الأحد، 25 مارس 2012

موسوعة العقيدة : أسماء الله الحسنى : الملك

الملك



 إن من أسماء الله الحسنى: الملك، وإن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة قال تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)﴾
(سورة الحشر)
 وقال تعالى:
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾
(سورة الفاتحة)
 وعند السادة الشافعية يجب أن تقرأ في الركعة الأولى: مالك يوم الدين، وفي الركعة الثانية: ملك يوم الدين، وقد ورد هذا الاسم في آية أخرى قال تعالى:
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾
(سورة القمر)
 وفي آية رابعة قال تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
(سورة آل عمران)
 وفي آية خامسة قال تعالى:
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)﴾
(سورة يس)
 تعريف الملك:
 القدرة على التصرف إذاً هو من أسماء الذات، وهو من أسماء الأفعال، فيمكن أن يكون من أسماء الذات ومعناه: القدرة على التصرف، ويمكن أن يكون من أسماء الأفعال ومعناه المتصرف.
 حديث قدسي:
((أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإنِ العبادُ عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإنّ صلاحهم بصلاحكم))
 الله: ملك بل مالك الملوك ومعنى هذا أن أي شيء يُملَّك مالكه الله سبحانه وتعالى، وقال بعض العلماء: الملك هو الذي يحكم ولا يملك، والمالك هو الذي يملك ولا يحكم، والله سبحانه وتعالى مالك وملك.
 أحياناً يملك الإنسان الشيء ولا ينتفع به وليس من حقه أن يتصرف فيه، وأحياناً ينتفع فيه ويتصرف فيه ولا يملكه، وأحياناً يملك الشيء وينتفع به ويتصرف فيه وليس المصير له، مثال بيت يملكه ملكاً حراً شرعياً يسكنه، فإن صدر قرار استملاك يصبح مصيره ليس له، إذاً إذا قلنا إن الله سبحانه وتعالى هو مالك الملك: يملك الشيء ويتصرف به ومصيره إليه، فتكون أعلى درجات الملكية هي ملكية الله سبحانه وتعالى.
 سئل أعرابي يملك قطيعاً من الغنم، لمن هذه ؟ قال: لله في يدي، فالمؤمن الصادق: بيته ومتجره، سيارته، خبرته، مكانته، شهاداته، يراها بملك الله عز وجل. مثال: أعلى طبيب في اختصاصه، إذا تجمدت خثرة في دماغه، يفقد ذاكرته فمصيره إلى مستشفى المجانين، إذاً مَن مالك الملك ؟ الله سبحانه وتعالى.
 هذه العين التي ترى بها، من مالكها ؟ الله سبحانه وتعالى، هذه الأذن، هذا اللسان، هذه الحركة، هذه القوة، أيْ مِن لوازم الأيمان: أن ترى أن كل شيء بحوزتك هو ملك لله عز وجل سمح لك أن تتصرف به. لمن هذا القطيع يا فلان ؟ لله في يدي، وبيتك لله في يدك، ومتجرك لله في يدك، وسمعتك ومؤلفاتك وعقلك وذكاؤك لله في يدك.
 الآن إذا قلنا: فلان ملك، نقصد بها حقيقةً أم مجازاً، العلماء قالوا: لا يمكن أن يملك حقيقةً إلا الله، وأيُّ وصف للملكية لغير الله فهو وصف مجازي وعلى سبيل المجاز فقط، لأن الملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، فهل من ملك يستغني في ذاته عن كل موجود ؟ ألا يشرب، ألا يستنشق الهواء، ألا يأكل، ألا يشعر بحاجة إلى النوم، ألا يخاف، ألا يحزن، ألا يتمنى أن يكون له أعوان كثر، إذاً أي إنسان مفتقر في وجوده وفي صفاته إلى إنسان آخر، لا يمكن أن يكون ملكاً حقيقياً، الملك الحقيقي هو الله عز وجل، وإذا سمينا فلاناً ملكاً فهو من باب المجاز.
 الملك الحقيقي الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاجه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته، فهو ملك في ذاته، في وجوده، في صفاته، مستغنياً عن كل شيء، بحاجة إليه كل شيء، هذا هو الوصف الدقيق للملك ولا ينطبق إلا على الله عز وجل، إذاً الملك الحقيقي هو الله، وكل من يصف نفسه أنه ملك أو مالك هذه الدار أو مالك هذه الدكان أو مالك هذه التجارة أو صاحب هذه الشركة هذا من باب المجاز، أعرف حجمك الحقيقي رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده.
