذى كتب بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- وباملاءه 0 (14)

       2- أنها لم تخالف فى شئ من الرسم أثناء الكتابة , وكانت فى ذلك متبعة لا مبتدعة 0

       وأن ما نسب اليها فى الاختلاف عند كتابة كلمة " التابوت " لم يكن أمر الخلاف فيها على الرسم أساسا , بل كان على القراءة والرسم جاء بالتبعية (21)

       3- تعميم رسم المصحف , بالطريقة العثمانية ,

       ولذلك 00 نسب إليه تعبير " الرسم العثمانى "

       وليس المراد بها : نفس رسم المصحف 0

       بل المراد 00 طريقة توزيع هذا الرسم على المصاحف ؛ بحيث يتحمل كل القراءات القرآنية المتواترة 0

       ولذلك : نسب إليه لهذا السبب – لا لابتكارهم له , ولا لمخالفتهم به رسما تم بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- 0

       وأيضا : لأن الفضل يرجع إلى نسخهم التى عممته وأذاعته , ومسحت كل رسم يخالفه , بعد وصولها إلى الأمصار والأقطار 0

       4- أنه بعمل اللجنة هذه : تم إجماع المسلمين للمرة الثالثة , فى التدويـن

       الثالث للقرآن الكريم 0

       وذلك: على هذا الرسم الذى كتب بين يدى النبى -صلى الله عليه وسلم- ,

       وكتب فى صحف أبى بكر , و نسخ فى مصاحف عثمان , تحت الإشراف الدقيق , والتنفيذ الأمين الجاد المتأنى من كل من اشترك فى كتابة القرآن الكريم , واستمتع بالكتابة بين يديه -صلى الله عليه وسلم- , واستمع إلى إملاءه الشريف0

       وكذلك كل من اشترك فى مرتى التدوين , فى عهدى أبى بكر وعثمان رضى الله عنهما , أو فى إحداهما
 
..............................................................................
المصاحف من بعد عثمان إلى يومنا هذا
نسْخُ المصاحف
       ما كاد عثمان رضى الله عنه يرسل المصاحف – التى نسخها من الصحف البكرية - إلى الآفاق الإسلامية : حتى أقبلت عليها الأمة من كل صوب وحدب , وكأنها أشبه بماء نزل من السماء , فأصاب أرضا خصبة صالحة , ولكنها ظامئة متعطشة , فما كاد يصل إليها الماء حتى اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج 0

       فقد اجتمعت على هذه المصاحف : الكلمة فى الشرق والغرب , ونسخت على غرارها الآلآف المؤلفة من المصاحف المقدسة فى كل جيل وقبيل. (1)

       فنحن نجد – وعلى سبيل المثال – أنه بعد سبع سنين , وفى موقعة "صفين " التى كانت بين "على ومعاوية " : أنه لما أشار عمرو بن العاص – حين أحس ظهور علي على معاوية - برفع المصاحف , قد رفع من عسكر معاوية فقط نحوا من خمسمائة مصحف 0 (2)

       ويعلق الأستاذ إبراهيم الإبيارى على هذه الحادثة فيقول :

       وما نظن هذا العدد , الذى رفع من المصاحف فى معسكر معاوية , كان كل ما يملكه المسلمون حينذاك 00 !!

       والذى نظنه : ما أنه كان بين أيدى المسلمين ما يربو على هذا العدد بكثير (3) 0

       ومما يرشدنا إلى عظمة المسلمين واهتمامهم بكتابهم المقدس وحرصهم على كتابته ونسخه : أن المصاحف كانت لاتباع أول الأمر , بالرغم من صعوبة الكتابة وندرة أدواتها 0

       ولأن قلوبهم كانت عامرة بالتقوى , ممتلئة إيمانا ويقينا , وكانوا أكثر تلاوة للقرآن , وأشد تمسكا بأحكامه : فقد كانوا أكثر رغبة وتنافسا فى نسخه وكتابته , وإهدائه لبعضهم البعض , وجعله فى المساجد ودور العلم والتدريس , رجاء الأجر والثواب 0

       فقد روى عن على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه , أنه كان يقول :

       كانت المصاحف لاتباع , إنما يأتى الرجل بورقة عند المنبر , فيقوم الرجل المحتسب , فيكتب له من أول البقرة , ثم يجئ غيره فيكمل الكتابة , وهكذا غيره , حتى تتم كتابة المصحف (4)0

