السبت، 10 مارس 2012

موسوعة الفقه - باب الزواج أو النكاح : تعدد الزوجات

تعدد الزوجات


.حكمة التعدد:
1- من رحمة الله بالإنسان وفضله عليه أن أباح له تعدد الزوجات، وقصره على أربع.
فللرجل أن يجمع في عصمته في وقت واحد أكثر من واحدة، بشرط أن يكون قادرا على العدل بينهن في النفقة والمبيت كما تقدم.
فإذا خاف الجور وعدم الوفاء بما عليه من تبعات حرم عليه أن يتزوج بأكثر من واحدة.
بل إذا خاف الجور بعجزه عن القيام بحق المرأة الواحدة حرم عليه أن يتزوج حتى تتحق له القدرة على الزواج.
وهذا التعدد ليس واجبا ولا مندوبا، وإنما هو أمر أباحه الإسلام، لأن ثمة مقتضيات عمرانية وضرورات إصلاحية لا يجمل بمشترع إغفالها، ولا ينبغي له التغاضي عنها.
2- ذلك أن للاسلام رسالة إنسانية عليا كلف المسلمون أن ينهضوا بها، ويقوموا بتبليغها للناس.
وهم لا يستطيعون النهوض بهذه الرسالة إلا إذا كانت لهم دولة قوية، قد توفر لها جميع مقومات الدولة: من الجندية، والعلم، والصناعة، والزراعة والتجارة، وغير ذلك من العناصر التي يتوقف عليها وجود الدولة وبقاؤها مرهوبة الجانب نافذة الكلمة قوية السلطان.
ولا يتم ذلك إلا بكثرة الافراد، بحيث يوجد في كل مجال من مجالات النشاط الإنساني عدد وفير من العاملين، ولهذا قيل: إنما العزة للكاثر.
وسبيل هذه الكثرة إنما هو الزواج المبكر من جهة، والتعدد من جهة أخرى.
ولقد أدركت الدول الحديثة قيمة الكثرة العددية وآثارها في الانتاج، وفي الحروب، وفي سعة النفوذ، فعملت على زيادة عدد السكان بتشجيع الزواج ومكافأة من كثر نسله من رعاياها لتضمن القوة والمنعة.
ولقد فطن الرحالة الالماني بول اشميد الى الخصوبة في النسل لدى المسلمين، واعتبر ذلك عنصرا من عناصر قوتهم فقال في كتاب الإسلام قوة الغد الذي ظهر سنة 1936: أن مقومات القوى في الشرق الإسلامي، تنحصر في عوامل ثلاثة:
أ- في قوة الإسلام كدين، وفي الاعتقاد به، وفي مثله، وفي تأخيه بين مختلفي الجنس، واللون، والثقافة.
ب- وفي وفرة مصادر الثروة الطبيعية في رقعة الشرق الإسلامي الذي يمتد من المحيط الاطلسي، على حدود مراكش غربا إلى المحيط الهادي على حدود أندونيسيا شرقا.
وتمثيل هذه المصادر العديدة لوحدة اقتصادية سليمة قوية ولاكتفاء ذاتي لا يدع المسلمين في حاجة مطلقا الى أوربا أو غيرها إذا ما تقاربوا وتعاونوا.
ج- وأخيرا أشار إلى العامل الثالث وهو: خصوبة النسل البشري لدى المسلمين، مما جعل قوتهم العددية قوة متزايدة، ثم قال: فإذا اجتمعت هذه القوى الثلاث فتأخى المسلمون على وحدة العقيدة وتوحيد الله، وغطت ثروتهم الطبيعية حاجة تزايد عددهم، كان الخطر الإسلامي خطرا منذرا بفناء أوربا، وبسيادة عالمية في منطقة هي مركز العالم كله.
ويقترح بول أشميد هذا، بعد أن فصل هذه العوامل الثلاثة، عن طريق الاحصاءات الرسمية، وعما يعرفه عن جوهر العقيدة الإسلامية، كما تبلورت في تاريخ المسلمين، وتاريخ ترابطهم وزحفهم لرد الاعتداء عليهم أن يتضامن الغرب المسيحي - شعوبا وحكومات - ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر، ولكن في أسلوب نافذ حاسم.