 الله سبحانه وتعالى: مالك مُمَلِّك، الشخص الذي لا يستطيع أن يملكك فليس ملكاً، فمن لوازم هذا الاسم أن الله مالك مملك، والدليل قال تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
(سورة آل عمران)
 والملك الحقيقي الذي يملك هواه ولا يملكه هواه، والذي أُعتِق من أَسْرِ نفسه وليس ملكاً لنفسه، قال تعالى:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾
(سورة يوسف)
 هذه الآية دقيقة جداً: سيدنا يوسف يصف بأنَّ الله قد آتاه الملك: أيُّ مُلْكٍ آتاه ! لعلكم ظننتم أنه كان أميناً على خزائن الأرض، أغلب علماء التفسير قالوا: لا، بل آتاه الملك الحقيقي فهذا الملك الذي يؤتيه الله لمن يشاء ملك زائل، وليس فضيلة يفتخر بها، فما هو الملك الحقيقي ؟ هو أنه ملك نفسه، لمجرد أن قال: معاذ الله حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، حينما قالت هيت لك قال معاذ الله، قال علماء التفسير: هذا هو الملك الحقيقي، الملك الذي لا يزول، الملك الذي تسعد به إلى الأبد، أن تملك نفسك ولا تملكك، أن ينقاد لك هواك ولا تنقاد له، إذا انقاد لك هواك وسيطرت عليه فأنت ملك، إذا سيطرت على نفسك فأنت ملك، إذا ملكت زمام نفسك فأنت ملك، إذا سيطرت على شهواتك فأنت ملك، إذا قدت نفسك إلى طريق الخير والسعادة فأنت ملك أما إذا قادتك نفسك إلى الضلال والشهوات والمعاصي والآثام أنت مملوك، إذا قادك عقلك أنت ملك، إذا قادك هواك فأنت مملوك، وشتان بين أن تكون ملكاً وبين أن تكون مملوكاً.
 أحد أكبر زعماء أوروبا في الحقبة السابقة والذي حقق انتصاراً ساحقاً في الحرب العالمية الثانية له كلمة لا أنساها، قال: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا، نحن ضعاف أمام أنفسنا. شخصية كبيرة تغريه امرأة تعمل معه، تنهار نفسه أمام فتنتها. إذاً أنت مملوك، كل أهل الدنيا عندهم نقطتا ضعف مدمرتان: المال والنساء، أي يملك أشياء كثيرة وله إطلاع واسع، له قدرات عجيبة، ومع ذلك المرأة والدرهم والدينار تمتلكه، إذاً هو مملوك. لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ...))
(سنن ابن ماجة )
 مملوك هو في خدمة المال ولم يجعل المال في خدمته، المال أصلاً مُسخر لك لكنك سُخِّرت له فأنت عبد له.
((تعس عبد الفرج تعس عبد البطن تعس عبد الخميصة.))
 إذاً أنت مملوك، إذا قرأتم هذه الآية ترنموا بها:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾
 الملك الحقيقي أن تملك نفسك لا أن تملكك، أن ينقاد لك هواك لا أن تنقاد له، أن تسيطر على شهواتك، أن تكون مع الحق حيث كان الحق، أن تكون وقَّافاً عند كتاب الله، أن تعترف بالحق الذي لغيرك عليك وإن كان مراً، هذه هي البطولة الحقيقية، هذا ما اتجه إليه معظم المفسرين في قوله تعالى:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾
 بعضهم قال: المَلِكُ: الذي ملك قلوب العابدين فأقلقها، الحقيقة أن الإنسان منذ أن عرف الله عز وجل، أو منذ أن بدأ في معرفة الله، دخل في دوَّامة الحب، أصبح مشغولاً، أصبح عظيماً بعد أن كان تافهاً، يعني أن المؤمن قلق لا ينزاح عنه قلقه حتى يلقى الله عز وجل، هل اللهُ راض عني ؟ هل عملي وفق ما يرضي الله ؟ هل الله يحبني ؟ هل في عملي إخلاص ؟ هل في عملي زيغ ؟ هل هناك ما أرجوه غير الله عز وجل ؟
 ومَلَكَ قلوبَ العارفين فأحرقها، المَلِكُ مَنْ إذا شاءَ مَلَّك ومن إذا شاء أهلك:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾
(سورة البروج)
 إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتّش، أعطانا قبل سنوات أمطاراً غزيرة دهشنا بها سبعين ضعفاً عن إنتاج السنوات السابقة من القمح وإذا انحبست أمطار السماء، فَمَنْ في الأرض كلها يستطيع أن يصدر قراراً بإنزال المطر ! ولو اجتمعت الأمم كلها، المجالس كلها، والقيادات كلها، وإذا انحبست الأمطار مات الزرع وتبعه الضرع وتبعه الإنسان.
