الجمعة، 2 مارس 2012

موسوعة الفقه - باب الصيام : الإعتكاف


الإعكتاف

1- معناه:
الاعتكاف لزوم الشئ وحبس النفس عليه، خيرا كان أم شرا.
قال الله تعالى: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} أي مقيمون متعبدون لها.
والمقصود به هنا لزوم المسجد والإقامة فيه بنية التقرب إلى الله عزوجل.

.2- مشروعيته:
وقد أجمع العلماء على أنه مشروع، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه، وقد اعتكف أصحابه وأزواجه معه وبعده، وهو إن كان قربة، إلا أنه لم يرد في فضله حديث صحيح.
قال أبوداود: قلت لأحمد رحمه الله: تعرف في فضل الاعتكاف شيئا؟ قال: لا، إلا شيئا ضعيفا.

.3- أقسامه:
الاعتكاف ينقسم إلى مسنون وإلى واجب.

.فالمسنون:
ما تطوع به المسلم تقربا إلى الله، وطلبا لثوابه، واقتداء بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويتأكد ذلك في العشر الاواخر من رمضان لما تقدم.

.والاعتكاف الواجب:
ما أوجبه المرء على نفسه، إما بالنذر المطلق، مثل أن يقول: لله علي أن أعتكف كذا، أو بالنذر المعلق كقوله: إن شفا الله مريضي لأعتكفن كذا.
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» وفيه: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: «أوف بنذرك».

.4- زمانه:
الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذره وسماه الناذر، فإن نذر الاعتكاف يوما أو أكثر وجب الوفاء بما نذره.
والاعتكاف المستحب ليس له وقت محدد، فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر.
ويثاب ما بقي في المسجد، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف، فعن يعلى بن أمية قال: إني لامكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لاعتكف.
وقال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف. وإلا فلا.
وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء، قبل قضاء المدة التي نواها.
فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه.
وأنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الاواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب.
قالت عائشة: فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب، وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائه فضرب فلما صلى الفجر نظر إلى الابنية، فقال: ما هذه؟ «آلبر تردن» قالت: فأمر ببنائه فقوض، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الأول يعني من شوال فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته منهن دليل على قطعه بعد الشروع فيه.
وفي الحديث أن للرجل أن يمنع زوجته من الاعتكاف بغير إذنه، وإليه ذهب عامة العلماء، واختلفوا فيما لو أذن لها، هل له منعها بعد ذلك؟ فعند الشافعي وأحمد وداود: له منعها وإخراجها من اعتكاف التطوع.

.5- شروطه:
ويشترط في المعتكف أن يكون مسلما، مميزا طاهرا من الجنابة والحيض والنفاس، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ولاجنب ولاحائض ولا نفساء.

.6- أركانه:
حقيقة الاعتكاف المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى، فلو لم يقع المكث في المسجد أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف.
أما وجوب النية فلقول الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وأما أن المسجد لا بد منه فلقول الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ووجه الاستدلال، أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف، فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد.

