الأحد، 25 مارس 2012

موسوعة العقيدة - أسماء الله الحسنى : الستار


الستار

الستَّار، وهو من أحبُّ الأسماء إلى المؤمن، الستَّار اسمٌ من أسماء الله الحُسنى، وهو اسمٌ زائدٌ على الأسماء التسعة والتسعين المشهورة.
 السِتر في اللغة ما يُستر به، اسم.. وجمعه أسْتار، وسَتَرَ الشيء أخفاه فانستر، انستر مطاوع من سَتَرَ.. ينْسَتِرُ.. انْسَتَرَ، قَبِل أن يُستر، تستَّر أي تغطَّى، السِتر هو الحياء، يقال: ما لفلانٍ سِتْرٌ ولا حِجْر أي لا حياء ولا عقل، السِتْر هو الحياء، فلان لا يسْتتر من الله بستر أي لا يستحيي من الله بنوعٍ من الحياء، والسِتر هو العقل، من كان عقله برأسه تصرَّف بحكمةٍ فحجب عن الناس مغيبته.. والسِتارة.. ما يُسْتتَر به من شيءٍ كائناً ما كان، وفي الحديث الشريف:
 قال أبو حنيفة وأصحابه، قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة، دخل بها أو لم يدخل بها؛ لما رواه الدار قطني عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق))
 وقال عمر: إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق وعليها العدة ولها الميراث. وعن علي: إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق.
 فانتبهوا إلى ذلك.. إذا خطب أحدكم وقد كُتب العقد، وزار خطيبته، وأغلق الباب وأرخى الستار، ثم أراد أن يتنصَّل من هذا الزواج وجب عليه المهر كاملاً ولو لم يدخل بها.. ولندقق في قول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم:
(( أيُّما رجلٍ أغلق بابه على امرأةٍ، وأرخى دونها أستاره فقد تمَّ صداقُها ))
 أي وجب صداقها..
 إذا عقد إنسان على امرأةٍ ولم يدخل بها وجب عليه نصف المهر، أما إذا دخل بها وجب عليه كلُّ المهر، أما إذا عقد عقده عليها وزارها وأغلق الباب وأرخى السِتر ولو لم يدخل بها وجب المهر كاملاً، هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
 فلانٌ هتك سِتر فلان.. أي أطلعه على معايِبِه، والاستتار الإختفاء، وفي التنزيل قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً (90) ﴾
(سورة الكهف)
 والستَّار في حقِّ الله تعالى كثير السَّتر لعيوب عباده، الستَّار صيغة مبالغة، سَتَرَ، يَسْتُرُ، ساتر، ستَّار، الستار صيغة مبالغة أي كثير الستر، أو شديد الستر، أي مهما تكن الأعمال مشينة.
(( لله أفرح بتوبة التائب من الظمآن الوارد، ومن العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، فمن تاب إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظَيْهِ وجوارحه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه))
[ التخريج(مفصلا): أبو العباس بن تركان الهمذاني في كتاب التائبين ]
 فإذا جاء اسم الله مبالغاً به، فالمبالغة على نوعين.. كمِّيَّة، ونوعيَّة.. أي أنَّ الله غفَّار يغفر مليون ذنبٍ، ويغفر أكبر ذنب، فإذا استخدمنا صيغة المبالغة في أسماء الله الحُسنى فالمبالغة على نوعين، مبالغة نوعٍ، ومبالغةُ عددٍ.
 الستَّار في حقِّ الله تعالى كثير السَتر لعيوب عبادة، فسبحان الله.. الإنسان العادي من شأنه أن يظهر القبيح ويخفي المَليح، وقد دعا النبيُّ عليه الصلاة والسلام فقال:
(( تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: جار سوء إن رأى خيرا كتمه، وإن رأى شرا أذاعه؛ وزوجة سوء إن دخلت عليها لسنتك، وإن غبت عنها خانتك ؛ وإمام سوء إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر.))