 فنحن عبيد لأننا مفتقرون لماء السماء:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)﴾
(سورة الملك)
 اللهُ سبحانه وتعالى. المَلِكُ من إذا شاء ملّك وإن شاء أهلك، الملك الحق من لا ينازعه معارض، لا خصومات لا معارضون لا مُشَوشون منتقدون، ولا يمانعه ناقد فهو في تقديره منفرد، وبتدبيرهُ متوحِّد، ليس لأمره مرد ولا لحكمه رد، والمَلِكُ من دار بحكمه الفلك.
 ذكر الله تعالى في آية واحدة خمسة بنود للملكية، قال تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
(سورة آل عمران)
 العلماء فسروا المُلْك أنه ملك الآخرة كما فسَّروه ملك الدنيا، فإذا كنت مؤمناً، مستقيماً، صادقاً مخلصاً، لك عمل طيب فأنت ملك، ولكن مِن ملوك الدار الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ؟ والإمام علي يقول: " الغنى والفقر بعد العرض على الله"، وقال:
﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾
 ولكن من تشاء ؟ إذا قال الله عز وجل:
﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
 ما معنى يهدي من يشاء ؟ يعني من شاء الهداية هداه الله.
" ويضل من يشاء "
 من شاء الضلالة أضله الله، فالهداية والضلالة أصلهما هداية جزائية أو ضلال جزائي مبني على هداية أو ضلال اختياري، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)﴾
(سورة الصف) 
﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاء﴾
 تؤتي الهداية من شاءها، وتنزع الملك ممن تشاء: رفض الدين، رفض رحمة رب العالمين، رفض وعده العظيم، أراد الدنيا، أراد شهواتها، ينصرف الإنسان إلى الملاهي، إلى شهواته، إلى دور اللهو، إلى معاصيه، إلى انحرافاته.
 بالمناسبة مُلْك الدنيا: يؤتيه الله لمن يحب ولمن لا يحب، وأما مُلك الآخرة فلا يأتيه إلا لمن يحب.
 المعنى الثاني: ملك الدنيا، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)﴾
(سورة الأنعام: من الآية 165)
 مَن مَلَّكَكَ هذا البيت ؟ الله سبحانه وتعالى، لمن كان هذا البيت ؟ لفلان، كيف باعه ؟ ضاقت به الأمور فباعه، من الذي جعلك خليفة له في هذا البيت ؟ الله سبحانه وتعالى، هذا العمل من ولاّك إِياه ؟ الله سبحانه وتعالى، لماذا عُزِل فلان ؟ بحكمة الله وتقديره، إذاً المعنى الآخر: تؤتي الملك مَنْ تشاء، المعنى الدنيوي، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ الأرض ﴾
 ما الحكمة ؟ لماذا أعطى فلاناً ومنع فلاناً ؟ ومَلَّكَ فلاناً ونزع من فلان ؟ لماذا رفع فلاناً وخفض فلاناً ؟ الجواب:
﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
 يمتحنك بالغنى وبالفقر، بالصحة وبالمرض، بالقوة وبالضعف، قال فإذا كان هذا العبد متمرداً فما الجواب، قال:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾
 قال فإذا كان طائعاً فما الجواب ؟
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾
(سورة طه: الآية 82)
 إذاً: جعلكم خلائف الأرض، ووزع الحظوظ توزيع ابتلاء وسوف تُوَزَّعُ في الآخرة توزيع جزاء إذاً هو مالك الملك: إِما أن يُمَلِّكك ملك الآخرة أو ملك الدنيا أو ملك الآخرة والدنيا:
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا  وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
***
﴿ وتعز من تشاء وتذل من تشاء ﴾
 دخلنا في باب العز والذل، هنالك شيء دقيق جداً: إذا أعزك الله سخر لك أعداءك، وإذا أراد الله أن يذل عبداً ما، أذله أقرب الناس إليه.
﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾
اجعل لربك كل  عزك يستقرَّ ويثبُت
فإذا اعتززت بمن  يموت فإن عزك ميّت
***
 إذاً من لوازم أن الله مَلِك أنه هو الذي يعز وهو الذي يذل، فكن مع العزيز.
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
ولذ بحمانا واحتمي بجنابنـا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
 إذاً فالذلُّ خير، ونزع المُلكِ خير، ولكن يسمى شراً من وجهة نظر الإنسان.
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾
 تصريف الكون، تسيير الكون، الأرض تدور حول الشمس بمدار اهليلجي بيضوي، مَن يجعلها على مسارها تماماً؟ هل في الكون كله قوة تستطيع أن تجعلها على مسارها لو خرجت ؟ إنها إن خرجت انتهت وجذبتها كواكب أخرى !!
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً(41)﴾
(سورة فاطر )
 يمسكها على مسارها، إذا خرج القطار عن سِكَّته، طفل رضيع أو نملة صغيرة أو ذبابة حقيرة هل بإمكانها أن تعيده إلى السكة ؟
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾
 مَن جعل الأرض تسير في الثانية 30 كم ؟ مَن جعلها تدور في الساعة 1600 كم ؟ مَن جعلها بهذا الحجم ومن جعل بعدها عن الشمس بهذه المسافة ؟ هذا من اسم الله: الملك.
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)﴾
(سورة آل عمران: الآية 27)
 ظاهرة النبات، ظاهرة توالد الإنسان، تكاثر الحيوان، تكاثر النبات.
﴿ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾
 بذرة الزيتون تبدو لك قطعة من الخشب كامن فيها شجرة بقوة هذه البذور، هذه أنماط الحياة، دورة الحياة، الشجرة يابسة في الشتاء كأنها خشب يأتيها الربيع فإذا هي خضراء.
 مرة طلب سيدنا عمر من سيدنا عمرو بن العاص أن يصف له مصر وكان بليغاً، قال: يا أمير المؤمنين مصر طولها شهر، وعرضها عشر، يعني طولها مسيرة شهر وعرضها مسيرة عشرة أيام، يخط وسطها نهر ميمون الغَدَوات مبارك الرَّوْحات، يا أمير المؤمنين بينما هي عنبرة سوداء - ترابها أسود اللون لخصوبته - إذا هي درَّة بيضاء - طواف النيل - إذا هي زبرجدة خضراء، فتبارك الله الفعال لما يشاء، وصف مصر في الشتاء وفي فيضان النيل وفي الربيع والصيف، وصف طولها ووصف عرضها.
 إذاً مِن معاني الملك أنه يقلب النهار، ويخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحي، ومن معاني أنه يخرج الميت من الحي والحي من الميت: أن الكافر قد يلد مؤمناً وأن المؤمن قد يلد كافراً:
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)﴾
(سورة هود: الآيتان: 45- 46 )
 آخر بند في المُلْكية:
﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
 قد يرزق الإنسان الضعيف، وقد يفقر القوي الذكي، لذلك التجار يقولون ليس عند الله تاجر ذكي، ومن دعاء المؤمنين على الكافرين " اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم " فالكافرُ يدبر فإذا هو يدمر نفسه. ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
 هناك سؤال: هل يملك العبد بالتمليك، لو أنّ إنساناً ملَّكَك شيئاً هل تملكه، كيف نناقش هذه الفكرة ؟ مالك هذه الدار، هذه المركبة، تملَّكَ بالمكنيك كاملَ أربعٍ وعشرين قيراطاً، هذا كلام نقوله نحن، وليس هناك غلط كبير في هذا الكلام، العلماء قالوا بالحرف الواحد: الأصح أن الإنسان لا يملك ! لماذا ؟ لأن استقلاله بالتصرف في الغير فرع من كونه مستقلاً في نفسه، فإذا كان العبد لا استقلال له في نفسه وذاته البتة، فكيف يكون مستقلاً في تصرفه بالغير. ولهذا قال ربنا عز وجل مُعلماً رسولاً ومن بعده عباده:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
(سورة الأعراف)
 إذا كان النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، أفيملك النفع والضر للآخرين ؟ الجواب لا. مِن باب أولى، إذا كنتُ عاجزاً عن هداية ابني ! فهل بإمكاني أن أهدي ابنك ؟ مستحيل! فلذلك فالكلام القطعي والثابت أن الله سبحانه وتعالى هو المَلِك الحقيقي وأن الإنسان إذا ملك فملكيَّةُ مجازية فمثلاً قد يقول لك مستخدم في وزارة الخارجية: والله عينا فلاناً سفيراً ! هذا كلام مجازي، إنَّ الذي عين فعلاً، ليس المستخدم بل الوزير. أَّما في الحقيقة المطلقة: الذي مُلَّكَ هذا الإنسان هذا المنصب، هو الله سبحانه وتعالى.