3- والدولة صاحبة الرسالة، كثيرا ما تتعرض لأخطار الجهاد، فتفقد عددا كبيرا من الافراد، ولا بد من رعاية أرامل هؤلاء الذين استشهدوا ولا سبيل إلى حسن رعايتهن إلا بتزويجهن.
كما أنه لا مندوحة عن تعويض من فقدوا، وإنما يكون ذلك بالاكثار من النسل، والتعدد من أسباب الكثرة.
4- قد يكون عدد الاناث في شعب من الشعوب أكثر من عدد الذكور، كما يحدث عادة في أعقاب الحروب، بل تكاد تكون الزيادة في عدد الاناث مطردة في أكثر الأمم، حتى في أحوال السلم، نظرا لما يعانيه الرجال غالبا من الاضطلاع بالاعمال الشاقة التي تهبط بمستوى السن عند الرجال أكثر من الاناث.
وهذه الزيادة توجب التعدد، وتفرض الاخذ به لكفالة العدد الزائد وإحصانه، وإلا اضطرون إلى الانحراف واقتراف الرذيلة، فيفسد المجتمع وتنحل أخلاقه، أو إلى أن يقضين حياتهن في ألم الحرمان وشقاء العزوبة، فيفقدن أعصابهن، وتضيع ثروة بشرية كان يمكن أن تكون قوة للامة، وثروة تضاف إلى مجموع ثرواتها.
ولقد اضطرت بعض الدول التي زاد فيها عدد النساء على الرجال إلى إباحة التعدد، لأنها لم ترحلا أمثل منه مع مخالفته لما تعتقده، ومنافاته لما ألفته ودرجت عليه.
قال الدكتور محمد يوسف موسى: أذكر أني وبعض اخواني المصريين دعينا عام 1948- ونحن في باريس - لحضور مؤتمر الشباب العالمي بمدينة ميونخ بألمانيا.
وكان من نصيبي أن اشتركت أنا وزميل لي من المصريين في الحلقة التي كانت تبحث مشكلة زيادة عدد النساء بألمانيا أضعافا مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحرب، وتستعرض ما يمكن أن يكون حلا طيبا لها.
وبعد استعراض سائر الحلول التي يعرفونها هناك ورفضها جميعا تقدمت وزميلي بالحل الطبيعي الوحيد، وهو إباحة تعدد الزوجات.
فقوبل هذا الرأي أولا بشئ من الدهشة والاشمئزاز، ولكنه بعد بحثه بحثا عادلا عميقا رأى المؤتمرون أنه لا حل غيره، وكانت النتيجة اعتباره توصية من التوصيات التي أقرها المؤتمر.
وكان مما سرني كثيرا بعد عودتي الى الوطن عام 1949 ما عرفته من أن بعض الصحف المصرية نشرت أن أهالي مدينة بون: عاصمة ألمانيا الغربية طلبوا أن ينص في الدستور على إباحة تعدد الزوجات.
5- ثم إن استعداد الرجل للتناسل أكثر من استعداد المرأة، فهو مهيأ للعملية الجنسية منذ البلوغ إلى سن متأخرة.
بينما المرأة لا تتهيأ لذلك مدة الحيض وهو دورة شهرية قد تصل إلى عشرة أيام ولا تتهيأ كذلك مدة النفاس والولادة وقد تصل هذه المدة الى أربعين يوما يضاف الى ذلك ظروف الحمل والرضاع. واستعداد المرأة للولادة ينتهي بين الخامسة والأربعين والخمسين، بينما يستطيع الرجل الاخصاب إلى ما بعد الستين، ولا بد من رعاية مثل هذه الحالات ووضع الحلول السليمة لها.
فإذا كانت الزوجة في هذه الحالة عاجزة عن أداء الوظيفة الزوجية، فماذا يصنع الرجل أثناء هذه الفترة؟ وهل الافضل له أن يضم إليه حليلة تعف نفسه وتحصن فرجه يتخذ خليلة لا تربطه بها رابطة إلا الرابطة التي تربط الحيوانات بعضها ببعص؟! مع ملاحظة أن الإسلام يحرم الزنا أشد تحريم: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا}.
