الجمعة، 16 نوفمبر 2012

موسوعة الأخلاق الإسلامية : الشجاعة

الشجاعة

معنى الشجاعة لغة واصطلاحاً
معنى الشجاعة لغة:
شجع من باب ظرف فهو شجاعٌ وقوم شِجْعَةٌ وشِجْعَانٌ نظير غلام وغلمة وغلمان ورجل شَجِيعٌ وقوم شُجْعانٌ مثل جريب وجربان، وشُجَعاءُ كفقيه وفقهاء، وهي: شدَّة القلب عند البأس (1).
معنى الشجاعة اصطلاحاً:
هي: (هيئة حاصلة للقوة الغضبية بين التهور والجبن بها يقدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها كالقتال مع الكفار ما لم يزيدوا على ضعف المسلمين) (2).
وقيل هي: (الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت) (3).
وقال ابن حزم: (حد الشجاعة: بذل النفس للموت عن الدين والحريم وعن الجار المضطهد وعن المستجير المظلوم وعن الهضيمة ظلماً في المال والعرض وفي سائر سبل الحق سواء قل من يعارض أو كثر) (4).

(1) انظر ((لسان العرب)) لابن منظور (8/ 173) و ((الصحاح في اللغة)) للجوهري (3/ 1235) و ((مختار الصحاح)) للرازي (ص 354).
(2) ((التعريفات)) للجرجاني (ص125).
(3) ((تهذيب الأخلاق)) للجاحظ (ص 27).
(4) ((الأخلاق والسير)) لابن حزم (ص 80).

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الفرق بين الشجاعة وبعض الصفات
الفرق بين البسالة والشجاعة:
(أن أصل البسل الحرام: فكأن الباسل حرام أن يصاب في الحرب بمكروه لشدته فيها وقوته.
والشجاعة الجرأة: والشجاع الجريء المقدام في الحرب ضعيفا كان أو قويا، والجرأة قوة القلب الداعي إلى الإقدام على المكاره فالشجاعة تنبئ عن الجرأة والبسالة تنبئ عن الشدة) (1).
الفرق بين الشجاعة والجرأة:
(أن الشجاعة من القلب: وهي ثباته واستقراره عند المخاوف وهو خلق يتولد من الصبر وحسن الظن فإنه متى ظن الظفر وساعده الصبر ثبت كما أن الجبن يتولد من سوء الظن وعدم الصبر فلا يظن الظفر ولا يساعده الصبر ...
وأما الجرأة: فهي إقدام سببه قلة المبالاة وعدم النظر في العاقبة بل تقدم النفس في غير موضع الإقدام معرضة عن ملاحظة العارض فإما عليها وإما لها) (2).

(1) ((الفروق اللغوية)) لأبي هلال العسكري (ص 99).
(2) ((الروح)) لابن القيم (ص 237) بتصرف.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،الترغيب في الشجاعة من القرآن والسنة
الترغيب في الشجاعة من القرآن الكريم:
- أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالقتال في سبيل الله والثبات عليه والإقدام في الحروب، وعدم الجبن، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 16]
- وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال: 65]
قال السعدي: (يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم) (1).
- وقال سبحانه: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]
- وأمر الله المسلمين بالثبات في الجهاد فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45]
- وقال تعالى في حق المؤمنين أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]
الترغيب في الشجاعة من السنة النبوية:
- عن أبى هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان)) (2).
قال النووي: (والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأسرع خروجا إليه، وذهابا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها، ومحافظة عليها، ونحو ذلك) (3).
- وعن عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر فحدثت به مصعبا فصدقه)) (4).
قال المهلب: (أما استعاذته - صلى الله عليه وسلم - من الجبن فإنه يؤدي إلى عذاب الآخرة؛ لأنه يفر من قرنه في الزحف فيدخل تحت وعيد الله لقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ [الأنفال: 16] الآية، وربما يفتن في دينه، فيرتد لجبن أدركه) (5).
- وعن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال ((بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)) (6).
- الأحاديث التي ترغب وتحث على الجهاد والاستشهاد في سبيل الله وهي كثيرة.

(1) ((تيسير الكريم الرحمن)) للسعدي (ص 325).
(2) رواه مسلم (2664).
(3) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (ص 4/ 2052).
(4) رواه البخاري (2822).
(5) ((شرح البخاري)) لابن بطال (ص 5/ 35).
(6) رواه البخاري (7199)، ومسلم (1709).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،ما قيل في الشجاعة
- قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لخالد بن الوليد: (احرص على الموت توهب لك الحياة) (1).
- وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (الجبن والشجاعة غرائز في الناس تلقى الرجل يقاتل عمن لا يعرف وتلقى الرجل يفر عن أبيه) (2).
- وخطب عبد الله بن الزبير الناس لما بلغه قتل مصعب أخيه فقال: (إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه. إنا والله لا نموت حتفاً، ولكن نموت قعصاً بأطراف الرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف. وإن يقتل مصعب فإن في آل الزبير خلفاً منه) (3).
- وكتب زياد إلى ابن عباس: (أن صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائع ركبت في الإنسان تركيب الجوارح، اعلم أن الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفر عن عرسه، وأن الجواد يعطي من لا يلزمه، وأن البخيل يمسك عن نفسه.) (4).
- وقالوا: (حد الشجاعة سعة الصدر بالإقدام على الأمور المتلفة.
- وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جبلة نفس أبية، قيل له: فما النجدة؟ قال: ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت، حتى تحمد بفعلها دون خوف.
- وقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صبر ساعة. وقال بعض أهل التجارب: الرجال ثلاثة: فارس، وشجاع، وبطل، فالفارس: الذي يشد إذا شدوا، والشجاع: الداعي إلى البراز والمجيب داعيه، والبطل: الحامي لظهور القوم إذا ولوا.
قال يعقوب بن السكيت في كتاب الألفاظ: العرب تجعل الشجاعة في أربع طبقات، تقول: رجلٌ شجاعٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: بطلٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: بهمةٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: اليس.
- وقال بعض الحكماء: جسم الحرب: الشجاعة، وقلبها: التدبير، ولسانها: المكيدة، وجناحها: الطاعة، وقائدها: الرفق، وسائقها: النصر.
- وعن أبي بكر بن عياش قال قيل للبطال: ما الشجاعة قال صبر ساعة) (5).
- وقال عمرو بن معد يكرب: (الفزعات ثلاثة فمن كانت فزعته في رجليه فذاك الذي لا تقله رجلاه ومن كانت فزعته في رأسه فذاك الذي يفر عن أبويه ومن كانت فزعته في قلبه فذاك الذي لا يقاتل) (6).
- وقال ابن تيمية: (ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك) (7).
- وقال ابن القيم: (الجبن والشجاعة غرائز وأخلاق فالجبان يفر عن عرسه والشجاع يقاتل عن من لا يعرفه كما قال الشاعر:
يفر جبان القوم من أم نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
والشجاع ضد البخيل لأن البخيل يضن بماله والشجاع يجود بنفسه كما قال القائل:
كم بين قوم إنما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا) (8).
- وقال الذهبي: (الشجاعة والسخاء أخوان، فمن لم يجد بماله، فلن يجود بنفسه) (9).
- وقال أعرابي: (الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما جمعوا؛ وكم من منية علتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرض للموت) (10).

