السبت، 10 مارس 2012

موسوعة الفقه - باب الزواج أو النكاح : أسس إختيار الزوجة والزوج


أسس إختيار الزوجة والزوج

أولا اختيار الزوجة:
الزوجة سكن للزوج، وحرث له، وهي شريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده، ومهوى فؤاده، وموضع سره ونجواه.
وهي أهم ركن من أركان الاسرة، إذ هي المنجبة للاولاد، وعنها يرثون كثيرا من المزايا والصفات، وفي أحضانها تتكون عواطف الطفل، وتتربى ملكاته ويتلقى لغته، ويكتسب كثيرا من تقاليده وعاداته، ويتعرف دينه، ويتعود السلوك الاجتماعي.
من أجل هذا عني الإسلام باختيار الزوجة الصالحة، وجعلها خير متاع ينبغي التطلع إليه والحرص عليه.
وليس الصلاح إلا المحافظة على الدين، والتمسك بالفضائل، ورعاية حق الزوج، وحماية الابناء، فهذا هو الذي ينبغي مراعاته.
وأما ما عدا ذلك من مظاهر الدنيا، فهو ما حظره الإسلام ونهى عنه إذا كان مجردا من معاني الخير والفضل والصلاح.
وكثيرا ما يتطلع الناس إلى المال الكثير، أو الجمال الفاتن، أو الجاه العريض، أو النسب، أو إلى ما بعد من شرف الاباء، غير ملاحظين كمال النفوس وحسن التربية. فتكون ثمرة الزواج مرة، وتنتهي بنتائج ضارة.
لهذا يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من التزوج على هذا النحو، فيقول: «إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء».
ويقول: «لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لاموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين ولامة خرماء ذات دين أفضل» ويخبر أن الذي يريد الزواج مبتغيا به غير ما يقصد منه من تكوين الاسرة ورعاية شؤونها، فانه يعامل بنقيض مقصوده، فيقول: «من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده إلا دناءة، ومن تزوج امرأة ليغض بها بصره، ويحصن فرجه، أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك لها فيه». رواه ابن حبان في الضعفاء.
والقصد من هذا الخطر ألا يكون القصد الأول من لازواج هو هذا الاتجاه.
نحو هذه الغايات الدنيا، فإنها لا ترفع من شأن صاحبها ولا تسمو به، بل الواجب أن يكون الدين متوفرا أولا، فان الدين هداية العقل والضمير.
ثم تأتي بعد ذلك الصفات التي يرغب فيها الإنسان بطبعه، وتميل إليها نفسه.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» رواه البخاري ومسلم.
ويضع تحديدا للمرأة الصالحة، وأنها الجميلة المطيعة البارة الأمينة، فيقول: «خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك» رواه النسائي وغيره بسند صحيح.
ومن المزايا التي ينبغي توفرها في المرأة المخطوبة أن تكون من بيئة كريمة معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الاعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية، فانها أجدر أن تكون حانية على ولدها، راعية لحق زوجها.
خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هانئ فاعتذرت إليه بأنها صاحبة أولاد، فقال، «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره. وأرعاه على زوج في ذات يده».
وطبيعة الاصل الكريم أن يتفرع عنه مثله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الناس معدن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».
وهل ينتج الحطي إلا وشيجة - ويغرس إلا في منابته النخل خطب رجل امرأة لا يدانيها في شرفها فأنشدت: بكى الحسب الزاكي بعين غزيرة - من الحسب المنقوص أن يجمعا معا ومن مقاصد الزواج الأولى إنجاب الأولاد، فينبغي أن تكون الزوجة منجبة، ويعرف ذلك بسلامة بدنها، وبقياسها على مثيلاتها من أخواتها وعماتها وخالاتها.
خطب رجل امرأة عقيما لا تلد، فقال: يا رسول الله، إني خطبت امرأة ذات حسب، وجمال وانها لا تلد، فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».
والودود هي المرأة التي تتودد إلى زوجها وتتحبب إليه، وتبذل طاقاتها في مرضاته.
والإنسان بطبيعته يعشق الجمال ويهواه، ويشعر دائما في قراره نفسه بأنه فاقد لشئ من ذاته إذا كان الشئ الجميل بعيدا عنه.
فإذا أحرزه واستولى عليه شعر بسكن نفسي، وارتواء عاطفي وسعادة، ولهذا لم يسقط الإسلام الجمال من حسابه عند اختيار الزوجة، ففي الحديث الصحيح: «إن الله جميل يحب الجمال».
وخطب المغيرة بن شعبة امرأة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «إذهب فانظروا إليها، فانه أحرى أن يؤدم بينكما».
أي تدوم بينكما المودة والعشرد.
ونصح الرسول رجلا خطب امرأة من الانصار وقال له: «انظر إليها فان في أعين الانصار شيئا».
وكان جابر بن عبد الله يختبئ لمن يريد التزوج بها، ليتمكن من رؤيتها، والنظر إلى ما يدعوه إلى الاقتران بها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل بعض النسوة ليتعرفن بعض ما يخفى من العيوب، فيقول لها: «شمي فمها، شمي إبطيها، انظري إلى عرقوبيها».
ويستحسن أن تكون الزوجة بكرا، فإن البكر ساذجة لم يسبق لها عهد بالرجال، فيكون التزويج بها أدعى إلى تقوية عقدة النكاح، ويكون حبها لزوجها ألصق بقلبها فما الحب إلا للحبيب الأول.
ولما تزوج جابر بن عبد الله ثيبا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟»، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أباه قد ترك بنات صغارا، وهن في حاجة إلى رعاية امرأة تقوم على شؤونهن، وأن الثيب أقدر على هذه الرعاية من البكر التي لم تدرب على تدبير المنزل.
ومما ينبغي ملاحظته أن يكون ثمة تقارب بين الزوج والزوجة من حيث السن والمركز الاجتماعي، والمستوى الثقافي والاقتصادي، فإن التقارب في هذه النواحي مما يعين على دوام العشرة، وبقاء الألفة.
وقد خطب أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنها صغيرة». فلما خطبها علي زوجها إياه.
هذه بعض المعاني التي أرشد الإسلام إليها، ليتخذها مريدو الزواج نبراسا يستضيئون به، ويسيرون على هداه.
لو أننا لاحظنا هذه المعاني عند اختيارنا للزوجة لامكن أن نجعل من بيوتنا جنة ينعم فيها الصغير، ويسعد بها الزوج، وتعد للحياة أبناء صالحين، تحيا بهم أممهم حياة طيبة كريمة.

ثانيا اختيار الزوج:
وعلى الولي أن يختار لكريمته، فلا يزوجها إلا لمن له دين وخلق وشرف وحسن سمت، فان عاشرها عاشرها بمعروف، وإن سرحها سرحها بإحسان.
قال الإمام الغزالي في الاحياء: والاحتياط في حقها أهم، لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال.
ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر، فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من الرحم وسوء الاختيار.
قال رجل للحسن بن علي: إن لي بنتا، فمن ترى أن أزوجها له؟ قال: زوجها لمن يتقي الله، فان أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وقالت عائشة: النكاح رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.
وقال صلى الله عليه وسلم: «من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها» رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس، ورواه في الثقات من قول الشعبي باسناد صحيح.
قال ابن تيمية: ومن كان مصرا على الفسوق لا ينبغي أن يزوج.