[ التخريج(مفصلا): البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة ]
 لذلك فأصغ سمعك وقلبك لزوجةِ القاضي شريح عندما قالت له: أما بعد.. فيا أبا أميَّة إني امرأةٌ غريبة لا أعرف ما تحبُّ ولا ما تكره، فقل لي ما تحبُّ حتى أُتِيَه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أُميَّة لقد كان لك من نساء قومك من هي كفؤٌ لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفؤٌ لي، ولكن كنتُ لك زوجةً على كتاب الله وسنَّة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولا، فاتّقِ الله فيَّ وامتثلْ قوله تعالى:
﴿ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
 ثم قعدت، قال فألجأتني إلى أن أخطب فقلت لها:
 أما بعد.. فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك ذخراً وأجراً، وإن تدعيه يكن حجةً عليكِ، أحِبُّ كذا وكذا، وأكره كذا وكذا - الشاهد من هذا الكلام هو - وما وجدّتِ من حسنةٍ فانشريها، وما وجدّتِ من سيِّئةٍ فاستريها:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(229)﴾
(سورة البقرة)
 إخواننا الكرام... من أرقى صفات المرأة المؤمنة أنَّها سِتِّيرة، فالإنسان في بيته أحياناً يغضب، وأحياناً يفتقر فلا تجد بين يديه مالاً فيأكل أخشن الطعام، وأحياناً ينضغط من الخارج فينفجر في الداخل، والمرأة المؤمنة لا تفضح زوجها، لا تنشر قصصه بين الناس، لا تعطي الناس أسوأ صورة عن زوجها، المرأة المؤمنة ستِّيرة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إنّي أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها ".. أكرهها.. " لا ينظر الله إلى إمرأةٍ لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه ))
 فالستَّار في حقِّ الله تعالى كثير الستر لعيوب عباده قال تعالى:
﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34)﴾
(سورة الشورى)
 من كمالِ ربنا عزَّ وجلَّ أنَّه يظهر الحسن ويستر القبيح، الإنسان من لؤمه يظهر القبيح ويستر الحسن، فالمؤمن كلَّما اقترب من الله يتخلَّق بأخلاق الله، الله ستَّار والمؤمن ستَّار، يستر العيوب.
 وبعدُ، أدبُ الإسلام يدعو المؤمن إلى أن يستتر ولا يجاهر بالمعصية، كلُّكم يعلم أنَّ هناك عاصياً، وأنَّ هناك فاجراً، فالعاصي مثلاً كالذي يفطر في رمضان، من هو الفاجر ؟ الذي يفطر في الطريق أمام الناس، إذا جاهرت بالمعصية بالمعصية فالمجاهر فاجر، والفاجر لا غيبة له، لأنَّه لا يستحي من هذه المعصية فهو يذكرها للناس، هو يُري الناس معصيته.. وقد ورد:
(( إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا ))
 على من يقع حدَّ الرجم ؟ يقع على الزانية الفاجرة التي استطاع أربعة من الرجال أن يَرَوها وهي تزني، أي أنَّها لا تُبالي، فحدُّ الرجم ليس على الزانية المحصنة فحسب بل على الزانية المحصنة التي تمكَّن أربعةُ رجالٍ من أن يروها وهي تزني، ما اسمها إذاً ؟ فاجرة.. فقد قال تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) ﴾
(سورة المائدة)
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾
 هل من فسادٍ أشدَّ من أن يزني رجل محصن له زوجة وأولاد بامرأةٍ محصنة لها زوجٌ وأولاد جهاراً حتى تمكَّن الشهود من أن يروها وهي تزني ؟ إذاً:
(( إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا ))
 وقد نعى القرآن الكريم على الذين لا يستترون من غيرهم أو من جوارحهم فقال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) ﴾
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) ﴾
(سورة فصلت)
 أيُّها الإخوة... قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) ﴾
(سورة يس)
 يُروى أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام استأجر أجيراً فرآه يغتسِلُ عُرياناً لا يستتر بستر فقال له عليه الصلاة والسلام:
(( خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحيي من الله.))