(1) ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (1/ 92).
(2) ((مكارم الأخلاق)) لابن أبي الدنيا (ص 70).
(3) ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (1/ 101).
(4) ((نهاية الأرب في فنون الأدب)) للنويري (3/ 347).
(5) ((نهاية الأرب في فنون الأدب)) للنويري (3/ 208).
(6) ((الفروسية)) لابن القيم (ص 491).
(7) ((الاستقامة)) لابن القيم (2/ 269).
(8) ((الفروسية)) لابن القيم (ص 491).
(9) ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (19/ 235).
(10) ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (1/ 100).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،أقسام الشجاعة
ذكر الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) خمسة أنواع للشجاعة وهي:
- (سبعية كمن أقدم لثوران غضب وتطلب غلبة.
- وبهيمية كمن حارب توصلا إلى مأكل أو منكح.
- وتجريبية كمن حارب مرارا فظفر. فجعل ذلك أصلا يبني عليه.
- وجهادية كمن يحارب ذبا عن الدين.
- وحكمية وهي ما تكون في كل ذلك عن فكر وتمييز وهيئة محمودة بقدر ما يجب وعلى ما يجب، ألا ترى أنه يحمد من أقدم على كافر غضبا لدين الله أو طمعا في ثوابه أو خوفا من عقابه أو اعتمادا على ما رأى من إنجاز وعد الله في نصرة أوليائه، فإن كل ذلك محمود وإن كان محض الشجاعة هو أن لا يقصد بالإقدام حوز ثواب أو دفع عقاب ...
ومن الشجاعة المحمودة مجاهدة الإنسان نفسه أو غيره، وكل واحد منهما ضربان:
- مجاهدة النفس بالقول: وذلك بالتعلم. وبالفعل: وذلك بقمع الشهوة، وتهذيب الحمية.
- ومجاهدة الغير بالقول. وذلك تزيين الحق وتعليمه، وبالفعل وذلك مدافعة الباطل ومتعاطيه بالحرب) (1).

(1) ((الذريعة إلى مكارم الشريعة)) للراغب الأصفهاني (ص 328).،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،فوائد وآثار الشجاعة
الشجاعة لها فوائد تعود على الفرد والمجتمع فمنها:
1 - الشجاعة سبب لانشراح الصدر:
قال ابن القيم: (فإن الشجاع منشرح الصدر واسع البطان متسع القلب والجبان أضيق الناس صدرا وأحصرهم قلبا لا فرحة له ولا سرور ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل وعلى كل معرض عن الله سبحانه غافل عن ذكره جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه متعلق القلب بغيره) (1).
2 - الشجاعة أصل الفضائل:
فمن يتصف بالشجاعة يتحلى أيضاً بكبر النفس، والنجدة، وعظم الهمة، والثبات، والصبر، والحلم، وعدم الطيش، والشهامة، واحتمال الكد.
3 - الشجاعة تحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم:
قال ابن القيم: (والشجاعة تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد: الذي يملك نفسه عند الغضب وهو حقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه) (2).
4 - الرجل الشجاع يحسن الظن بالله:
قال ابن القيم: (والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله وأهل الشجاعة والجود هم أهل حسن الظن بالله كما قال بعض الحكماء في وصيته
عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن الظن بالله والشجاعة جنة للرجل من المكاره والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه فهو جند وسلاح يعطيه عدوه ليحاربه به
وقد قالت العرب الشجاعة وقاية والجبن مقتلة وقد أكذب الله سبحانه أطماع الجبناء في ظنهم أن جبنهم ينجيهم من القتل والموت فقال الله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ [الأحزاب: 16]
ولقد أحسن القائل وهو قطري بن الفجاءة الساري:
أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع
وما ثوب الحياة بثوب عز ... فيطوي عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لم يعتبط يسام ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع) (3).
5 - لا تتم مصلحة الإمارة والسياسة إلا بالشجاعة:

(1) ((زاد المعاد)) لابن القيم (2/ 22).
(2) ((الفروسية)) لابن القيم (ص 491).
(3) ((الفروسية)) لابن القيم (ص 491).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،قال ابن تيمية: (لا يتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء والنجدة التي هي الشجاعة بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك ولهذا كان من لا يقوم بهما سلبه الأمر ونقله إلى غيره كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: 38 - 39] وقال تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: 38]، وقد قال الله تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء والقتال الذي هو الشجاعة وكذلك قال الله تعالى في غير موضع: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 41]) (1).
وقال في موضع آخر: (كما أن عليهم- أي ولاة الأمور - من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك) (2).
وأيضاً من آثار الشجاعة:
6 - كبر النفس:
وهو الاستهانة باليسير والاقتدار على حمل الكرائه فصاحبه أبدا يؤهل نفسه للأمور العظام مع استخفافه لها.
7 - النجدة:
وهي ثقة النفس عند المخاوف حتى لا يخامرها جزع.
8 - عظم الهمة:
وهي فضيلة للنفس تحتمل بها سعادة الجد وضدها حتى الشدائد التي تكون عند الموت.
9 - الثبات:
وهو فضيلة للنفس تقوى بها على احتمال الآلام ومقاومتها في الأهوال خاصة.
10 - الحلم:
وهو فضيلة للنفس تكسبها الطمأنينة فلا تكون شغبة ولا يحركها الغضب بسهولة وسرعة.
11 - السكون:
وهو عدم الطيش فهو إما عند الخصومات وإما في الحروب التي يذب بها عن الحريم أو عن الشريعة. وهو قوة للنفس تقسر حركتها في هذه الأحوال لشدتها.
12 - الشهامة:
وهي الحرص على الأعمال العظام توقعا للأحدوثة الجميلة.
13 - احتمال الكد:
وهو قوة للنفس بها تستعمل آلات البدن في الأمور الحسية بالتمرين وحسن العادة) (3).