ويقرر لمقترفه عقوبة رادعة: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}.
6- وقد تكون الزوجة عقيما لا تلد، أو مريضة مرضا لا يرجى شفاؤها منه، وهي مع ذلك راغبة في استمرار الحياة الزوجية، والزوج راغب في إنجاب الأولاد، وفي الزوجة التي تدبر شؤون بيته.
فهل من الخير للزوج أن يرضى بهذا الواقع الاليم، فيصطحب هذه العقيم دون أو يولد له، وهذه المريضة دون أن يكون له من يدبر أمر منزله، فيحتمل هذا الغرم كله وحده؟!.
أم الخير في أن يفارقها وهي راغبة في المعاشرة فيؤذيها بالفراق؟! أم يوفق بين رغبتها ورغبته، فيتزوج بأخرى ويبقي عليها فتلتقي مصلحته ومصحلتها معا؟! أعتقد أن الحل الأخير هو أهدى الحلول وأحقها بالقبول، ولا يسع صاحب ضمير حي وعاطفة نبيلة إلا أن يتقبله ويرضى به.
7- وقد يوجد عند بعض الرجال - بحكم طبيعتهم النفسية والبدنية - رغبة جنسية جامحة، إذ ربما لا تشبعه امرأة واحدة، ولا سيما في بعض المناطق الحارة.
فبدلا من أن يتخذ خليلة تفسد عليه أخلاقه، أبيح له أن يشبع غريزته عن طريق حلال مشروع.
8- هذه بعض الاسباب الخاصة والعامة التي لاحظها الإسلام، وهو يشرع لا لجيل خاص من الناس، ولا لزمن معين محدود، وإنما يشرع للناس جميعا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمراعاة الزمان والمكان لها اعتبارها، وتقدير ظروف الافراد لابد وأن يحسب حسابها.
والحرص على مصالح الأمة - بتكثير سوادها ليكونوا عدتها في الحرب والسلم - من أهم الاهداف التي يستهدفها المشرع.
9- ولقد كان لهذا التشريع والاخذ به في العالم الإسلامي فضل كبير في بقائه نقيا بعيدا عن الرذائل الاجتماعية والنقائص الخلقية التي فشت في المجتمعات التي لا تؤمن بالتعدد ولا تعترف به.
فقد لوحظ في المجتمعات التي تحرم التعدد:
1- شيوع الفسق، وانتشار الفجور، حتى زاد عدد البغايا عن عدد المتزوجات في بعض الجهات.
2- وتبع ذلك كثرة المواليد من السفاح إذ بلغت نسبتها في بعض الجهات 50 % من مجموع المواليد هناك.
وفي الولايات المتحدة يولد في كل عام أكثر من مائتي ألف ولادة غير شرعية!!! نشرت جريدة الشعب في شهر أغسطس سنة 1959 ما يلي: الرقم المذهل للاطفال غير الشرعيين الذي ولدوا في الولايات التحدة، أثار من جديد الجدل حول انحطاط مستوى الاخلاق في أمريكا، والحمل الذي يقع على عاتق دافع الضرائب الأمريكي - نتيجة لتحمله نفقات هذا الجيش من الاطفال - ولا غرو فقد تعدى عدد هؤلاء المواليد المائتي ألف سنويا.
ولمواجهة هذه المشكلة تدرس الجهات الرسمية في بعض المجتمعات إمكانية تعقيم النساء اللاتي يحدن عن التعاليم الدينية.
ويتركز الجدل في أماكن أخرى، حول المقترحات التي تطالب بتخفيض الاعانات للامهات اللاتي يضعن أكثر من مولود واحد غير شرعي.
وتقول وزارات الصحة، والتعليم، والشؤون الاجتماعية، في الولايات المتحدة: أن دافعي الضرائب في أمريكا سوف يتحملون هذا العام مبلغ 210 مليون دولارا لتغطية نفقات الاطفال غير الشرعيين، وذلك بواقع 27 دولارا و29 سنتا شهريا لكل طفل.
وتقول الاحصاءات الرسمية أن عدد هؤلاء الاطفال ارتفع من 87 ألفا و900 عام 1938 الى 201 ألف و700 عام 1957.