بالمناسبة.. الإسلام أمر بالتستُّر في مواضع، منها التستُّر عند الغُسل، وعند اللقاء الزوجيّ، وعند قضاء الحاجة.
فقد حدَّثني صديق ذهب إلى بلد شرقي من البلاد التي يؤمن أهلها بأنَّه لا إله، كان يدرس في جامعة من أضخم الجامعات، فدورات المياه في هذه الجامعة بهو كبير جداً يتسع لمئة دورة مياه بلا سِتر، كلُّ الناس يقضون حاجاتهم أمام بعضهم بعضاً. أدب الإسلام ينبغي أن يستتر الإنسان في مواضع، عند الغُسل، وعند اللقاء الزوجيّ، وعند قضاء الحاجة.
 وقد روى أبو داوود والنسائي وأحمد أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال:
((عَنْ عَطَاءٍ عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ ))
(رواه أبو داوود والنسائي وأحمد)
 ستَّار، وستِّير، فعَّال، وفعِّيل.
 فالإنسان كلما اقترب من الإيمان يزداد تستُّراً، وكلما تفلَّت من قواعد الشرع يقلُّ تستُّره، فالآن جاءتنا مظاهر من الغرب وتفشَّت في بعض الناس، تجد إنساناً يسافر من بلد إلى بلد آخر ببنطال قصير، وممكن أن يخلع معظم ثيابه ويقوم بعمل ما.
 وقد ورد في الحديث الصحيح أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:
(( عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ))
(صحيح البخاري)
 أليس في بيوت المسلمين الفتيات الشابَّات يقمن بثيابٍ رقيقة أمام إخوتهِنْ، وهناك إخوةٌ يقومون بثياب داخليَّة أمام أخواتِهِمْ، وأمام أمَّهاتهم وآبائهمْ، هذا التبذُّل في البيت فيما بين الإخوة، وفيما بين الأخوات، وفيما بين الإخوة والأخوات، وفيما بين الآباء والأبناء، والأبناء والآباء، والبنات والأمَّهات، هذا مخالفٌ للشرع، كلَّما ازداد إيمانك ازداد التستُّر، وكلَّما بعُد عن الإيمان تفلَّت من السِتر، وإنَّ من المجون أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح فيقول: يا فلان عمِلت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه ويكشف هو سِتر الله عليه.
 من أخطر الأعمال أن يُحدِّث الناس بعضهم بعضاً بما لا ينبغي أن يتحدثوا به، الأسرار الزوجيَّة أسرار مصونة لا ينبغي أن تشيع، في أكثر من مجتمع يتحدَّث الأزواج عن زوجاتهم وعن لقاءاتهم، وتتحدَّث الزوجات عن أزواجهِنَّ وعن لقاءاتهِنَّ، وهذا من أكبر المعاصي، لأنَّ هذا ينبغي أن يبقى سراً بين الزوجين.
 ذكرت لكم سابقاً أنَّ امرأةً تعمل في الفن في بلدٍ غربيّ وهي امرأة فاسقة فاجرة لكنَّها تكلَّمت بصدق سُئِلت عن شعورها وهي على خشبة المسرح - وقد حفظت كلامها لدقته البالغة - قالت: إنَّ شعوري شعور الخزيِّ والعار، وهو شعور كلٌ امرأةٍ تعرض مفاتنها على الناس، إنَّ الحبَّ يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرفٍ مُغلَّقة.