.7- رأي الفقهاء في المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف:
اختلف الفقهاء في المسجد يصح الاعتكاف فيه فذهب أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه يصح في كل مسجد يصلى فيها الصلوات الخمس وتقام فيه الجماعة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح» رواه الدارقطني.
وهذا حديث مرسل ضعيف لا يحتج به.
وذهب مالك والشافعي وداود، إلى أنه يصح في كل مسجد لأنه لم يصح في تخصيص بعض المساجد شيء صريح.
وقالت الشافعية الافضل أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد الجامع، ولان الجماعة في في صلواته اكتر، ولا يعتكف في غيره إذا تخلل وقت الاعتكاف صلاة جمعة حتى لا تفوته.
وللمعتكف أن يؤذن في المئذنة إن كان بابها في المسجد أو في صحنه.
ويصعد على ظهر المسجد لأن كل ذلك من المسجد، فإن كان باب المئدنة خارج المسجد بطل اعتكافه إن تعمد ذلك، ورحبة المسجد منه عند الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد.
وعن مالك ورواية عن أحمد، أنها ليست منه، فليس للمعتكف أن يخرج إليها.
وجمهور العلماء على أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها، لأن مسجد البيت لا يطلق عليه اسم مسجد، ولا خلاف في جواز بيعه، وقد صح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في المسجد لنبوي.
صوم المعتكف المعتكف إن صام فحسن، وإن لم يصم فلا شيء عليه.
روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال: «أوف بنذرك» ففي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالوفاء بالنذر دليل على أن الصوم ليس شرطا في صحة الاعتكاف، إذ أنه لا يصح الصيام في الليل.
وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل.
قال، كان على امرأة من أهلي اعتكاف. فسألت عمر بن عبد العزيز، فقال ليس عليها صيام، إلا أن تجعله على نفسها. فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا. قال: فعن عمر؟ قال: لا. قال: واظنه قال عن عثمان؟ قال: لا فخرجت من عنده فلقيت عطاء وطاووسا فسألتهما؟ فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها.
وقال عطاء: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها.
قال الخطابي، وقد اختلف الناس في هذا، فقال الحسن البصري: إن اعتكف من غير صيام أجزأه، وإليه ذهب الشافعي.
وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا: إن شاء صام وإن شاء أفطر.
وقال الاوزاعي ومالك: لا اعتكاف إلا بصوم، وهو مذهب أهل الرأي وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهو قول سعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وقت دخول المعتكف والخروج منه تقدم أن الاعتكاف المندوب ليس له وقت محدد.
فمتى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله بالمكث فيه صار متعكفا حتى يخرج، فإن نوى اعتكاف العشر الاواخر من رمضان، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس.
فعند البخاري عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الاواخر».
والعشر اسم لعدد الليالي، أول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين أو ليلة العشرين.
وما روي أنه صلى الله عليه وسلم: كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه.
فمعناه أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد.
أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فقد كان أول الليل.
ومن اعتكف العشر الاواخر من رمضان فإنه يخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر عند أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وأحمد: إن خرج بعد غروب الشمس أجزأه، والمستحب عندهما أن يبقى في المسجد حتى يخرج إلى صلاة العيد.
وروى الاثرم بإسناده عن أبي أيوب عن أبي قلابة: أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم يغدو كما هو إلى العيد، وكان - يعنى في اعتكافه - لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم، قال: فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة، ما ظننتها إلا بعض بناته، فإذا هي أمة له، فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد.
وقال إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف الشعر الاواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد ومن نذر اعتكاف يوم أو أيام مسماة، أو أراد ذلك تطوعا فإنه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبين له طلوع الفجر، ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس سواء أكان ذلك في رمضان أم في غيره، ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسماة، أو أراد تطوعا، فإنه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس ويخرج إذا تبين له طلوع الفجر.
قال ابن حزم: لأن مبدأ الليل إثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، واتمامه بغروب الشمس، وليس على أحد إلا ما التزم أو نوى.
فإن نذر اعتكاف شهر أو أراده تطوعا بدأ الشهر من أول ليلة منه.
فيدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا غابت الشمس كلها من آخر الشهر سواء رمضان وغيره.
ما يستحب للمعتكف وما يكره له يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه والدعاء، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى وتصل المرء بخالقه جل ذكره.
ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث، وقراءة سير الانبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين، ويستحب له أن يتخذ خباء في صحن المسجد انتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ويكره له أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل، لما رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي بسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ويكره له الإمساك عن الكلام ظنا منه أن ذلك مما يقرب إلى الله عزوجل، فقد روى البخاري وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه؟ فقالوا: أبو اسرائيل.
نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يتكلم ويصوم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» وروى أبو داود عن على رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل».

.ما يباح للمعتكف:
يباح للمعتكف ما يأتي:
.1- خروجه من معتكفه لتوديع أهله:
قالت صفية، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد. فمر رجلان من الانصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي»، قالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مرجى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا» أو قال: «شرا» رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