كما تقدر وزارة الشؤون الاجتماعية عدد هؤلاء الاطفال في عام 1958- 205 ألف طفل...ولكن الخبراء يعتقدون أن الرقم الصحيح يتعدى هذا بكثير.
وتدل الاحصاءات الاخيرة على أن معدل هذه الولادات غير الشرعية في كل ألف، قد زاد ثلاثة أضعاف - خلال الجيلين الاخيرين - مع زيادة تنذر بالخطر بين الفتيات المراهقات.
ويعلن علماء علم الاجتماع حقيقة أخرى، وهي أن العلائلات المقتدرة تخفي عادة أن إحدى بناتها حملت بطريقة غير شرعية، وترسل الطفل بهدوء الى أسرة أخرى تتبناه. انتهى.
3- وأثمرت هذه الاتصالات الخبيثة الأمراض البدنية والعقد النفسية والاضطرابات العصبية.
4- وتسربت عوامل الضعف والانحلال إلى النفوس.
5- وانحلت عرى الصلات الوثيقة بين الزوج وزوجته، واضطربت الحياة الزوجية وانفكت روابط الاسرة حتى لم تعد شيئا ذا قيمة.
6- وضاع النسب الصحيح، حتى أن الزوج لا يستطيع الجزم بأن الاطفال الذين يقوم على تربيتهم هم من صلبه.
فهذه المفاسد وغيرها كانت النتيجة الطبيعية لمخالفة الفطرة والانحراف عن تعاليم الله، وهي أقوى دليل وأبلغ حجة على أن وجهة الإسلام هي أسلم وجهة، وأن تشريعه هو أنسب تشريع لانسان يعيش على الأرض، وليس لملائكة يعيشون في السماء.
ولنختم هذه الكلمة بالسؤال والجواب اللذين أوردهما الفونس اتيين دينيه حيث قال: هل في زوال تعدد الزوجات فائدة أخلاقية؟ ثم أجاب: إن هذا أمر مشكوك فيه، فالدعارة التي تندر في أكثر الاقطار الإسلامية سوف تتفشى فيها، وتنشر آثارها المخربة.
وكذلك سوف يظهر في بلاد الإسلام داء لم تعرفه من قبل، هو عزوبة النساء التي تنتشر بآثارها المفسدة في البلاد المقصور فيها الزواج على واحدة، وقد ظهر ذلك فيها بنسبة مفزعة، وخاصة عقب فترات الحروب.
.تقييد التعدد:
ولقد كان سوء التطبيق، وعدم رعاية تعاليم الإسلام حجة ناهضة للذين يريدون أن يقيدوا تعدد الزوجات، وألا يباح للرجل أن يتزوج بأخرى إلا بعد دراسة القاضي أو غيره - من الجهات التي يناط بها هذا الأمر - حالته ومعرفة قدرته المالية، والاذن له بالزواج.
ذلك أن الحياة المنزلية تتطلب نفقات باهظة، فإذا كثر أفراد الاسرة بتعدد الزوجات ثقل حمل الرجل، وضعف عن القيام بالنفقة عليهم، وعجز عن تربيتهم التربية التي تجعل منهم أفرادا صالحين، يستطعيون النهوض بتكاليف الحياة وتبعاتها، وبذلك يفشو الجهل، ويكثر المتعطلون، ويتشرد عدد كبير من أفراد الأمة، فيشبون وهم يحملون جراثيم الفساد التي تنخر في عظامها.
ثم أن الرجل لا يتزوج في هذه الايام بأكثر من واحدة إلا لقضاة الشهوة أو الطمع في المال، فلا يتحرى الحكمة من التعدد، ولا يبتغي وجه المصلحة فيه، وكثيرا ما يعتدي على حق الزوجة التي تزوج عليها، ويضار أولاده منها، ويحرمهم من الميراث، فتشتعل نيران العداوة بين الاخوة والاخوات من الضرائر، ثم تنتشر هذه العداوة إلى الاسر، فيشتد الخصام، وتسعى كل زوجة للانتقام من الاخرى، وتكبر هذه الصغائر حتى تصل الى حد القتل في بعض الاحايين.
هذه بعض آثار التعدد، والتي اتخذ منها دليل التقييد.