 فموضوع السِتر إذاً أنَّه كلما تفلَّت الناس وكلَّما اقتربوا من طباع الغرب وعاداته، وكلَّما تغذَّوا بالثقافات الغربية التي تأتيهم عبر الصحون التي على أسطح المنازل، وكلَّما تفلَّتوا من ثيابهم في بيوتهم، وكلَّما تفلَّت الإنسان من ثيابه كان هناك إحتمال الإنزلاق، والذي لم نكن نعرفُهُ إطلاقاً وبدأنا نعرفه، بلادنا والحمد لله لا تعرف ما يسمَّى بزنى المحارم، أي أخٌ وأخته، وأبٌ وابنته، وأمٌ وابنها، لكن بدأت تظهر هذه الحالات والكلام مؤلمٌ جداً بدأت تظهر هذه الحالات في بلادنا، فحالات زنى المحارم أصبحت موجودة، فحينما يأمر الشرع الحنيف ألا تظهر امرأةٍ على أُختها بملابس فوق الركبة هناك حكمةٌ بالغة، حتى بين الأخوات، حتى بين البنت وأمِّها، هناك حدود أما إذا رفعنا الحدود ربَّما انزلق الناس إلى ما لا يُحتمل.
حدثني رجل وهو يبكي.. فقلت له خيراً إن شاء الله ! قال: لي: ابنةٌ في البيت، فقد تركت بيت زوجها لمشكلةٍ بينها وبينه، وابني في البيت أيضاً وهناك مشكلةٍ بينه وبين امرأته، فجأةً بدأت ابنتي تتألَّم من بطنها، فأخذتها أمُّها إلى الطبيب فطلب منها الطبيب فحصاً للحمل، فإذا هي حامل، وظهر أنَّ الحمل من أخيها وهي متزوِّجة وأخوها كذلك، وحينما علم المسؤولون بالأمر أُودِعَ الابن في السجن، والبنت في السجن، فهذه مصيبةٌ من أكبر المصائب.. إذا كان هناك تفلُّت، وتكشُّف، فالشرع ليس قيوداً لحريَّة الإنسان، ولكنَّه ضمانٌ لسلامته، تماماً كما لو كنت في مكان ورأيت لوحةً كتب عليها انتبه حقل ألغام، فهل تعدُّ هذه اللوحة تقييداً لحريَّتك، أم ضماناً لسلامتك ؟ إنَّها ضمانٌ لسلامتك، أنا لا أتكلَّم من فراغ فبحكم عملي في الدعوة إلى الله تأتيني قضايا كثيرة، قضايا زنى المحارم وردت بشكلٍ غير معقول، بسبب التفلُّت.
 قد ذكرت لكم أنَّ أحد خطباء دمشق ألقى من على منبر النبي عليه الصلاة والسلام خطبةً ذكر فيها ما يلي قال: جاءني رجل وحدَّثني بمشكلةٍ وقعت في بيته ورجاني أن أعرضها على الناس من على المِنبر لأنَّها وقعت معه، ليأخذ الآباء حذرهم فما الذي حدث ؟ أنَّه كان يتابع بعض المحطَّات الغربية من خلال هذا الصحن المشؤوم فظهر منظرٌ لا يُحتمل فأدار المؤشر إلى محطةٍ أُخرى.. الابن حفِظ رقم المحطة.. ثم يقول: في الساعة الثانية ليلاً سمعت أنيناً فاستيقظت فإذا ابني فوق ابنتي وابني الآخر فوق ابنتي الأُخرى في غرفة الجلوس، وقال للخطيب معي حدث هذا وأذكر قصَّتي من فوق المنبر لعل الآباء يعتبرون.
أقول هذا الكلام لأنَّ هناك أخطاراً بدأت تهدد المسلمين، فأكبر شيء يجر الإنسان إلى المعاصي موضوع النساء، وموضوع المال وقد ذكرت هذا من قبل.
 وفي حديث مسلم رحمه الله تعالى عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال:
(( عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ))
(رواه مسلم)
 فإذا تفضَّلَ الله عزَّ وجلَّ تفضَّل بستره على عبدٍ في الدنيا فإنَّ هذا السِتر يستمر إلى يوم القيامة.