       هكذا كان فى ابتداء الاسلام 0

       ثم صار كثير من الناس يتفرغون لكتابة المصاحف , لعدم وجود المطابع فى ذلك الزمان 0

       فكان بعضهم يكتب مائة مصحف , وبعضهم مائتين , وبعضهم أقل أو اكثر 0

       وتقاضى بعضهم على ذلك الأجر 0
       ومن هؤلاء على سبيل المثال :
       خالد بن أبى الهياج 0
       ومالك بن دينار مولى أسامة بن لؤى بن غالب (3)
       وكانت المصاحف فى العهد الأول : تكتب بأنواع متعددة بالخط الكوفى , إلى القرن الخامس تقريبا 0
       ثم لما تنوعت الخطوط : صاروا يكتبونها بخط الثلث , إلى القرن الثامن أو التاسع 0
       ولما ظهر خط النسخ : الذى هو أجمل الخطوط , صاروا يكتبونها به إلى عصرنا الحاضر 0
       والحق يقال : أن جمال المصاحف لا يظهر إلا اذا كتبت بخط النسخ فقط , أما بقية أنواع الخطوط 00 فلا يستحسن كتابتها بها , كخط الرقعة , والديوانى , وسياقت , وشكسته , لأن قاعدة هذه الخطوط عدم تشكيلها ؛ والمصاحف يجب تشكيلها , صيانة للقارئ من اللحن 0
       بل قد يحرم كتابتها ببعض هذه الخطوط , كخط سياقت وشكسته ؛ فان هذين الخطين لا يعرفهما أحد فى جميع البلدان العربية , ويندر جدا من يعرفهما فى بلاد الترك والعجم
 
طبع المصاحف
       ولما ظهرت المطابع أول اختراعها فى ألمانيا عام ( 835هـ - 1431م ) 0

       وظهرت – تبعا لذلك – أول طبعة للمصحف الشريف بالخط العربى عام (1113 هـ - 1692م) , وكان ذلك بمدينة همبرج بألمانيا (1)

       ويوجد من هذه الطبعة : مصحف بدار الكتب العربية بالقاهرة 0

       وبعد سنة(922هـ - 1516م ) طبع المصحف أيضا : فى مدينة البندقية بإيطاليا 0

       والسبب فى طبع المصحف الشريف بمدينتى همبرج والبندقية , دون غيرهما من البلاد : هو وجود المطابع فيهما دون غيرهما من البلاد عامة والبلاد الاسلامية خاصة , كما هو ظاهر (2 , 3)0

       وقد مضت – بحكم الضرورة – مدة طويلة , حتى أتقنت المطابع صناعتها , وظهرت صلاحيتها , وانتقلت بعد ذلك إلى البلاد الأخرى0

       فدخلت أولا إلى إيطاليا , ثم إلي فرنسا , ثم إلى انجلترا , ثم انتشرت فى جميع البلدان , ومنها البلاد العربية 0

       هذا 00

رولما دخلت المطبعة إلى تركيا فى زمن السلطان أحمد الثالث : أفتت مشيخة الاسلام بجواز استعمالها , وعدم جواز طبع المصحف0

       وفيما بعد سنة (1141 هـ - 1729م ) استصدرت فتوى بطبع كتب الدين فقط ,مع جواز تجليد القرآن الكريم 0

       و دخلت المطابع - كذلك - إلى البلاد العربية0

       وقد دخلت حلب سنة 1110 هـ - 1698م 0

       ودخلت لبنان سنة 1146 هـ - 1733م 0

       ودخلت تونس بعد سنة 1271 هـ - 1854م 0

       و دخلت مكة المكرمة سنة 1303 هـ - 1885م 0

       ودخلت جدة سنة 1329 هـ - 1911م 0

       ودخلت المدينة المنورة سنة 1355 هـ - 1936م 0

       وأما بمصر :

       فقد ظهرت أول مطبعة بها , مطبعة الحملة الفرنسية : وجاء بها بونابرت سنة (1213هـ - 1798م ) لطبع المنشورات والأوامر باللغة العربية 0