(1) ((السياسة الشرعية)) لابن تيمية (ص 74).
(2) ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (28/ 180).
(3) ((تهذيب الأخلاق)) لابن مسكويه (ص18) بتصرف.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،مراتب الشجعان
تحدث ابن القيم عن مراتب الشجعان فذكر:
(أول مراتبهم الهمام: وسمي بذلك لهمته وعزمه وجاء على بناء فعال كشجاع.
الثاني المقدام: وسمي بذلك من الإقدام وهو ضد الإحجام وجاء على أوزان المبالغة كمعطاء ومنحار لكثير العطاء والنحر وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث كامرأة معطار كثيرة التعطر ومذكار تلد الذكور.
الثالث الباسل: وهو اسم فاعل من بسل يبسل كشرف يشرف والبسالة الشجاعة والشدة وضدها فشل يفشل فشالة وهي على وزنها فعلا ومصدرا وهي الرذالة.
الرابع البطل: وجمعه أبطال وفي تسميته قولان:
أحدهما: لأنه يبطل فعل الأقران فتبطل عند شجاعة الشجعان فيكون بطل بمعنى مفعول في المعنى لأن هذا الفعل غير متعد
والثاني: أنه بمعنى فاعل لفظا ومعنى لأنه الذي يبطل شجاعة غيره فيجعلها بمنزلة العدم فهو بطل بمعنى مبطل
ويجوز أن يكون بطل بمعنى مبطل بوزن مكرم وهو الذي قد بطله غيره فلشجاعته تحاماه الناس فبطلوا فعله باستسلامهم له وترك محاربتهم إياه
الخامس: الصنديد بكسر الصاد) (1).

(1) ((الفروسية)) لابن القيم (503).،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،صور الشجاعة
1 - الإقدام في ساحات الوغى في الجهاد في سبيل الله والاستهانة بالموت.
2 - الجرأة في إنكار المنكر وبيان الحق:
قال صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)).
3 - الشجاعة في الأعمال التي تحتاج إلى تحمل المخاطر ورباطة الجأش:
كرجال المطافئ، وعمال المناجم، والأطباء والممرضون وغيرهم ...
4 - (حضور الذهن عند الشدائد:
من أكبر مظاهر الشجاعة حضور الذهن عند الشدائد، فشجاع من إذا عراه خطب لم يذهب برشده، بل يقابله برزانة وثبات ويتصرف فيه بذهن حاضر وعقل غير مشتت) (1).
5 - الشجاعة الأدبية:
ونعني بها أن يبدي الإنسان رأيه، وما يعتقد أنه الحق مهما ظن الناس به أو تقولوا عليه من غضب عظيم، يقول الحق بأدب وإن تألم منه الناس، ويعترف بالخطأ وإن نالته عقوبة، ويرفض العمل بما لا يراه صواباً (2).

(1) ((الأخلاق الإسلامية)) لجمال نصار. بتصرف (ص 206).
(2) ((الأخلاق الإسلامية)) لجمال نصار. بتصرف (ص 206).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،وسائل اكتساب خلق الشجاعة
خلق الشجاعة كسائر الأخلاق، فالأخلاق كلها منها ما هو فطري ومنها ما هو مكتسب، فمن الشجاعة شجاعة فطرية، ومنها شجاعة مكتسبة.
ولاكتساب خلق الشجاعة وسائل ومن تلك الوسائل:
1 - اللجوء إلى الله بالدعاء والذكر:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45]
( ... أمر بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية قبلها النهي عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على سواء. وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلد له.
قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال:
الأول: اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد.
الثاني: اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم، فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: 250]. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. الثالث: اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم) (1).
2 - (ترسيخ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الإنسان لن يصيبه إلا ما كتب الله له.
3 - ترسيخ عقيدة الإيمان باليوم الآخر.
4 - غرس اليقين بما أعده الله من النعيم في الجنة، للذين يقاتلون في سبيل الله.
5 - التدريب العملي بدفع الإنسان إلى المواقف المحرجة التي لا يتخلص منها إلا بأن يتشجع.
6 - الإقناع بأن معظم مثيرات الجبن لا تعدو أنها أوهام لا حقيقة لها.
7 - القدوة الحسنة وعرض مشاهد الشجعان، وذكر قصصهم.
8 - إثارة دوافع التنافس، ومكافأة الأشجع بعطاءات مادية) (2).

(1) ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي (8/ 23).
(2) ((الأخلاق الإسلامية)) لعبدالرحمن حبنكة الميداني. بتصرف (2/ 568).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،نماذج من شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وأمضاهم عزما وإقداما، كان الناس يفرون وهو ثابت (1).
- وقال رجل للبراء ((يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جمع هوازن وبني نصر فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون فأقبلوا هناك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل فاستنصر وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. ثم صفهم)) (2).
- وعن علي رضي الله عنه قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا) (3).
- وعن أنس قال ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه سيف فقال لقد وجدته بحرا، أو إنه لبحر)) (4).
- وعن ابن عمر، قال: ((ما رأيت أحدا أجود ولا أنجد ولا أشجع ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (5).
- وعن عمران بن الحصين، قال: ((ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب)) (6).
- وعن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: ((شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم نفارقه ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يركض بغلته قبل الكفار قال عباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي عباس ناد أصحاب السمرة. فقال عباس وكان رجلا صيتا فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة قال فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا يا لبيك يا لبيك - قال - فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار قال ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج.
فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا حين حمى الوطيس)) (7).