 وروى أبو داوود عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه:
(( حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ مِنِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا تَسْرِقُوا وَلا تَزْنُوا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ وَلَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَالَ فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ ))
(رواه أبو داوود)
 دققوا أيُّها الإخوة... لو أنَّ إنساناً اقترف معصية ليس مكلَّفاً إطلاقاً أن يبلِّغ عن هذه المعصية أحداً، فما دام لم يدر به أحد فمعنى ذلك أنَّ الله أسبل عليه ستره، ويقترف معصيةً كبيرة حينما يفضح نفسه.
 في عهد النبي سأل النبي أصحابه قائلاً: من له سُؤال ؟ قال أحدهم: إنني نؤوم يا رسول الله. فقال عمر: ويحك فضحت نفسك ! قال:
(( دعه يا عمر فضوح الدنيا خيرٌ من فُضوح الآخرة، اللهمَّ أذهب عنه النوم إذا شئت.))
 فإذا اقترف الإنسان ذنباً فليس مكلّفاً شرعاً أن يُبلِّغ عن نفسه، ما دام لم يدرِ به أحد معنى ذلك أنَّ الله أَسبل عليه ستره، فإذا فضح نفسه كأنَّه ارتكب معصيةً جديده.. هذا حكم شرعي.. أنت لست مكلّفاً أن تفضح نفسك ما دام الله قد سترك.
 شيء آخر.. لو لم تكن مِمَّن يُكلَّف بتنفيذ أمر الله، فأنت إنسانٌ عاديٌ لست كالإمام فإذا اقترف إنسان آخر معصيةً أمامك لست مكلّفاً أن تُبلِّغ عنه، أما الإمام إذا بلغه أحد أنَّه قد انتُهك حدٌ من حدود الله فلا عفا الله عنه إن عفا، فالإمام شيء والمؤمن شيء، فالمؤمن ليس مكلّفاً أن يفضح نفسه ولا أن يفضح غيره، أما الإمام إذا بلغه عن أحد أنَّه قد اقترف حداً أو اقترف ما يوجب الحد فلا عفا الله عنه إن عفا.
 لذلك ورد في البخاري:
(( عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
(رواه البخاري)
 وهذا الذي بلَّغ النبي عن إنسان يزني فقال عليه الصلاة والسلام:
(( ألا سترته ولو بثوبك فكان خيراً لك.))
 فهذا حكم شرعي.. ليس القصد أن تقطَّع الأيدي ولا أن يُجلد الناس، فالقصد أن تكون الحدودُ الشرعيَّة رادعةً للمسلمين، لذلك حينما يطالب الشرع بأربعة شهود رأوا حالة الزنا رأي العين هذا شرط شبه مستحيل وهو شرط تعجيزي. الهدف منه أن يكون هذا الحدُّ رادعاً لا أن يكون مطبّقاً.
 ومما يدلُّ على محبَّة الله الستَّار بإخفاء الذنوب والمعاصي قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)﴾
(سورة النور)
 أي أنَّ هذا الذي يحبُّ أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا له عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة.. ماذا فعل ؟ لم يفعل شيئاً إلا أنَّه تمنَّى أن تشيع هذه الفاحشة، معنى ذلك أنَّه في خندق المنافقين، لو كان في خندق المؤمنين لآلمه هذا الأمر أيَّما إيلام، فلمجرَّد أنَّه رضي أو تمنَّى أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا معنى ذلك أنَّه ليس مؤمناً.. فقد قال تعالى:
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)﴾
(سورة آل عمران)
 قال ابن كثير: " هذه الآية تأديبٌ لمن سمع شيئاً من الكلام السيئ فقام بذهنه منه شيءٌ وتكلم به ".