 العبد مثلاً متى يكون مسافراً ؟ إذا سافر سيده، متى يكون مقيماً ؟ إذا أقام سيده، هل للعبد استقلال في حركته عن سيده ؟ لا، إذاً كلام قطعي: يجب أن تشعر وأنت تملك أوراق الملكية للبيت أن هذا البيت ملك الله عز وجل. في أية لحظة يمكن أن تبيعه، قد يتعطل جهاز بالجسم، فيقال لك: هذه العملية تكلفتها 800 ألف ليرة ومصاريف سفر وإقامة، وبالعملة الصعبة، والنتيجة بيتك ثمن للعملية، فتعرضه للبيع، فسبحان مالك الملك ومثل آخر: كُلْيِة تكلفة زراعتها 1000000 ليرة، وكل شيء تملكه ثمن لهذه العملية، صمام القلب كلفته 500 ألف ليرة، فالإنسان إذا عافاه الله فهو غني وغني بالمعنى الحقيقي.
 هناك موضوع دقيق بعض الشيء، وقبل الوصول إليه، يقول تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)﴾
(سورة النحل)
 إذا كان العبد مملوكاً لا يقدر على شيء، فهل يكون مالكاً ؟ أَيْ متصرفاً في ملك الآخرين، هذا مستحيل ! لكن ما بال الآية الكريمة تقول:
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾
(سورة الروم )
 فتبصَّر يا أخي المؤمن، الأمر دائماً بيد الله فكيف نفسر قوله تعالى
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)﴾
(سورة الانفطار)
 الآن، الأمر لله وفي آية أخرى:
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾
 وفي آية أخرى:
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾
(سورة الأنعام)
 وفي آية أخرى:
﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)﴾
(سورة القصص)
 وفي الدنيا لمن الحكم ؟ أليس الحكم لله ؟ بلى، مثال آخر:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
(سورة هود)
 وكما يقول الله تعالى:
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾
(سورة الشورى)
 بيدِ مَنْ كانت إذاً ؟ هنا العلماء وقفوا وقفة رائعة قالوا: الحقيقة أَنَّ الأمر بيد الله من قبل ومن بعد والحقيقة أن الحكم لله دائماً والحقيقة أنه إليه يرجع الأمر كله دائماً. لكنِ الكفار الغافلون الشاردون الضعاف يرون أنَّ الأمر بيد زيد أو عبيد في الدنيا والحكم بيد فلان والأمر بيد فلان أما إذا كان يوم الدين كل الخلائق قاطبة ترى أن الأمر بيد الله وأَن الحكم لله وأنه إلى الله تصير الأمور، فالبطولة أَنْ ترى هذا الشيء في الوقت المناسب.
 إذاً حتى الكفار والشاردون وحتى أعتى الكفرة سوف يرون أن الأمر بيد الله وأَنَّ الحكم لله وأَنَّه إليه يرجع الأَمر كله. ولكنهم في الدنيا لا يرون الله عز وجل، يرون أولياء من دونه. يرون مراكز قوى في الحياة هم يعبدونها من دون الله. ويوم القيامة يرون الحقيقة.
 إذاً القضية قضية وقت فقط، إما أن ترى الحق في الوقت المناسب قبل أن يفاجئك الموت أو لابد أن تراه يوم القيامة فيكون حسرة أية حسرة إذاً البطولة لا أن تنتظر إلى أن ترى مع الآخرين الحقائق، البطولة أن ترى الحقيقة في الوقت المناسب كي تستفيد منها.
 هناك شيء آخر: لماذا لا يكون العبد مالكاً مطلقاً ؟ قيل: لأنه لا يستغني عن كل شيء: فلو فرضنا أنّ ملكاً عظيماً يستغني عن كل أفراد رعيته، فهل يستغني عن الهواء أو عن الماء أو عن الطعام أو عن الزواج؟ لذلك حين طلب هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي ترامت أطراف دولته إلى أقاصي الدنيا. كأس ماء قال له وزيره وكان ذكياً يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو منع عنك، قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، قال إذاً ملكك يساوي كأس ماء.