(1) ((مكارم الأخلاق)) لابن عثيمين (ص57).
(2) رواه البخاري (2930)، ومسلم (1776).
(3) رواه أحمد (1/ 86) (654)، وابن أبي شيبة (6/ 426) (32614). وصحح إسناده أحمد شاكر في ((تخريج المسند)) (2/ 64).
(4) رواه البخاري (6033).
(5) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (1/ 373)، وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (60)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (4/ 32).
(6) قال العراقي في ((تخريج الإحياء)) (867): أخرجه أبو الشيخ وفيه من لم أعرفه.
(7) رواه مسلم (1775).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،نماذج من شجاعة الصحابة رضي الله عنهم:
(وقد كان الموروث صلوات الله وسلامه عليه أشجع الناس فكذلك وارثه وخليفته من بعده أشجع الأمة بالقياس ويكفي أن عمر بن الخطاب سهم من كنانته وخالد بن الوليد سلاح من أسلحته والمهاجرون والأنصار أهل بيعته وشوكته وما منهم إلا من اعترف أنه يستمد من ثباته وشجاعته) (1).
شجاعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
(وكان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله ... برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال وهو في ذلك ثابت القلب ربيط الجأش يلوذ به شجعان الصحابة وأبطالهم فيثبتهم ويشجعهم ولو لم يكن له إلا ثبات قلبه يوم الغار وليلته وثبات قلبه يوم بدر وهو يقول للنبي يا رسول الله كفاك بعض مناشدتك ربك فإنه منجر لك ما وعدك وثبات قلبه يوم أحد وقد صرخ الشيطان في الناس بأن محمدا قد قتل ولم يبق أحد مع رسول الله إلا دون عشرين في أحد وهو مع ذلك ثابت القلب ساكن الجأش وثبات قلبه يوم الخندق وقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وثبات قلبه يوم الحديبية وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب حتى إن الصديق ليثبته ويسكنه ويطمئنه وثبات قلبه يوم حنين حيث فر الناس وهو لم يفر وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزت لها الدنيا أجمع وكادت تزول لها الجبال وعقرت لها أقدام الأبطال وماجت لها قلوب أهل الإسلام كموج البحر عند هبوب قواصف الرياح وصاح لها الشيطان في أقطار الأرض أبلغ الصياح وخرج الناس بها من دين الله أفواجا وأثار عدو الله بها أقطار الأرض عجاجا وانقطع لها الوحي من السماء وكاد لولا دفاع الله لطمس نجوم الاهتداء وأنكرت الصحابة بها قلوبهم وكيف لا وقد فقدوا رسولهم من بين أظهرهم وحبيبهم وطاشت الأحلام وغشي الآفاق ما غشيها من الظلام واشرأب النفاق ومد أهله الأعناق ورفع الباطل رأسا كان تحت قدم الرسول موضوعا وسمع المسلمون من أعداء الله ما لم يكن في حياته بينهم مسموعا وطمع عدو الله أن يعيد الناس إلى عبادة الأصنام وأن يصرف وجوههم عن البيت الحرام وأن يصد قلوبهم عن الإيمان والقرآن ويدعوهم إلى ما كانوا عليه من التهود والتمجس والشرك وعبادة الصلبان فشمر الصديق رضي الله عنه من جده عن ساق غير خوار وانتضى سيف عزمه الذي هو ثاني ذي الفقار وامتطى من ظهور عزائمه جوادا لم يكن يكبو يوم السباق وتقدم جنود الإسلام فكان أفرسهم إنما همه اللحاق وقال والله لأجاهدن أعداء الإسلام جهدي ولأصدقنهم الحرب حتى تنفرد سالفتي أو أفرد وحدي ولأدخلنهم في الباب الذي خرجوا منه ولأردنهم إلى الحق الذي رغبوا عنه فثبت الله بذلك القلب الذي لو وزن بقلوب الأمة لرجحها جيوش الإسلام وأذل بها المنافقين والمرتدين وأهل الكتاب وعبدة الأصنام حتى استقامت قناة الدين من بعد اعوجاجها وجرت الملة الحنيفية على سننها ومنهاجها وتولى حزب الشيطان وهم الخاسرون وأذن مؤذن الإيمان على رؤوس الخلائق فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: 56].
هذا وما ضعفت جيوش عزماته ولا استكانت ولا وهنت بل لم تزل الجيوش بها مؤيدة ومنصورة وما فرحت عزائم أعدائه بالظفر في موطن من المواطن بل لم تزل مغلوبة مكسورة تلك لعمر الله الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم والهمة التي تصاغرت عندها عليات الهمم ويحق لصديق الأمة أن يضرب من هذا المغنم بأوفر نصيب وكيف لا وقد فاز من ميراث النبوة بكمال التعصب) (2).

(1) ((الفروسية)) لابن القيم (ص 502).
(2) ((الفروسية)) لابن القيم (ص 502).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، فعن عروة بن الزبير، قال: سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ الآية [غافر: 28])) (1).
- وعن أبى هريرة قال ((لما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله. فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.)) (2).
- وعن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال: (خطبنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: أيها الناس، أخبروني بأشجع الناس، قالوا: لو قلنا أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر الصديق، إنا لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا: من يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه، وهذا أشجع الناس قال علي: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته قريش فهذا يجؤه، وهذا يتلتله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا، قال: فوالله ما دنا منه إليه أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى أخضل لحيته، ثم قال علي: أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ قال: فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني؟ والله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) (3).
شجاعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
- عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (4).
- وعن ابن عمر قال: (لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أنشأ للحديث؟ فقالوا: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا معه أتبع أثره، أعقل ما أرى وأسمع، فأتاه فقال: يا جميل، إني قد أسلمت، قال: فوالله ما رد عليه كلمة حتى قام عامدا إلى المسجد، فنادى أندية قريش، فقال: يا معشر قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ، فقال عمر: كذب ولكني أسلمت وآمنت بالله، وصدقت رسوله، فثاوروه، فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رؤوسهم، حتى فتر عمر وجلس، فقاموا على رأسه، فقال عمر: افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاث مائة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم، فبينما هم كذلك قيام عليه، إذ جاء رجل عليه حلة حرير وقميص قومسي، فقال: ما بالكم؟ فقالوا: إن ابن الخطاب قد صبأ، قال: ذكر وصف إسلام عمر رضوان الله عليه وقد فعل) (5).