 سمعت قصة لا تليق بمؤمن و لا ينبغي أن تروِّجها، لا ينبغي أن تنقلها، لا ينبغي أن تفرح بها، إن فرحت بها فلست مؤمناً، وإن روجتها فقد سببت فتنة لا يعلم إلا الله متى تنتهي.. ففي بعض الأحيان خطأ بسيط قد ينتهي بجريمة ,
 أنا ذكرت لكم نقلاً عن أحد مخابر التحليل أنَّ إنساناً توجد بينه وبين ابنته مشكلة، شك بابنته، فطلب منها إجراء تحليل. فالموظف في هذا المخبر وقعت منه العيِّنة فانكسرت فخاف من سيده فكتب نتيجة التحليل حمل إيجابي، فلما جاء الأب مساءً وتلقَّى النتيجة أنَّها إيجابيَّة فذهب وقتل ابنته مع أن النتيجة غير صحيحة والبنت بريئة.. فهؤلاء الذين يسمعون قصةً لعلها كاذبة، و قذف محصنةٍ يهدم عمل مئة سنة ولعلها قصة كاذبة، إذا نقلها وروَّجها فما أدراك قد تقع جريمة من أجلها، فقضايا الأعراض خطيرة جداً، فلذلك هؤلاء الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات عليهم أن يجلدوا ثمانين جلدة وأن يفقدوا حقَّهم المدني فلا تُقْبَل شهادتهم أبداً لعظم حقِّ المرأة المؤمنة عند الله.
 هناك معنىً آخر ذكره بعض العلماء وهو أنَّ الذي يفعل شيئاً قبيحاً ويحدَّث الناس به كأنه أراد أن تفشو الفاحشة في الذين آمنوا، ألم تسمعوا بالقول: رحم الله عبداً جبَّ الغيبة عن نفسه
 الآن إليك معنى آخر: إنسان فعل فاحشة، والفاحشة انتقلت وشاعت وسرت بين الناس، ما الذي حصل ؟ إن هذا العمل القبيح شاع بين الناس، وكلما شاعت الفواحش استمرأها الناس، وأقبل عليها ولم يروا بها شيئاً خطيراً.. أيضاً هذا المعنى آخر.
 وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا تُؤْذُوا عِبَادَ اللَّهِ وَلا تُعَيِّرُوهُمْ وَلا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ ))
(مسند الإمام أحمد)
 يوجد أشخاص - سبحان الله - همُّهم تتبع العورات، قنص الزلاَّت، همُّهم أن يصطادوا في الماء العكر، أن يبحثوا عن زلةٍ فيشيعوها، هؤلاء يتتبعون عورات الناس.. من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته حتى يفضحه في عقر داره.
 وقد قال عليه الصلاة والسلام حينما أمر أن يستر الإنسان ذنبه قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي الْيَسَرِ قَالَ أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَقُلْتُ إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْهُ فَدَخَلَتْ مَعِي فِي الْبَيْتِ فَأَهْوَيْتُ إِلَيْهَا فَتَقَبَّلْتُهَا فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ قَالَ اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلا تُخْبِرْ أَحَدًا فَلَمْ أَصْبِرْ فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلا تُخْبِرْ أَحَدًا فَلَمْ أَصْبِرْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَخَلَفْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا حَتَّى تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ إِلا تِلْكَ السَّاعَةَ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ وَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلا حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ ))
(سنن الترمذي)
 وفي حديث الدعاء:
(( عَنْ جُبَيْرِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِيَ اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتِي وَقَالَ عُثْمَانُ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي ))
(سنن أبي داوود)
 أيها الإخوة أعتقد أن المؤمن الصافي حينما يسمع قصةٍ ويكتمها يشعر بسعادةٍ لا يعلمها إلا الله، فالنفس تميل للفضائح، الإنسان يميل إلى أن يُضحك الناس فيقول: هل سمعتم فلاناً ماذا فعل ؟ هل عرفتم لماذا طلق زوجته، هل عرفتم فلاناً عندما صاحب فلاناً كيف خانهُ مع زوجته، هذه قصص يراها مرضى القلوب ممتعة ويحب الناس أن يرووها ويتحدثوا بها في مجالسهم، دائماً التكليف يتناقض مع طبع الإنسان، لكنَّ الفطرة تتوافق مع التكليف، عندما ينفذ الإنسان أمر الله عزَّ وجلَّ يشعر في البداية بمجاهدة، أما حينما ينتصر على نفسه ترتاح نفسه.. فالتكاليف سمَّاها الله تكاليف لأنها ذات كُلفة، أما الأعمال الكاملة والصالحة تتوافق مع الفطرة، فالتكاليف تتناقض في البداية مع الطبع المتعلِّق بالجسم، وتتوافق في النهاية مع الفطرة المتعلقة بالنفس، لذلك المستقيم مرتاحةٌ نفسه لعل جسمه يتعب أما نفسه مرتاحة.