ونبادر فنقول: إن العلاج لا يكون بمنع ما أباحه الله، وإنما يكون ذلك بالتعليم والتربية وتفقيه الناس في أحكام الدين.
ألا ترى أن الله أباح للانسان أن يأكل ويشرب دون أن يتجاوز الحد، فإذا أسرف في الطعام والشراب فأصابته الأمراض وانتابته العلل، فليس ذلك راجعا الى الطعام والشراب بقدر ما هو راجع الى النهم والاسراف.

وعلاج مثل هذه الحالة لا يكون بمنعه من الأكل والشرب، وإنما يكون بتعليمه الأدب الذي ينبغي مراعاته اتقاء لما يحدث من ضرر.
ثم إن الذين ذهبوا إلى حظر التعدد إلا بإذن من القاضي مستدلين بالواقع من أحوال الذين تزوجوا بأكثر من واحدة، جهلوا أو تجاهلوا المفاسد التي تنجم من الحظر، فان الضرر الحاصل من إباحة التعدد أخف من ضرر حظره، والواجب أن يتقى أشدهما باباحة أخفهما - تبعا لقاعدة ارتكاب أخف الضررين - وترك الأمر للقاضي مما لا يمكن ضبطه، فليست هناك مقاييس صحيحة يمكن أن يعرف بها ظروف الناس وأحوالهم، وقد يكون ضره أقرب من نفعه.
ولقد كان المسلمون، من العهد الأول إلى يومنا هذا، يتزوجون بأكثر من واحدة، ولم يبلغنا أن أحدا حاول حظر التعدد، أو تقييده على النحو المقترح، فليسعنا ما وسعهم، وما ينبغي لنا أن نضيق رحمة الله الواسعة، وننتقص من التشريع الذي جمع من المزايا والفضائل ما شهد به الاعداء، فضلا عن الاصدقاء.

.تاريخ تعدد الزوجات:
الحقيقة أن هذا النظام كان سائدا قبل ظهور الإسلام في شعوب كثيرة.
منها: العبريون والعرب في الجاهلية، وشعوب الصقالبة أو السلافيون.
وهي التي ينتمي إليها معظم أهل البلاد التي نسميها الآن: روسيا، وليتوانيا، وليثونيا، واستونيا، وبولونيا، وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا.
وعند بعض الشعوب الجرمانية والسكسونية التي ينتمي إليها معظم أهل البلاد التي تسميها الآن ألمانيا، والنمسا، وسويسرا، وبلجيكا، وهولندا، والدانيمارك، والسويد، والنرويج، وانجلترا.
فليس بصحيح إذن ما يدعونه من أن الإسلام هو الذي قد أتى بهذا النظام.
والحقيقة كذلك أن نظام تعدد الزوجات لا يزال إلى الوقت الحاضر منتشرا في عدة شعوب لا تدين بالإسلام كأفريقيا، والهند، والصين، واليابان.
فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن هذا النظام مقصور على الأمم التي تدين بالإسلام.
والحقيقة كذلك أنه لا علاقة للدين المسيحي في أصله بتحريم التعدد.
وذلك أنه لم يرد في الانجيل نص صريح يدل على هذا التحريم.
وإذا كان السابقون الأولون إلى المسيحية من أهل أوربا قد ساروا على نظام وحدة الزوجة فما ذاك إلا لأن معظم الأمم الأوربية الوثنية التي انتشرت فيها المسيحية في أول الأمر - وهي شعوب اليونان، والرومان - كانت تقاليدها تحرم تعدد الزوجات المعقود عليهن، وقد سار أهلها، بعد اعتناقهم المسيحية، على ما وجدوا عليه آباءهم من قبل.
إذن فلم يكن نظام وحدة الزوجة لديهم نظاما طارئا جاء به الدين الجديد الذي دخلوا فيه، وإنما كان نظاما قديما جرى عليه العمل في وثنيتهم الأولى، وكل ما هنالك أن النظم الكنسية المستحدثة بعد ذلك قد استقرت على تحريم تعدد الزوجات واعتبرت هذا التحريم من تعاليم الدين، على الرغم من أن أسفار الانجيل نفسها لم يرد فيها شيء يدل على هذا التحريم.