(1) رواه البخاري (3856).
(2) رواه البخاري (1399)، ومسلم (20).
(3) رواه البزار (3/ 14)، وأبو نعيم في ((فضائل الخلفاء)) (181).
(4) رواه البخاري (3863).
(5) رواه ابن حبان (15/ 302) (6879).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، وعن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب قال وكان أحبهما إليه عمر)) (1).
- وعن محمد بن إسحاق قال: (فلما قدم عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وردهم النجاشي بما يكرهون، أسلم عمر بن الخطاب، وكان رجلا ذا شكيمة، لا يرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة بن عبد المطلب، حتى غزا قريشا، فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر بن الخطاب، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه، وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة) (2).
شجاعة علي رضي الله عنه:
- عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه (( ... قال: فلما قدمنا خيبر قال خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب ... أقبلت تلهب
قال: وبرز له عمي عامر فقال:
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
قال فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه.
قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه قال فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي فقلت يا رسول الله بطل عمل عامر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قال ذلك. قال قلت ناس من أصحابك. قال كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين. ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله. قال فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبسق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب ... أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع ... كيل السندره
قال فضرب رأس مرحب فقتله ثم كان الفتح على يديه.)) (3).
شجاعة الزبير رضي الله عنه:
- عن عمرو بن دينار قال كان يقال: (أشجع الناس الزبير وأبسلهم علي رضي الله عنهما والباسل فوق الشجاع) (4).
- وعن هشام بن عروة، عن أبيه، (أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للزبير يوم اليرموك ألا تشد فنشد معك فقال إني إن شددت كذبتم فقالوا لا نفعل فحمل عليهم حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحد ثم رجع مقبلا فأخذوا بلجامه فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر قال عروة كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير قال عروة، وكان معه عبد الله بن الزبير يومئذ وهو ابن عشر سنين فحمله على فرس وكل به رجلا) (5).

(1) رواه الترمذي (3681)، وأحمد (2/ 95) (5696). قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وصححه ابن حبان كما في ((المقاصد الحسنة)) (113)، وصحح إسناده أحمد شاكر في ((تخريج المسند)) (8/ 60).
(2) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (1/ 278).
(3) رواه مسلم (1807).
(4) ((مكارم الأخلاق)) لابن أبي الدنيا (ص 57).
(5) رواه البخاري (3975).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، وعن عبد الله بن الزبير قال: ((كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين، أو ثلاثا فلما رجعت قلت يا أبت رأيتك تختلف قال أو هل رأيتني يا بني قلت نعم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال فداك أبي وأمي)) (1).
شجاعة خالد بن الوليد رضي الله عنه:
قال خالد بن الوليد: (لقد رأيتني يوم مؤتة تقطعت في يدي تسعة أسياف وصيرت في يدي صفيحة لي يمانية) (2).
ولما احتضر قال: (لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس بترسي والسماء تهلبني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار ثم قال إذا أنا مت فانظروا سلاحي وفرسي فاجعلوها عدة في سبيل الله عز وجل) (3).
شجاعة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
عن عامر بن سعد عن أبيه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع له أبويه قال كان رجل من المشركين قد خرق المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد ارم فداك أبي وأمي قال فنزعت بسهم لي فيه نصل فأصبت جنبه فوقع وانكشفت عوراته فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه)) (4).
نماذج أخرى من شجاعة الصحابة رضي الله عنهم:
- فعن إياس بن سلمة قال: حدثني أبى قال: ((قدمنا الحديبية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها - قال - فقعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جبا الركية فإما دعا وإما بسق فيها - قال - فجاشت فسقينا واستقينا. قال ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس قال بايع يا سلمة. قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس قال وأيضا. قال ورآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عزلا - يعني ليس معه سلاح - قال فأعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجفة أو درقة ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ألا تبايعني يا سلمة.
قال قلت قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس قال وأيضا. قال فبايعته الثالثة ثم قال لي يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك. قال قلت يا رسول الله لقيني عمي عامر عزلا فأعطيته إياها - قال - فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال إنك كالذي قال الأول اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي. ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا. قال وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وآكل من طعامه وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- قال فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها - قال - فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم واضطجعوا فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل ابن زنيم. قال فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا في يدي قال ثم قلت والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه.