       وقد سميت بالمطبعة الأهلية 0

       وكانت بالقاهرة إلى يونيو(1216هـ- 1801 م ) حين انسحب الفرنسيون من مصر 0

       وبعد ذلك : ظلت مصر نحوا من عشرين عاما بغير مطبعة 0

       حتى استقر الأمر لمحمد على باشا فأنشا المطبعة الأهلية سنة (1237هـ - 1821م ) وتعرف بمطبعة بولاق , لأنها وضعت أخيرا فى بولاق (3)

       وكانت المطابع منذ ظهورها , والإفتاء بطبع المصاحف بها: تتسابق فى إبراز المصحف فى أبهى صورة , وأروع منظر , وأبدع تننسيق , وذلك على أشكال شتى , وألوان متعددة , وأحجام مختلفة (4) 0

       إلى غير ذلك : من ضروب التجويد , والصقل , والتحسين , التى أخذت تتناول المصاحف , على ألوان شتى , وضروب متنوعة 0
       وكانت هذه التحسينات على قسمين :

       أ- تحسينا مادية أو شكلية : ترجع إلى النسخ , والطبع , والحجم , والورق , و التجليد , و التذهيب , ونحو ذلك 0

       وهذه : لا تعنينا كثيرا , لأن أمرها هين , وإن كان فيها بعض التيسير , أو التشويق لقراءة القرآن الكريم 0

       ب- وهناك تحسينات معنوية , أو جوهرية : ترجع إلى تقريب نطق الحروف , وتمييز الكلمات , وتحقيق الفروق بين المتشابهات (5)

       وذلك عن طريق : طبع المصحف موافقا للرسم العثمانى , ومعجما , ومشكولا0

       كل ذلك بخط واضح , وطبع جيد 0

       غير أنه مما يلفت النظر هنا بالذات : أن هذه المطابع – على كثرة عنايتها الفائقة بطبع المصحف – لم تراع فى طبعه أن يكون على قواعد الرسم العثمانى , التى كتب عليها فى عهد عثمان رضى الله عنه , وفى عهد بقية الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين 0

       بل طبعته مطابقا لقواعد الإملاء الحديثة , اللهم إلا فى النزر اليسير من الكلمات , كتبته على مقتضى الرسم العثمانى (4)

       وهذا فى رأينا – يرجع إلى : -

       أ- أن االقائمين على شئون الطبع حينذاك لم تكن لهم الدراية الكافية بسمات رسم المصحف ؛ مما جعلهم يحيدون عنه 0

       ب - عدم توقف طبع المصحف على تصريح من الهيئات الدينية كما هو الحال الآن 0

       وقد ظلت المصاحف - هكذا – زمنا غير قصير , حتى قيض الله تعالى لها علما من أعلام القرآن , وجهبذا من جهابذته 0

       وهو العلامة المحقق المغفور له : الشيخ رضوان بن محمد الشهير " بالمخللاتى "0

       حيث كتب مصحفا , جليل الشأن , عظيم الخطر 0

       عنى فيه : بكتابة الكلمات القرآنية على قوانين الرسم العثمانى 0

       كما عنى فيه : ببيان عدد آى كل سورة فى أولها , عند علماء العدد المشهورين , على اختلاف مذاهبهم , واضعا على الفاصلة المختلف فيها , اسم من يعدها 0

       كذلك : بين أماكن الوقوف , ووضع على كل موضع منها العلامة الدالة على نوع الوقف 0

       وبعد الاستقراء والتتبع , تبين أن الوقوف عنده , ستة أقسام : التام , الكافى , الحسن , الصالح , الجائز , المفهوم 0

       وقد أشار إلى التام : بالتاء , وإلى الكافى : بالكاف , وإلى الحسن بالحاء , والى الصالح بالصاد , والى الجائز : بالجيم , وإلى المفهوم بالميم 0 (6)

       وقد صدَّر – الشيخ المخللاتى – هذا المصحف بمقدمة جليلة (7) أبان فيها : أن هذا المصحف , حرر رسمه وضبطه , على ما فى كتاب "المقنع " للأمام الدانى , وكتاب " التنزيل " لأبى داود 0

       ولخص فيها أيضا تاريخ كتابة القرآن فى العهد النبوى , وجمعه فى عهدى أبى بكر وعثمان رضى الله عنهما 0

       كما لخص فيها : مباحث الرسم والضبط وبين فيها : علماء العدد المشهورين 0

       وعرف فيها : معنى السورة والآية 0

       كل ذلك : فى عبارة وجيزة مفيدة , وتركيب سهل بديع 0

       وقد طبع هذا المصحف (8) فى " المطبعة البهية " فى القاهرة لصاحبها الشيخ محمد أبى زيد سنة (1308 هـ - 1890م )0 (4)