والحقيقة كذلك، أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب المتقدمة في الحضارة، على حين أنه قليل الانتشار أو منعدم في الشعوب البدائية المتأخرة كما قرر ذلك علماء الاجتماع ومؤرخو الحضارات، وعلى رأسهم وستر مارك، وهو بهوس، وهيلير، وجنربرج.
فقد لو حظ أن نظام وحدة الزوجية كان النظام السائد في أكثر الشعوب تأخرا وبدائية، وهي الشعوب التي تعيش على الصيد، أو جمع الثمار التي تجود بها الطبيعة عفوا، وفي الشعوب التي تتزحزح تزحزحا كبيرا عن بدائيتها، وهي الشعوب الحديثة العهد بالزراعة.
على حين أن نظام تعدد الزوجات لم يبد في صورة واضحة إلا في الشعوب التي قطعت مرحلة كبيرة في الحضارة، وهي الشعوب التي تجاوزت مرحلة الصيد البدائي إلى مرحلة استئناس الانعام وتربيتها ورعيها واستغلالها، والشعوب التي تجاوزت جمع الثمار والزراعة البدائية إلى مرحلة الزراعة.
ويرى كثير من علماء الاجتماع ومؤرخي الحضارات أن نظام تعدد الزوجات سيتسع نطاقه حتما، ويكثر عدد الشعوب الآخذة به كلما تقدمت المدنية واتسع نطاق الحضارة.
فليس بصحيح إذن ما يزعمونه من أن نظام تعدد الزوجات مرتبط بتأخر الحضارة، بل عكس ذلك تماما هو المتفق مع الواقع.
هذا هو الوضع الصحيح لنظام التعدد من الناحية التاريخية، وهذا هو موقف المسيحية منه، وهذه هي الحقيقة فيما يتعلق بمدى انتشاره وارتباطه بتقدم الحضارة.
ولم نذكر ذلك لتبرير هذا النظام، وإنما ذكرناه لمجرد وضع الأمور في نصابها، ولبيان ما تنطوي عليه حملة الفرنجة من تزييف للحقيقة والتاريخ
العدل بين الزوجات
أباح الله تعدد الزوجات وقصره على أربع، وأوجب العدل بينهن في الطعام والسكن والكسوة والمبيت، وسائر ما هو مادي من غير تفرقة بين غنية وفقيرة، وعظيمة وحقيرة، فان خاف الرجل الجور وعدم الوفاء بحقوقهن جميعا حرم عليه الجمع بينهن، فان قدر على الوفاء بحق ثلاث منهن دون الرابعة حرم عليه العقد عليها.
فان قدر على الوفاء بحق اثنتين دون الثالثة حرم عليه العقد عليها.
وكذلك من خاف الجور بزواج الثانية حرمت عليه لقول الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} أي أقرب ألا تجوروا.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه.
ولا تعارض بين ما أوجبه الله من العدل في هذه الآية وبين ما نفاه الله في الآية الاخرى من سورة النساء وهي: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} فان العدل المطلوب هو العدل الظاهر المقدور عليه وليس هو العدل في المودة والمحبة، فان ذلك لا يستطيعه أحد، بل العدل المبتغى هو العدل في المحبة والمودة والجماع.
قال محمد بن سيرين سألت عبيدة عن هذه الآية فقال هو الحب والجماع.
قال ابو بكر بن العربي: وصدق، فان ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء، وكذلك الجماع فقد ينشط للواحدة مالا ينشط للاخرى، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه، فانه مما لا يستطيعه، فلا يتعلق به تكليف.
وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل، ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تلك ولا أملك» قال أبو داود: يعني القلب رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الخطابي في هذا دلالة على توكيد وجوب القسم بين الضرائر الحرائر، وإنما المكروه في الميل، هو ميل العشرة الذي يكون معه نجس الحق، دون ميل القلوب، فان القلوب لا تملك.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي في القسم بين نسائه ويقول: «اللهم هذا قسمي» الحديث.
وفي هذا نزل قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة}.
وإذا سافر الزوج فله أن يصطحب من شاء منهن وان أقرع بينهن كان حسنا.