 من الأدعية المتعلِّقة باسم الستار: اللهمَّ أنت الحليم الستار، وأنت عالم الغيوب والأسرار، أمدُّ إليك يدي تحت ستار الليل وقد مدَّ الليل أستاره ومددت لعبادك يَدا الحليم الغفار، فاستر اللهمَّ عورتي، وامحُ حوْبتي، وآمن روعتي، وشدَّ من عزيمتي، فإني استحيي منك، وأنا في الدنيا تشغلني عنك، فكيف بحالي يوم لقائك ياغفار الذنوب وستار العيوب بضعفي أمام قوتك، وعجزي أمام قدرتك، أسألك العفو والصفح، والمغفرة والرضوان ياذا الجلال والإكرام.
 إخواننا الكرام... أرجو الله سبحانه وتعالى، أن يكون من هذا الاسم الستار مبدأً لنا بقدر ما نستطيع هذا المبدأ " طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ".
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ ))
(سنن الترمذي)
(( من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ))
 موضوع الستر أحد أخلاق المؤمن الأساسية والله عزَّ وجلَّ هو الستار، فإذا تاب العبد توبةً نصوحاً أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلَّها خطاياه وذنوبه.. فالله عزَّ وجلَّ يظهر الحسن ويخفي القبيح، والإنسان المؤمن يتخلَّق بأخلاق الله، ويقتدي برسول الله، والإنسان الكافر والعاصي يبحث عن العيوب ويُخفي الصفات الطيِّبة في غيره، فهو قنَّاص، فحينما يعثر على خطيئة كأنَّه عثر على كنزٍ ثمين يأخذها ويفضح بها وينشرها في الناس.
 فأنت مؤمن بمعنى أنَّك ستَّار، مؤمن تستُر على إخوتك أخطاءهم حتى النصيحة إن كانت أمام ملأ كانت فضيحة، لا تكون النصيحة نصيحةً إلا إذا كانت بينك وبين أخيك.. فإذا أحببت أن تنصح يجب أن تختار الوقت المناسب والمكان المناسب، أما إذا نصح الناصح أمام ملأٍ فربما انقلبت النصيحة فضيحة وابتعد عن اسم الستَّار، والنبي قال:
(( تخلَّقوا بأخلاق الله ))
 فأحياناً يخطب شاب فتاة ثم تفسخ هذه الخطبة، فتجد معظم الماس يتكلَّمون عن أشياء كانت وأشياء لم تكن حتى يبرروا انسحابهم من هذه الخطبة، ما كان ينقصهم لو قالوا كلاماً موجزاً: لا يوجد نصيب، والله هم أحسن منا ولكن لا يوجد نصيب، لكنهم طلبوا أشياء لا نقوى على تحمُّلها، فانقطع النصيب، فلا تدخل في الأعراض والأخطاء.
 فكلَّما ارتقى الإنسان في مراقي الإيمان يظهر الحسن ويخفي القبيح، وكلّما هبط يظهر القبيح ويُخفي الحسن، ودائماً وأبداً أو دعو أذهانكم هذا القول:
(( تخلَّقوا بأخلاق الله ))
 الله عزَّ وجلَّ ستَّار، وستَّار صيغة مبالغة تعني أنَّه كثير الستر نوعاً وكماً، وكلَّما كنت أقرب إلى الله كنت أكثر سِتراً على إخوانك.