(1) رواه البخاري (3720).
(2) ((مكارم الأخلاق)) لابن أبي الدنيا (ص 61).
(3) ((مكارم الأخلاق)) لابن أبي الدنيا (ص 62).
(4) ((مكارم الأخلاق)) لابن أبي الدنيا (ص 63).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،قال ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - قال - وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز. يقوده إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فرس مجفف في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح:24] كلها. قال ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون فاستغفر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن رقى هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه - قال سلمة - فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا ثم قدمنا المدينة فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بظهره مع رباح غلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا معه وخرجت معه بفرس طلحة أنديه مع الظهر فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستاقه أجمع وقتل راعيه قال فقلت يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله وأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن المشركين قد أغاروا على سرحه - قال - ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة فناديت ثلاثا يا صباحاه. ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع فألحق رجلا منهم فأصك سهما في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه - قال - قلت خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة - قال - فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا خلفته وراء ظهري وخلوا بيني وبينه ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يستخفون ولا يطرحون شيئا إلا جعلت عليه آراما من الحجارة يعرفها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حتى أتوا متضايقا من ثنية فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون - يعني يتغدون - وجلست على رأس قرن قال الفزاري ما هذا الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال فليقم إليه نفر منكم أربعة. قال فصعد إلي منهم أربعة في الجبل - قال - فلما أمكنوني من الكلام - قال - قلت هل تعرفوني قالوا لا ومن أنت قال قلت أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد -صلى الله عليه وسلم- لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته ولا يطلبني رجل منكم. فيدركني قال أحدهم أنا أظن. قال فرجعوا فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخللون الشجر - قال - فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي - قال - فأخذت بعنان الأخرم - قال - فولوا مدبرين قلت يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. قال يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة.قال فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن - قال - فعقر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه ولحق أبو قتادة فارس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعبد الرحمن فطعنه فقتله فوالذي كرم وجه محمد -صلى الله عليه وسلم- لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ولا غبارهم شيئا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش - قال - فنظروا إلي أعدو وراءهم فحليتهم عنه - يعني أجليتهم عنه - فما ذاقوا منه قطرة - قال - ويخرجون فيشتدون في ثنية - قال - فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكه بسهم في نغض كتفه. قال قلت خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال يا ثكلته أمه أكوعه بكرة قال قلت نعم يا عدو نفسه أكوعك بكرة - قال - وأردوا فرسين على ثنية قال فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - قال - ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء فتوضأت وشربت ثم أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على الماء الذي حلأتهم عنه فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم وإذا هو يشوي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كبدها وسنامها - قال - قلت يا رسول الله خلني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته - قال - فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه في ضوء النار فقال يا سلمة أتراك كنت فاعلا. قلت نعم والذي أكرمك. فقال إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان. قال فجاء رجل من غطفان فقال نحر لهم فلان جزورا فلما كشفوا جلدها رأوا غبارا فقالوا أتاكم القوم فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة. قال ثم أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سهمين سهم الفارس وسهم الراجل فجمعهما لي جميعا ثم أردفني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة - قال - فبينما نحن نسير قال وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا - قال - فجعل يقول ألا مسابق إلى المدينة هل من مسابق فجعل يعيد ذلك - قال - فلما سمعت كلامه قلت أما تكرم كريما ولا تهاب شريفا قال لا إلا أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال قلت يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل قال إن شئت. قال قلت أذهب إليك وثنيت رجلي فطفرت فعدوت - قال - فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي ثم عدوت في إثره فربطت عليه شرفا أو شرفين ثم إني رفعت حتى ألحقه - قال - فأصكه بين كتفيه - قال - قلت قد سبقت والله قال أنا أظن. قال فسبقته إلى المدينة قال فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا. قال أنا عامر. قال غفر لك ربك. قال وما استغفر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإنسان يخصه إلا استشهد. قال فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر ... )) (1).
وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: ((قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أرأيت إن قتلت فأين أنا قال في الجنة فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل)) (2).
- وعن أنس، رضي الله عنه، قال ((غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا نرى، أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إلى آخر الآية)) (3).
- وعنه أيضاً قال: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ سيفا يوم أحد فقال من يأخذ مني هذا. فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول أنا أنا. قال فمن يأخذه بحقه. قال فأحجم القوم فقال سماك بن خرشة أبو دجانة أنا آخذه بحقه. قال فأخذه ففلق به هام المشركين)) (4).

(1) رواه مسلم (1807).
(2) رواه البخاري (4046).
(3) رواه البخاري (2805).
(4) رواه مسلم (2470).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،نماذج من شجاعة العلماء المتقدمين:
شجاعة سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله في إنكار المنكر:
(شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام سلطان العلماء إمام عصره بلا مدافعة القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها العارف بمقاصدها لم ير مثل نفسه ولا رأى من رآه مثله علما وورعا وقياما في الحق وشجاعة وقوة جنان وسلاطة لسان) (1).
يذكر الباجي موقفا من مواقف سلطان العلماء فيقول: (طلع شيخنا عز الدين مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة فشاهد العساكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه يا أيوب ما حجتك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور فقال هل جرى هذا فقال نعم الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون فقال يا سيدي هذا أنا ما عملته هذا من زمان أبي فقال أنت من الذين يقولون إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: 22]، فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة.
يقول الباجي: سألت الشيخ لما جاء من عند السلطان وقد شاع هذا الخبر: يا سيدي كيف الحال؟ فقال يا بني رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه لئلا تكبر نفسه فتؤذيه فقلت يا سيدي أما خفته فقال والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامي كالقط) (2).
شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
يقول البزار: (كان - رحمه الله - من أشجع الناس وأقواهم قلبا ما رأيت أحدا أثبت جأشا منه ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده ولا يخاف في الله لومة لائم، وأخبر غير واحد أن الشيخ – رحمه الله - كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم إن رأى من بعضهم هلعا أو رقة أو جبانة شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة وبين له فضل الجهاد والمجاهدين وإنزال الله عليهم السكينة.
وكان إذا ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان ويقوم كأثبت الفرسان ويكبر تكبيرا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت
وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها.
قالوا ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره ولما ظهر السلطان غازان على دمشق المحروسة جاءه ملك الكرج وبذل له أموالا كثيرة جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق ووصل الخبر إلى الشيخ فقام من فوره وشجع المسلمين ورغبهم في الشهادة ووعدهم على قيامهم بالنصر والظفر والأمن وزوال الخوف
فانتدب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي الأحلام منهم فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غازان فلما رآهم السلطان قال من هؤلاء فقيل هم رؤساء دمشق فأذن لهم فحضروا بين يديه، فتقدم الشيخ – رحمه الله- أولا فلما أن رآه أوقع الله له في قلبه هيبة عظيمة حتى أدناه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه أولا في عكس رأيه عن تسليط المخزول ملك الكرج على المسلمين وضمن له أموالا وأخبره بحرمة دماء المسلمين وذكره ووعظه فأجابه إلى ذلك طائعا وحقنت بسببه دماء المسلمين وحميت ذراريهم وصين حريمهم.) (3).