ولصاحبة الحق في القسم أن تنزل عن حقها، إذ أن ذلك خالص حقها، فلها أن تهيه لغيرها.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة.

.حق المرأة في اشتراط عدم التزوج عليها:
كما أن الإسلام قيد التعدد بالقدرة على العدل، وقصره على أربع، فقد جعل من حق المرأة أو وليها أن يشترط ألا يتزوج الرجل عليها.
فلو شرطت الزوجة في عقد الزواج على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط ولزم، وكان لها حق فسخ الزواج إذا لم يف لها بالشرط، ولا يسقط حقها في الفسخ إلا إذا أسقطته، ورضيت بمخالفته.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، ورجحه ابن تيمية، وابن القيم.
إذ الشروط في الزواج أكبر خطرا منها في البيع والاجارة، ونحوهما، فلهذا يكون الوفاء بما التزم منها أوجب وآكد.
واستدلوا لمذهبهم هذا بما يأتي:
1- بما رواه البخاري، ومسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج».
2- ورويا عن عبد الله بن أبي مليكة أن المسور بن مخرمة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم من علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها» وفي رواية: «إن فاطمة مني وأنا أتخوف أن تفتن في دينها».
ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه، فأحسن، قال: «حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وإني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحدا أبدا».
قال ابن القيم: فتضمن هذا الحكم أمورا: أن الرجل إذا اشترط لزوجته أن لا يتزوج عليها لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ.
ووجه تضمن الحديث لذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة رضي الله عنها، ويريبها، وأنه يؤذيه صلى الله عليه وسلم ويريبه.
ومعلوم قطعا أنه صلى الله عليه وسلم إنما زوجه فاطمة رضي الله عنها على ألا يؤذيها، ولا يريبها، ولا يؤذي أباها صلى الله عليه وسلم ولا يريبه، وإن لم يكن هذا مشروطا في صلب العقد، فانه من المعلوم بالضرورة أنه إنما دخل عليه.
وفي ذكره صلى الله عليه وسلم صهره الاخر وثنائه عليه بأنه حدثه فصدقه ووعده فوفى له، تعريض بعلي رضي الله عنه وتهييج له على الاقتداء به، وهذا يشعر بأنه قد جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها فهيجه على الوفاء له، كما وفى له صهره الاخر.
فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفا كالمشروط لفظا، وأن عدمه يملك الفسخ لمشترطه، فلو فرض من عادة قوم أنهم لا يخرجون نساءهم من ديارهم ولا يمكنون الزوج من ذلك البتة.
واستمرت عادتهم بذلك، كان كالمشروط لفظا، وهو مطرد على قواعد أهل المدينة.
وقواعد أحمد رحمه الله، أن الشرط العرفي كاللفظي سواء، ولهذا أوجبوا الاجرة على من دفع ثوبه الى غسال أو قصار، أو عجينه إلى خباز، أو طعامه إلى طباخ يعملون بالاجرة، أو دخل الحمام واستخدم من يغسله ممن عادته أن يغسل بالاجرة، أنه يلزمه أجرة المثل.
وعلى هذا فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة، ولا يمكنونه من ذلك، وعادتهم مستمرة بذلك كان كالمشروط لفظا.
وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا يمكن إدخال الضرة عليها عادة لشرفها، وحسبها، وجلالتها، كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظا.
وعلى هذا فسيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين، أحق النساء بهذا، فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدا لا تأسيسا، وفي منع علي من الجمع بين فاطمة رضي الله عنها وبين بنت أبي جهل حكم حكم بديعة، وهي أن المرأة مع زوجها في درجة تبع له، فان كانت في نفسها ذات درجة عالية وزوجها كذلك، كانت في درجة عالية بنفسها وبزوجها، وهذا شأن فاطمة وعلي رضي الله عنهما.
ولم يكن الله عز وجل ليجعل ابنة أبي جهل مع فاطمة رضي الله عنها في درجة واحدة، لا بنفسها ولا تبعا، وبينهما من الفرق ما بينهما، فلم يكن نكاحها على سيدة نساء العالمين مستحسنا، لا شرعا ولا قدرا، وقد أشار صلى الله عليه وسلم الى هذا بقوله: «والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحدا أبدا».