       وكان هذا المصحف : هو المتداول بين اهل العلم , وعلماء القراءات , المُعَوَّل عليه عندهم , المقدم على سائر المصاحف , لما اشتمل عليه من هذه المزايا المذكورة 0

       بَيْد أنه لم يبرز فى صورة حسنة , تروق الناظر , وتنشط القارئ ؛ لرداءة ورقه , وسوء طبعه 0

       إذ أنه طبع فى مطبعة حجرية (4) 0

       ويلاحظ أنه كانت تطبع بجواره , وفى وجوده , المصاحف بالخط الإملائى ؛ متابعة فى ذلك الدولة العثمانية 0

       وظل ذلك : لمدة سبع وخمسين سنة , حتى أصدرت مشيخة الأزهر فى عام( 1336هـ- 1917م ) قرارا بتحريم طبع وتداول , بل مصادرة أي مصحف فى مصر مطبوعا بغير الخط العثمانى (9)

       وحسنا : ما فعلت 00 !!

       وما زالت إدارة الثقافة والنشر بمجمع البحوث الاسلامية بالقاهرة : تعمل جاهدة على تنفيذ هذا القرار ؛ حيث لا تمنح تصاريحها لأى ناشر يرغب فى طبع المصحف إلا إذا كان مكتوبا بالرسم العثمانى 0

       وقد وجهت مشيخة الأزهر – منذ قديم – عنايتها إلى المصحف : فأمرت بتكوين لجنة من أساطين العلم , ونوابغ الأدب وهم : -

       1- المغفور له العلامة الشيخ محمد على خلف الحسينى الشهير بالحداد , شيخ المقارئ المصرية الأسبق , وهو الذى كتبه بخطه 0 (10)

       2- والمرحوم الأستاذ حفنى ناصف 0

       3- والمرحوم الأستاذ مصطفى عنانى 0

       4- والمرحوم الأستاذ أحمد الاسكندرى 0

       كونت هذه اللجنة : للنظر فى المصحف , فى رسمه وضبطه , وفيما يجب أن يكون عليه في الطبع 0

       فاضطلعت اللجنة : بهذه المهمة الشاقة , وقامت – أحسن الله جزاءها – بما أسند إليها , على أتم وجه وأكمله 0

       فكتبت القرآن كله : على حسب قواعد الرسم العثمانى , وضبطته على مايوافق رواية حفص بن سليمان الكوفى , أحد راويي قراءة عاصم بن أبى النجود , وبيَّنت فى ترجمة كل سورة عدد آيها على مذهب الامام حفص المذكور , وأنها مكية أو مدنية , وأنها نزلت بعد سورة كذا , ووضعت لكل آية رقمها الخاص بها , كما وضعت علامات للوقوف والأجزاء , والأحزاب , والأرباع , والسجدات , والسكتات 0

       ثم قسمت الوقف إلى ستة أقسام : (4)

       الأول :

       ما يلزم الوقف عليه , ولا يصح وصله بما بعده 0

       ووضعت له علامة : هى الميم المفردة , هكذا " م "0

       الثانى : ما يصح الوقف عليه , والابتداء بما بعده , كما يصح وصله بما بعده , غير أن الوقف عليه أحسن من وصله بما بعده 0

       ووضعت له هذه العلامة : قلى" وهى كلمة منحوتة , وأصلها : الوقف أولى 0

       الثالث : كالثانى , غير أن وصله بما بعده أرجح من الوقف عليه 0 ووضعت له هذه العلامة : " صلى " وهى كلمة منحوتة , وأصلها : الوصل أولى 0

       الرابع : ما يجوز فيه الوقف والوصل على السواء , من غير ترجيح أحدهما على الآخر 0

       ووضعت له هذه العلامة : " ج " 0

       الخامس : ما لا يصح الوقف عليه والابتداء بما بعده , فإذا وقف عليه ؛ لانقطاع نفس , أو استراحة , أو نحو ذلك : تعين عيه أن يرجع فيصله بما بعده 0

       ووضعت له هذه العلامة : " لا " 0

       السادس : وقف المعانقة , وهو أن يكون هناك موضعان يصح الوقوف على كل منهما , ولكن إذا وقف على أحدهما امتنع الوقف على الآخر 0
       ووضعت لهما هاتين العلامتين : هكذا :. :.