 في بعض متاحف القاهرة ملك من فراعنة مصر الكبار اسمه توت عنخ آمون كشفت مقبرته بأكملها، كما دفن معه طبعاً من الذهب والحلي والأغراض مالا سبيل لوصفه، ولكن وقفت عند نقطة واحدة: أن هذا الملك مات شاباً في الثامنة عشرة من عمره، حيث إِنّ التابوت قصير جداً والجثة قصيرة جداً، قلت وقتها سبحان الله ! مهما كان الإنسان مالكاً ولديه من الثروات ما لديه تبقى الحياة بيد الله عز وجل، فمصر كلها كانت بيده، مقدرات مصر كلها بيده، ومع ذلك توفاه الله في الثامنة عشرة من عمره، فالمقبرة عامرة بالذهب وبشتى أنواع الحلي وبشيء تحار به العيون ومع ذلك مات في سن مبكرة فما أغنى مالُه ولا رَدَّ الموت ملكه. إنه مُلك، ولكنّه عارية.
 قال بعض الأمراء لبعض الصالحين وقد التقيا يوماً سلني حاجتك ؟ فقال له الصالح: إليَّ تقول! قال الأمير: نعم، قال الصالح: لي عبدان هما سيداك. قال الأمير: ومن هما ؟ قال الصالح: الحرص والأمل؛ الحرص على الدنيا والأمل المديد هما عبدان عندي وهما سيداك، فقد غلبتهما وغلباك، وملكتهما وملكاك. فالإنسان يكون ملكاً إذا سيطر على شهواته.
 بعض الصالحين قال: كنت أمر بعسفان فوقع بصري على امرأة جميلة، فمال إليها قلبي فاستعنت بالله واتقيت ومررت، فلما نمت تلك الليلة رأيت يوسف عليه السلام في المنام فقلت له: أأنت يوسف ؟ قال: نعم، فقلت الحمد لله الذي عصمك من امرأة العزيز، فقال لي: والحمد لله الذي عصمك من العسفانية، هذا هو الملك الحقيقي عندما تطيع الله عز وجل.
 سيدنا يوسف لما مر بالقصر كان عبداً في القصر ثم صار ملكاً، جارية تعرفه عبداً ورأته في موكب الملك، فقالت سبحان الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته وسبحان الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته، فالحقيقة هي: مَن تحقق مِن ملك سيده كأنه ملك كل ملك سيده.
 حُكي عن شفيق البلخي أنه قال: كان ابتداء توبتي أن رأيت غلاماً في سنِة قحطٍ يمزح زهواً والناس تعلوهم كآبة، فقلت له: يا هذا ما هذا المرح ؟ ألا تستحي ؟ أما ترى ما فيه الناس من المحن ؟ فقال لا يحق لي أن أحزن ولسيدي قرية مملوكة أدخر فيها كل ما أحتاج، فقلت في نفسي: إن هذا العبد لمخلوق ولا يستوحش لأن لسيده قرية مملوكة، فكيف يصح أن أستوحش أنا وسيدي مالك الملوك فانتبهت وتبت - الغلام لقنه درساً في التوبة - إذاً بعضهم يقول دبِّر أو لا تدبر، فالمدبر هو الله سبحانه:
كـن عـن همومـك معرضـا  وكـل الأمـور إلى القضا
وابشر بخير عاجـــــــل  تنسى به ما قد مضـــى
فلرب أمر مسخـــــــط  لك في عواقبه رضـــى
ولربمـــا ضاق المضيــق  ولربما اتسع الفضــــا
الله يفعل ما يشـــــــاء  فلا تكن معترضـــــا
الله عودك الجميـــــــل  فقس على ما قد مضــى
***
ولرُبّ نازلةٍ يضيق  بها الغنى ذرعاً
نزلت وعند الله  منها المخرجُ
ضاقت فلما  استحكمت حلقاتها
فُرجت وكنت  أظنها لا تُفرجُ
***
 سمعت أنه نزلت في إيطاليا العام الماضي أمطارٌ في ليلة واحدة تعادل أمطار العام بأكملِهِ وفي لحظة واحدة فإن الله عز وجل قادر على أن يرزقنا مطراً غزيراً يصبح المعدل فوق المعدل الطبيعي. ولو تأخر المطر، فالأمر بيد الله عز وجل، لكن لا تنسوا أنَّ تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز.