(1) ((طبقات الشافعية)) للسبكي (8/ 209).
(2) ((طبقات الشافعية)) للسبكي (8/ 211).
(3) ((الأعلام العلية)) للبزار. بتصرف (ص 67).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،ويقول البزار أيضاً: (وحدثني من أثق به عن الشيخ وجيه الدين ابن المنجا قدس الله روحه قال: كنت حاضرا مع الشيخ حينئذ فجعل يعني الشيخ يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره ويرفع صوته على السلطان في أثناء حديثه حتى جثا على ركبتيه وجعل يقرب منه في أثناء حديثه حتى لقد قرب أن تلاصق ركبته ركبة السلطان والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه وإن السلطان من شدة ما أوقع الله ما في قلبه من المحبة والهيبة سأل من يخصه من أهل حضرته من هذا الشيخ وقال ما معناه إني لم أر مثله ولا أثبت قلبا منه ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقيادا مني لأحد منه فأخبر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل فقال الشيخ للترجمان قل لغازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاضي وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت وسأله إن أحببت أن أعمر لك بلد آبائك حران وتنتقل إليه ويكون برسمك فقال لا والله لا أرغب عن مهاجر إبراهيم صلى الله عليه وسلم وأستبدل به غيره، فخرج من بين يديه مكرما معززا قد صنع له الله بما طوى عليه نيته الصالحة من بذله نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه ما أراده.
وكان ذلك أيضا سببا لتخليص غالب أسارى المسلمين من أيديهم وردهم على أهلهم وحفظ حريمهم. وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوة الجأش) (1).

(1) ((الأعلام العلية)) للبزار (ص 67).،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،ما يترتب على الشجاعة
- أن يستعان بالشجاعة في الجهاد في سبيل الله:
فيجب استعمال الشجاعة فيما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى من مقارعة الأعداء والإقدام في ساحات الوغى في الجهاد في سبيل الله.
قال ابن تيمية: (ومما ينبغي أن يعلم أن الشجاعة إنما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد في سبيل الله كانت إما وبالا عليه إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان وإما غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله تعالى فشجاعة علي والزبير وخالد وأبي دجانة والبراء بن مالك وأبي طلحة وغيرهم من شجعان الصحابة إنما صارت من فضائلهم لاستعانتهم بها على الجهاد في سبيل الله فإنهم بذلك استحقوا ما حمد الله به المجاهدين وإذا كان كذلك فمعلوم أن الجهاد منه ما يكون بالقتال باليد ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة قال الله تعالى وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:51 - 52]. فأمره الله سبحانه وتعالى أن يجاهد الكفار بالقرآن جهادا كبيرا وهذه السورة مكية نزلت بمكة قبل أن يهاجر النبي وقبل أن يؤمر بالقتال ولم يؤذن له وإنما كان هذا الجهاد بالعلم والقلب والبيان والدعوة لا بالقتال وأما القتال فيحتاج إلى التدبير والرأي ويحتاج إلى شجاعة القلب وإلى القتال باليد وهو إلى الرأي والشجاعة في القلب في الرأس المطاع أحوج منه إلى قوة البدن) (1).
- أن تكون الشجاعة في موضعها:
فيُقدِم الشجاع في موضع الإقدام، ويثبت في موضع الثبات، ويحجم في موضع الإحجام.
قال ابن القيم: (ولما كانت الشجاعة خلقا كريما من أخلاق النفس ترتب عليها أربعة أمور وهي مظهرها وثمرتها الإقدام في موضع الإقدام والإحجام في موضع الإحجام والثبات في موضع الثبات والزوال في موضع الزوال. وضد ذلك مخل بالشجاعة وهو إما جبن وإما تهور وإما خفة وطيش).
- أن يقترن مع الشجاعة الرأي الصحيح:
قال ابن القيم: (وإذا اجتمع في الرجل الرأي والشجاعة فهو الذي يصلح لتدبير الجيوش وسياسة أمر الحرب. والناس ثلاثة رجل ونصف رجل ولا شيء
فالرجل من اجتمع له أصالة الرأي والشجاعة فهذا الرجل الكامل كما قال أحمد بن الحسين المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان
ونصف الرجل وهو من انفرد بأحد الوصفين دون الآخر والذي هو لا شيء من عري من الوصفين جميعا) (2). وقال أيضاً: (وصحة الرأي لقاح الشجاعة فإذا اجتمعا كان النصر والظفر وإن قعدا فالخذلان والخيبة وإن وجد الرأي بلا شجاعة فالجبن والعجز وإن حصلت الشجاعة بلا رأي فالتهور والعطب والصبر لقاح البصيرة فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما قال الحسن إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت صابرا بصيرا فذاك) (3).

(1) ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (8/ 63).
(2) ((الفروسية)) لابن القيم (505).
(3) ((الفوائد)) لابن القيم (ص 200).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،من أوصاف الشجاع
(يقال فلان شجاع، بطل، باسل، شديد، بئيس، مقدام، حمس، جريء، فاتك، صارم، ثبيت، نجيد، ذمر، بهمة، صمة. وهو ثبت الجنان (1)، واقر (2) الجنان، ثبت الغدر (3)، جميع الفؤاد (4)، جريء الصدر، جريء المقدم (5)، رابط الجأش، وربيط الجأش (6)، قوي الجأش، صدق اللقاء (7) صلب المعجم (8)، صلب المكسر (9)، صليب النبع (10)، صليب العود، صادق البأس، مشيع (11) القلب. وهو من ذوي الشجاعة، والبسالة، والشدة، والبأس، والإقدام، والحماسة، والجرأة، والصرامة، والنجدة. وأقدم على ذلك بثبات جنانه، وصرامة بأسه، ورباطة جأشه، وقد ربط لذلك الأمر جأشا. وإنه لذو مصدق (12) في اللقاء، وإنه لصادق الحملة، وإنه لصدق (13) المعاجم. وهو رجل مغوار (14)، فتاك، محرب (15)، مصدام (16)، مسعر حرب، ومحش حرب (17)، ومردي حرب (18). وهو ابن كريهة (19)، وخواض غمرات (20)، وهو فارس بهمة (21)، وكبش كتيبة اسم للحرب (22)، وليث عرينة (23)، وهو أسد خادر (24)، وهو أشجع من أسامة (25)، ومن ليث عفرين (26)، وليث خفان، ومن أسود بئشة، وأسود الشرى، ومن ليث غيل (27)، وليث غابة، وليث خفية، وأجرأ من ذي لبدة (28) وهو الأسد، وأجرأ من السيل، ومن الليل، وأجرأ من فارس خصاف (29). وتقول في درع فلان أسد، ورأيت منه رجلا قد جمع ثيابه على أسد. ويقال للرجل الشجاع هو حبيل براح أي كأنه لثباته قد شد بالحبال، وهو أيضا اسم للأسد. ويقال فلان حية ذكر أي شجاع شديد، وهو حية الوادي إذا كان شجاعا مانعا لحوزته. وإنه لذو مساع ومداع وهي المناقب في الحرب خاصة. وبنو فلان أسود الوقائع، وأحلاس الخيل (30)، وحاطة الحريم (31)، ومانعو الحريم، وحماة الحقائق (32)، وسقاة الحتوف (33)، وأباة الذل) (34).