       ومثلت لكل قسم من الأقسام 0

       وقد ذكرت هذه اللجنة الموقرة فى ذلك المصحف , تحت عنوان " تعريف بهذا المصحف الشريف " : النهج الذى سارت عليه فى كتابة المصحف , من حيث : رسمه , وضبطه , وعد آياته , وبيان أجزائه وأحزابه وأرباعه , وبيان مكية ومدنية , وبيان وقوفه وعلاماتها , وبيان سجداته ومواضعها وعلاماتها , وبيان سكتاته ومواضعها وعلاماتها 0 (4)

       ثم توالت طبعات المصحف الشريف : وكلها حسب هذا النظام ,بل زادت عليه دقة وضبطا , وتلافيا لما قد يكون قد وقع فيه من هنات بسيطة فى الرسم أوالضبط 0

       هذا هو حال المصحف وطبعه فى مصر 0

       أما فى بقية بلاد العالم , الإسلامى منها وغير الاسلامى : فقد أصبح رسم المصحف فيها أنواعا شتى وأصبح المسلم عندما ينتقل من بلده إلى بلد آخر : لا يكاد يعرف , أولا يعرف بالمرة كيف يتلو فى كتاب الله تعالى , فى مصاحف أهل هذا البلد الآخر (5) الذى هو تنزيل رب العالمين , لكل الناس فى الأولين والآخرين 00!!!

       ولكن 00 لم لا يعرف ؟

       ذلك : لأن أعداء الوحدة الإسلامية الصحيحة , أدركوا أن سبيل تحقيق بغيتهم , هو أن لا يجتمع العرب والمسلمون على ذلك الكتاب , وذلك اللسان , وأن تنشأ النابتة العربية المسلمة على غير اللغة العربية , فينسلخوا تلقائيا من قوميتهم 0

       لذلك : رأوا أن تقطيع أوصال العرب والمسلمين , لا يمكن أن يتم : ما دامت هناك لغة واحدة يتكلمها العرب , ويعبر بها العرب والمسلمون عن آرائهم , وما دام هناك حرف عربى يربط حاضر المسلمين إلى ترائهم الماضى (11)

       ولذلك : عمل المستعمرون , والمبشرون على تفتيت وحدة المسلمين بشتى الطرق , وعملوا لهذا الهدف بكل الوسائل 0

       وكان مما يقربهم لهذا الهدف : العمل على تنويع رسم المصحف , والمساعدة على تخالفه بين البلاد الاسلامية وبعضها البعض 0
 
رسوم المصاحف
       وظهرت المصاحف بالرسوم المختلفة التالية :

       1- الرسم العثمانى : وهو ما يعرف برسم المصحف , وهو الذى نقرؤه فى مصاحفنا الآن فى مصر 0

       وهذا الرسم : لا يخضع فى بعض كلماته لقواعد الإملاء الحديثة , بل ينهج فى رسمها سبيلاً آخراً.

       ويرجع هذا الرسم تسمية : إلى سيدنا عثمان رضى الله عنه 0

       وشرعيا : إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم 0

       والمصاحف العثمانية : تطبع فى : مصر , وكثير البلاد الاسلامية 0

       2- الرسم العثمانى (بالخط المغربى ) : وهو نفس الرسم العثمانى المعروف 0

       ولكن 0 0 مع تصرف فى رسم بعض الحروف 0

       مثل : القاف : إذ تكتب بنقطة واحدة من فوق , والفاء : إذ تكتب بنقطة واحدة من تحت , والنون : إذ تكتب خالية من النقطة اذا لم تكن متصلة بما بعدها فى الكتابة (1)

       وهذا المصحف : هو الذى يطبع فى بلاد المغرب العربى"ليبيا, وتونس, والجزائر، ومراكش "0

       3- الرسم الاملائى : وهو الرسم المشهور فى الكتابة العادية التى نستعملها

       وهذا الرسم : هو الذى وضع علماء البصرة والكوفة , قواعده , مستمدين ذلك من الرسم العثمانى , ومن علمى النحو والصرف 0 (2)

       وهذا المصحف : هو الذى يطبع ويتداول فى : لبنان , والعراق , وتركيا0