الاثنين، 23 أبريل 2012

موسوعة السيرة النبوية : قصة زينب بنت الرسول وزوجها أبي العاص


قصة زينب بنت الرسول وزوجها أبي العاص

 


خروج زينب إلى المدينة وما أصابها عند خروجها
 تأهبها و إرسال الرسول رجلين ليصحباها
قال ‏‏:‏‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه ، أو وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، أن يخلي سبيل زينب إليه ، أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه ، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم ما هو ، إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخُلِّي سبيله ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه ، فقال ‏‏:‏‏ كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب ، فتصحباها حتى تأتياني بها ‏‏.‏‏
فخرجا مكانهما ، وذلك بعد بدر بشهر أو شَيْعِه ، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها ، فخرجت تجهز ‏‏.‏‏
 هند تحاول تعرف أمر زينب
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فحدثني عبدالله بن أبي بكر ، قال ‏‏:‏‏ حُدثت عن زينب أنها قالت ‏‏:‏‏ بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت ‏‏:‏‏ يا بنت محمد ، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ ما أردت ذلك ؛ فقالت ‏‏:‏‏ أي ابنة عمي ، لا تفعلي ، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك ، أو بمال تتبلَّغين به إلى أبيك ، فإن عندي حاجتك ، فلا تضطني مني ، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال ‏‏.‏‏
قالت ‏‏:‏‏ والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ، قالت ‏‏:‏‏ ولكني خفتها ، فأنكرت أن أكون أريد ذلك ، وتجهزت ‏‏.‏‏
 كنانة يرجع بزينب حتى تهدأ الأصوات ضدها
فلما فرغت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهازها قدَّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا ، فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهارا يقود بها ، وهي في هودج لها ‏‏.‏‏
وتحدث بذلك رجال من قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذى طُوى ، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبدالعزى ، والفهري ؛ فروّعها هبار بالرمح وهي في هودجها ، وكانت المرأة حاملا - فيما يزعمون - فلما ريعت طرحت ذا بطنها ، وبرك حموها كنانة ، ونثر كنانته ، ثم قال ‏‏:‏‏ والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما ، فتكركر الناس عنه ‏‏.‏‏
وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال ‏‏:‏‏ أيها الرجل ، كف عنا نبلك حتى نكلمك ، فكف ؛ فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه ، فقال ‏‏:‏‏ إنك لم تصب ، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا ، أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت ، وأن ذلك منا ضعف ووهن ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا في ذلك من ثُوْرة ، ولكن ارجع بالمرأة ، حتى إذا هدأت الأصوات ، وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسُلَّها سرا ، وألحقها بأبيها ؛ قال ‏‏:‏‏ ففعل ‏‏.‏‏
فأقامت ليالي ، حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏
 شعر لأبي خيثمة في شأن زينب
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ فقال عبدالله بن رواحة ، أو أبو خيثمة ، أخو بني سالم بن عوف ، في الذي كان من أمر زينب - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ هي لأبي خيثمة - ‏‏:‏‏
أتاني الذي لا يُقدر الناس قدره * لزينب فيهم من عقوق ومأثم
وإخراجها لم يخُز فيها محمد * على مأقط وبيننا عطر منشم
وأمسى أبوسفيان من حلف ضمضم *ومن حربنا في رغم أنف ومندم
قرنَّا ابنه عمرا ومولى يمينه * بذي حَلَق جلد الصلاصل محُكم ‏
فأقسمت لا تنفك منا كتائب * سراة خميس في لهُام مُسوَّمِ
نزوع قريش الكفر حتى نعلَّها * بخاطمة فوق الأنوف بميسم
ننزّلهم أكناف نجد ونخلة * وإن يُتهموا بالخيل والرجل نتهم
يد الدهر حتى لا يعوَّج سِرْبُنا * و نلحقهم آثار عاد وجرهم
ويندم قوم لم يطيعوا محمدا * على أمرهم وأي حين تندُّم
فأبلغ أبا سفيان إما لقيته * لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم
فأبشر بخزي في الحياة معجَّل * وسربال قار خالدا في جهنم
قال ابن هشام ‏‏:‏‏ ويروى ‏‏:‏‏ وسربال نار ‏‏.‏‏
الخلاف بين ابن إسحاق و ابن هشام في مولى يمين أبي سفيان
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ ومولى يمين أبي سفيان ، الذي يعني ‏‏:‏‏ عامر بن الحضرمي ‏‏:‏‏ كان في الأسارى ، وكان حِلْف الحضرمي إلى حرب بن أمية ‏‏.‏‏
قال ابن هشام ‏‏:‏‏ مولى يمين أبي سفيان ، الذي يعني ‏‏:‏‏ عقبة بن عبدالحارث بن الحضرمي ، فأما عامر بن الحضرمي فقتل يوم بدر ‏‏.‏‏
 شعر هند وكنانة في هجرة زينب
ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة ، فقالت لهم ‏‏:‏‏
أفي السلم أعيار جفاء وغلظة * وفي الحرب أشباه النساء العواركِ
وقال كنانة بن الربيع في أمر زينب ، حين دفعها إلى الرجلين ‏‏:‏‏
عجبت لهبار وأوباش قومه * يريدون إخفاري ببنت محمد
ولست أبالي ما حييت عديدهم * وما استجمعت قبضا يدي بالمهند
 الرسول يستبيح دم هبار الذي روع ابنته زينب
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بكير بن عبدالله بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي إسحاق الدوسي ، عن أبي هريرة ، قال ‏‏:‏‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها ، فقال لنا ‏‏:‏‏ إن ظفرتم بهبار بن الأسود ، أو الرجل الآخر الذي سبق معه إلى زينب - قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وقد سمى ابن إسحاق الرجل في حديثه ، وقال ‏‏:‏‏ هو نافع بن عبد قيس - فحرقوهما بالنار ‏‏.‏‏
قال ‏‏:‏‏ فلما كان الغد بعث إلينا ، فقال ‏‏:‏‏ إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا الله ، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما ‏‏.‏‏
 إسلام أبي العاص بن الربيع
المسلمون يستولون على مال لأبي العاص ، وقدومه لاسترداده ، و إجارة زينب له
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وأقام أبو العاص بمكة ، وأقامت زينب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، حين فرق بينهما الإسلام ، حتى إذا كان قبيل الفتح ، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام ، وكان رجلا مأمونا ، بمال له وأموال لرجال من قريش ، أبضعوها معه ، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا ، لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأصابوا ما معه ، وأعجزهم هاربا ، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله ، أقبل أبوالعاص تحت‏ الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستجار بها ، فأجارته ، وجاء في طلب ماله ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح - كما حدثني يزيد بن رومان - فكبر وكبر الناس معه ، صرخت زينب من صُفَّة النساء ‏‏:‏‏ أيها الناس ، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع
قال ‏‏:‏‏ فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس ، فقال ‏‏:‏‏ أيها الناس ، هل سمعتم ما سمعت ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم ، إنه يجير على المسلمين أدناهم
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل على ابنته ، فقال ‏‏:‏‏ أي بُنيَّة ، أكرمي مثواه ، ولا يخلصن إليك ، فإنك لا تحلين له
 المسلمون يردون على أبي العاص ماله ، وإسلامه بعد ذلك
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني عبدالله بن أبي بكر ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص ، فقال لهم ‏‏:‏‏ إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، و قد أصبتم له مالا ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له ، فإنا نحب ذلك ، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم ، فأنتم أحق به ؛ فقالوا ‏‏:‏‏ يا رسول الله ، بل نرده عليه ، فردوه عليه ، حتى إن الرجل ليأتي بالدلو ، ويأتي الرجل بالشَّنَّة وبالإداوة ، حتى إن أحدهم ليأتي بالشِّظاظ ، حتى ردوا عليه ماله بأسره ، لا يفقد منه شيئا
ثم احتمله إلى مكة ، فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ، ومن كان أبضع معه ، ثم قال ‏‏:‏‏ يا معشر قريش ، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه ؛ قالوا ‏‏:‏‏ لا ، فجزاك الله خيرا ، فقد وجدناك وفيا كريما ، قال ‏‏:‏‏ فأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت ، ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏.‏‏
 الرسول يرد زينب إلى أبي العاص
قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال ‏‏:‏‏ رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول لم يحُدث شيئا بعد ست سنين ‏‏.‏‏
 مثل من أمانة أبي العاص زوج زينب ابنة الرسول صلى الله عليه و سلم
قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحدثني أبو عبيدة ‏‏:‏‏ أن أبا العاص بن الربيع لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين ، قيل له ‏‏:‏‏ هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال ، فإنها أموال المشركين ‏‏؟‏‏ فقال أبو العاص ‏‏:‏‏ بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي ‏‏.‏‏
قال ابن هشام ‏‏:‏‏ وحدثني عبدالوارث بن سعيد التنوري ، عن داود ‏بن أبي هند ، عن عامر الشعبي ، بنحو من حديث أبي عبيدة ، عن أبي العاص ‏‏.