فهذا إما أن يتناول درجة الاخر بلفظه أو اشارته. انتهى.
وقد تقدم رأي الفقهاء في اشتراط مثل هذا الشرط ونحوه مما فيه للمرأة، فليرجع إليه.

.حرمة  الزيادة على الأربع:
يحرم على الرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع روجات في وقت واحد، إذ أن في الأربع الكفاية، وفي الزيادة عليها تفويت الاحسان الذي شرعه الله لصلاح الحياة الزوجية، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا}.
سبب نزول هذه الآية: روى البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء}.
فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها فتشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن.
قال عروة: قالت عائشة: ثم أن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله عزوجل: {يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن}.
قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله سبحانه فيها: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء}.
قالت عائشة: وقول الله عز وجل في الآية الاخرى: {وترغبون أن تنكحوهن}.
هي رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال.
فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إن كن قليلات المال والجمال.
معنى الآية: ويكون معنى الآية على هذا أن الله سبحانه وتعالى يخاطب أولياء اليتامى فيقول: إذا كانت اليتيمة في حجر أحدكم وتحت ولايته، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل عنها إلى غيرها من النساء، فانهن كثيرات، ولم يضيق الله عليه فأحل له من واحدة الى أربع.
فان خاف أن يجور إذا تزوج أكثر من واحدة، فواجب عليه أن يقتصر على واحدة، أو ما ملكت يمينه من الإماء.
افادتها الاقتصار على الأربع:
قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لاحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة.
وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وقال بعضهم بلا حصر.
وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيح.
وقد رد الإمام القرطبي على هؤلاء فقال: اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع كما قاله من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جامعة.
وعضد ذلك بأن النبي نكح تسعا، وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة، الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنين اثنين. وكذلك ثلاث، ورباع.
وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثماني عشرة تمسكا منه بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع. فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثلاث ورباع.
وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لاجماع الأمة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع.
وأخرج مالك في الموطأ، والنسائي، والدارقطني، في سننها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن».
وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اختر منهن أربعا».
وقال مقاتل: أن قيس بن الحارث كان عنده ثماني نسوة حرائر، فلما نزلت الآية أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق أربعا، ويمسك أربعا، كذا قال قيس بن الحارث.
والصواب أن ذلك كان حارث بن قيس الاسدي كما ذكر أبو داود.
وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير، أن ذلك كان حارث بن قيس، وهو المعروف عند الفقهاء.
وأما ما أبيح من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من خصوصياته.
وأما قولهم: أن الواو جامعة، فقد قيل ذلك، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات.
والعرب لا تدع أن تقول تسعة، وأن تقول اثنين وثلاثة، وأربعة.
وكذلك تستقبح ممن يقول أعط فلانا أربعة، ستة، ثمانية، ولا يقول، ثمانية عشر.
وإنما الواو في هذا الموضع بدل، أي أنكحوا ثلاثة بدلا من مثنى، ورباعا بدلا من ثلاث، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو.
ولو جاء بأو لجاز ألا يكون لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع.
وأما قولهم: إن مثنى تقتضي اثنين، وثلاث ثلاثا، ورباع أربعا فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه، وجهالة منهم.
وكذلك جهله الاخرون لأن مثنى تقتضي اثنين اثنين، وثلاث: ثلاثا ثلاثا، ورباع: أربعا أربعا.
ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، حصر للعدد. ومثنى وثلاث ورباع بخلافها.
ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الاصل.
وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءت مزدوجة.
قال الجوهري: وكذلك معدول العدل.
وقال غيره فإذا قالت: جاءني قوم مثنى أو ثلاث، أو آحاد، أو عشار،
فإنما تريد أنهم جاءوك واحدا واحدا أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة.
وليس هذا المعنى في الاصل لانك إذا قلت: جاءني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قوم عشرة عشرة، فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة.
فإذا قلت جاءوني ثناء ورباع، فلم تحصر عدتهم، وإنما تريد أنهم جاءوك اثنين اثنين، أو أربعة أربعة، سواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب.
فقصرهم كل صيغة على أقل مما تقتضيه بزعمهم تحكم. انتهى