 من آداب الإيمان بأن الله هو الملك، أن يكون العبد بما في يَدَيِ الله أوثق منه مما في يديه إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يديِ الله أوثق منك مما في يديك، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أكرم الناس منزلةً فاتق الله.
 الحاتم الأصم كان صائماً يوماً فلما أمسى قُدِّم إليه فطوره فجاء سائل فدفع ذلك الفطور إليه فَحُمِلَ إليه في الوقت ذاته طبق عليه كل ألوان الأطعمة فأَتاه سائل آخر فدفع إليه كل ذلك، ففتح بصره فإذا دنانير في الوقت نفسه بين يديه، فلم يتمالك أن صاح:  الغوث من الخَلفِ. وكان في جيرانه من يسمى " خلفاً " فتسارع الناس إليه وقالوا يا أخي ِلمَ تُؤذى الشيخ وما زالوا به حتى جاءوا به إلى الشيخ وقالوا هذا خَلَف جاءك معتذراً، فقال إني لم أعْنيِهِ إطلاقاً إنما عجزت عن شكر الله عز وجل على ما يعاملني به من الخلف فكلما أنفقت شيئاً أعطاني الله خيراً منه.
 أحد الصحابة وهو عبد الرحمن بن عوف قالت عنه السيدة عائشة: أخشى أَن يدخل الجنة عبد الرحمن زحفاً لكثرة ماله، فقال هذا الصحابي الجليل والله لأَدخلنَّها خبباً ( ركضاً ) وما عليّ إذا كنت أُنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء.
 قال من عرف أَنَّ الملك هو الله وحده: آنَفُ أن أتذلّلُ لمخلوق ؛ فإذا عرفتَ ما في إلاّ الله ملك أنفت أن تتذلل لمخلوق، وقال بعضهم: أيجمل بالحرِّ أن يتذلل للعبيد وهو يجد ِمن مولاه ما يريد، أُطلبْ تعطِ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أيليق بك وقد عرفت أنَّ الله هو الملك ولا ملك سواه أن تتذلل لسواه، مَنْ عرف الله لم يحتج إلى عَوْنِ المخلوقين وفتنتهم وبذا تستغني عن الناس، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس.
 بشر الحافي رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم فقلت: يا أمير المؤمنين عظني فقال لي: " ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء طلباً للثواب وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله"، وإذا وثقت بالله عز وجل الله لا يخيبك، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
 قيل لبعض الشيوخ أوصني، فقال: كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، فقال وكيف أفعل ذلك ؟ قال: ازهد في الدنيا تكن ملكاً في الدنيا، استغن عن الرجل تكن نظيره واحتج إليه تكن أسيره، أحسن إليه تكن أميره، وإمَّا كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة.
 سئل حسن البصري: بمَ نلت هذا المقام، قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
 قال سفيان بن عيينة: بينما أنا أطوف بالبيت إذ رأيت رجلاً وقع في قلبي أنه من عباد الله الصالحين، فدنوت منه فقلت: هل تقول شيئاً ينفعني الله به، فلم يرد عليّ جواباً، ومضى في طوافه فلما فرغ صلى خلف المقام ركعتين، ثم دخل الحجر فجلس فجلست إليه، فقلت يا سيدي هل تقول لي شيئاً ينفعني الله به، فقال هل تدري ماذا قال الله عز وجلُ: وقد سمع نداء الحضرة الإلهية: أنا الحي الذي لا أموت هلمّوا إليّ أطيعوني أجعلكم أحياء لا تموتون.
﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾
 الإنسان أول ليلة في قبره يقول الله عز وجل له:
(( عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت ))
 قال ألم تسمع ربك يقول:
((أنا الحي الذي لا أموت فإن أطعتموني جعلتكم أحياء لا تموتون في جنة عرضها السماوات والأرض، أنا الملك الذي لا أزول هلموا أطيعوني أجعلكم ملوكاً لا تزولون ملوك الدار الآخرة أنا الملك الذي إذا أردت شيئاً قلت له كن فيكون، هلموا أطيعوني أجعلكم كذلك أي كلما دعوتموني أجبكم، كلما سألتموني أعطيتكم أنا عند ظنكم:" ولئن سألني أحدكم لأعطينه ولئن دعاني لأجيبنه))
 هذه بعض التعريفات والآداب والحدود في شأن اسم الله الملك