(1) ثابت القلب
(2) يقال جنان واقر أي لا يستخفه الفزع
(3) أي ثابت الموقف
(4) أي غير متفرق العزم
(5) مصدر بمعنى الإقدام
(6) الجأش رواع القلب عند الفزع ويراد به القلب نفسه
(7) أي ثبت اللقاء
(8) من عجم العود إذا تناوله بأسنانه ليختبر صلابته من لينه
(9) موضع الكسر من العود ونحوه
(10) الصليب الصلب. والنبع ضرب من الشجر
(11) جريء
(12) ثبات وإقدام
(13) أي صلب
(14) كثير الغارات
(15) شديد الحرب
(16) بمعنى محرب
(17) كلاهما الذي يهيج الحرب ويوقدها واصل المسعر والمحش ما تحرك به النار
(18) المردى الحجر يرمى به وفلان مردى حرب ومردى حروب أي يرمي الحروب بنفسه.
(19) اسم للحرب
(20) شدائد
(21) البهمة هنا بمعنى الجيش
(22) قائد جيش
(23) الليث الأسد. والعرينة مأواه
(24) مقيم في الخدر وهو الأجمة
(25) علم جنسي للأسد
(26) موضع يوصف بكثرة الأسود. ومثله خفان وبئشة والشرى
(27) بمعنى غابة وكذلك الخفية
(28) الشعر المتراكب على كتفي الأسد
(29) هو مالك بن عمرو الغساني يضرب به المثل في الجرأة وخصاف اسم فرسه
(30) أي ملازمون لظهورها. والأحلاس جمع حلس بالكسر وهو كساء رقيق يجعل تحت السرج
(31) حاطة أي حفظة. والحريم كل ما تحميه وتقاتل عنه.
(32) كل ما تحق حمايته.
(33) جمع حتف وهو الموت.
(34) ((نجعة الرائد)) لليازجي (1/ 82 - 84).
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،الشجاعة في واحة الشعر ..
قالوا: أشجع بيت قاله العرب قول العباس بن مرداس السلمي:
أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
وقد مدح الشعراء الشجاعة وأهلها، وأوسعوا في ذلك، فمن ذلك قول المتنبي:
شجاعٌ كأن الحرب عاشقةٌ له ... إذا زارها فدته بالخيل والرجل
وقال أيضا:
وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضاً بلا رجل
ما زال طرفك يجري في دمائهم ... حتى مشى بك مشى الشارب الثمل
وقال العماد الأصفهاني:
قوم إذا لبسوا الحديد إلى الوغى ... لبس الحداد عدوهم في المهرب
المصدرون الدهم عن ورد الوغى ... شقراً تجلل بالعجاج الأشهب
وقال أبو الفرج الببغاء:
واليوم من غسق العجاجة ليلةٌ ... والكر يخرق سجفها الممدودا
وعلى الصفاح من الكفاح وصدقه ... ردعٌ أحال بياضها توريدا
والطعن يغصب الجياد شياتها ... والضرب يقدح في التليل وقودا
وعلى النفوس من الحمام طلائعٌ ... والخوف ينشد صبرها المفقودا
وأجل ما عند الفوارس حثها ... في طاعة الهرب الجياد القودا
حتى إذا ما فارق الرأي الهوى ... وغدا اليقين على الظنون شهيدا
لم يغن غير أبي شجاعٍ والعلا ... عنه تناجي النصر والتأييدا
وقال آخر
من كل متسع الأخلاق مبتسم ... للخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل
يسعى به البرق إلا أنه فرسٌ ... في صورة الموت إلا أنه رجل
يلقى الرماح بصدرٍ منه ليس له ... ظهرٌ وهادي جوادٍ ما له كفل
وقال البحتري:
معشر أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت لولاهم أن تميدا
فإذا الجدب جاء كانوا غيوثا ... وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
وكأن الإله قال لهم في ال ... حرب كونوا حجارةً أو حديدا
وقال مسلم:
لو أن قوما يخلقون منيةً ... من بأسهم كانوا بني جبريلا
قوم إذا حمي الوطيس لديهم ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا
وقال آخر:
عقبان روع والسروج وكورها ... وليوث حربٍ والقنا آجام
وبدور تم والشوائك في الوغى ... هالاتها والسابري غمام
جادوا بممنوع التلاد وجودوا ... ضربا تخد به الطلا والهام
وتجاورت أسيافهم وجيادهم ... فالأرض تمطر والسماء تغام
وقال آخر:
قوم شراب سيوفهم ورماحهم ... في كل معتركٍ دم الأشراف
رجعت إليهم خيلهم بمعاشرٍ ... كل لكل جسيم أمرٍ كاف
يتحننون إلى لقاء عدوهم ... كتحنن الألاف للألاف
ويباشرون ظبا السيوف بأنفسٍ ... أمضى وأقطع من ظبا الأسياف
وقال ابن حيوس:
إن ترد خبر حالهم عن قريبٍ ... فأتهم يوم نائلٍ أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار ال ... نقع خضر الأكناف حمر النصال (1).
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري في يزيد بن مزيد:
تلقى المنية في أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلموداً بجلمود
بجود بالنفس إذ ظن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود (2). ...

(1) ((نهاية الأرب في فنون الأدب)) للنويري (3/ 211).
(2) ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (1/ 108 - 109).