قال ابن إسحاق : وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس ، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوج ابنته زينب .
قال ابن هشام : أسره خراش بن الصمة ، أحد بني حرام .
سبب زواج أبي العاص من زينب
قال ابن إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين : مالا ، وأمانة ، وتجارة ، وكان لهالة بنت خويلد ، وكانت خديحة خالته . فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالفها ، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي ، فزوجه ، وكانت تعده بمنزلة ولدها .
فلما أكرم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبوته آمنت به خديجة وبناته ، فصدقنه ، وشهدن أن ما جاء به الحق ، و دِنَّ بدينه ، وثبت أبو العاص على شركه .
قريش تشغل الرسول عليه الصلاة والسلام بطلاق بناته من أزواجهن
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوّج عتبة بن أبي لهب رقية ، أو أم كلثوم . فلما بادى قريشا بأمر الله تعالى وبالعداوة ، قالوا : إنكم قد فرَّغتم محمدا من همه ، فردوا عليه بناته ، فاشغلوه بهن .
فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له : فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت ؛ قال : لا والله ، إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره خيرا ، فيما بلغني . ثم مشوا إلى عتبة بن أبي لهب ، فقالوا له : طلق بنت محمد ونحن نُنكحك أي امرأة من قريش شئت ؛ فقال : إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص ، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها .
فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها ، ولم يكن دخل بها ، فأخرجها الله من يده كرامة لها ، وهوانا له ، وخلف عليها عثمان بن عفان بعده .
تحريم زينب على أبي العاص بن الربيع
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحُل بمكة ولا يحرم ، مغلوبا على أمره ؛ وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر أن يفرق بينهما ، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صارت قريش إلى بدر ، سار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الأسارى يوم بدر ، فكان بالمدينة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .
رد المسلمين فدية زينب لأبي العاص
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عباد ، عن عائشة قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أُسَرَائهم ، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها ؛ قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال : إن رأيتم أن تُطْلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها مالها ، فافعلوا ؛ فقالوا : نعم يارسول الله . فأطلقوه ، وردوا عليها الذي لها