.2- ترجيل شعره وحلق رأسه:
وتقليم أظفاره وتنظيف البدن من الشعث والدرن ولبس أحسن الثيات والتطيب بالطيب.
قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة، فأغسل رأسه - «وقال مسدد فأرجله» وأنا حائض. رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
.3- الخروج للحاجة التي لا بد منها:
قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول، لأن هذا مما لا بد منه.
ولا يمكن فعله في المسجد، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه، وإن بغته القئ فله أن يخرج ليقئ خارج المسجد، وكل ما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله خروجه إليه، ولا يفسد اعتكافه ما لم يطل. انتهى.
ومثل هذا الخروج للغسل من الجنابة وتطهير البدن والثوب من النجاسة.
روى سعيد بن منصور قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليحضر الجنازة، وليعد المريض وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم.
وأعان رضي الله عنه ابن أخته بسبعمائة درهم من عطائه أن يشتري بها خادما، فقال: إني كنت معتكفا، فقال له علي: وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت؟ وعن قتادة: أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس.
وقال إبراهيم النخعي كانوا يستحبون للمعتكف أين يشترط هذه الخصال - وهن له وإن لم يشترط - عيادة المريض، ولا يدخل سقفا، ويأتي الجمعة: ويشهد الجنازة، ويخرج إلى الحاجة.
قال: ولا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة.
قال الخطابي: وقالت طائفة للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض، ويشهد الجنازة.
روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي.
وروى أبو داود عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه وما روي عنها من أن السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا فمعناه أن لا يخرج من معتكفه، قاصدا عيادته، وأنه، لا يضيق عليه أن يمر به فيسأل غير معرج عليه.

4- وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه:
مع المحافظة على نظافته وصيانته، وله أن يعقد العقود فيه كعقد النكاح وعقد البيع والشراء، ونحو ذلك.

.ما يبطل الاعتكاف:
يبطل الاعتكاف بفعل شيء مما يأتي:

.1- الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا:
وإن قل، فإنه يفوت المكث فيه، وهو ركن من أركانه.

.2 – الرده:
لمنافاتها للعبادة، ولقول الله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك}.

.3، 4، 5- ذهاب العقل بجنون أو سكر:
والحيض والنفاس، لفوات شرط التمييز والطهارة من الحيض والنفاس.

.6- الوطء:
لقول الله تعالى: {ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها} ولا بأس باللمس بدون شهوة، فقد كانت إحدى نسائه صلى الله عليه وسلم ترجله وهو معتكف، أما القبلة واللمس بشهوة فقد قال أبو حنيفة وأحمد أنه قد أساء، لأنه قد أتى بما يحرم عليه، ولا يفسد اعتكافه إلا أن ينزل، وقال مالك: يفسد اعتكافه لأنها مباشرة محرمة فتفسد كما لو أنزل، وعن الشافعي روايتان كالمذهبين.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم، هل الاسم المشترك، بين الحقيقة والمجاز له عموم أم لا وهو أحد أنواع الاسم المشترك.
فمن ذهب إلى أن له عموما قال: إن المباشرة في قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} يطلق على الجماع وعلى ما دونه، ومن لم ير له عموما - وهو الاشهر الاكثر - قال: يدل إما على الجماع، وإما على ما دون الجماع، فإذا قلنا: إنه يدل على الجماع بإجماع، بطل أن يدل على غير الجماع، لأن الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معا.
ومن أجرى الانزال بمنزلة الوقاع، فلأنه في معناه، ومن خالف فلأنه يطلق عليه الاسم حقيقة.

.قضاء الاعتكاف:
من شرع في الاعتكاف متطوعا ثم قطعه استحب له قضاءه وقيل: يجب.
قال الترمذي: واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى.
فقال مالك: إذا انقضى اعتكافه وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال.
وقال الشافعي: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه وكان متطوعا، فخرج فليس عليه قضاء، إلا أن يحب ذلك اختيارا منه.
قال الشافعي: وكأن علم لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه وخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة.
أما من نذر أن يعتكف يوما أو أياما ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الائمة، فإن مات قبل أن يقضيه لا يقضى عنه.
وعن أحمد: أنه يجب على وليه أن يقضي ذلك عنه.
روى عبد الرزاق عن عبد الكريم بن أمية قال: سمعت عبد الله بن عبد الله بن عتبة يقول: إن أمنا ماتت وعليها اعتكاف، فسألت ابن عباس فقال: اعتكف عنها وصم.
وروى سعيد ابن منصور: أن عائشة اعتكفت عن أخيها بعد ما مات.

.المعتكف يلزم مكانا من المسجد:
وينصب فيه الخيمة:
1- روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان».
قال نافع: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف طرح له فراش، أو يوضع له سرير وراء اسطوانة التوبة.
3- وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير.

.نذر الاعتكاف في مسجد معين:
من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الاقصى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا» أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب عليه الاعتكاف

في المسجد الذي عينه، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء، لأن الله تعالى لم يجعل لعبادته مكانا معينا ولأنه لا فضل لمسجد من المساجد على مسجد آخر إلا المساجد الثلاثة، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاز في مسجدي هذا بمائة صلاة» وإن نذر الاعتكاف في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لأنه أفضل منه.