الأحد، 25 مارس 2012

موسوعة العقيدة - أسماء الله الحسنى : الشكور

الشكور

 مع الاسم الثاني والعشرين من أسماء الله الحسنى والاسم هو اسم " الشكور ".
 الحقيقة أن تعرف أن الله خلق السماوات والأرض وكفى فأنت إذاً ما عرفته، لأن الإيمان بوجود الله يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين الناس كلهم جميعاً يعني:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)﴾
(سورة لقمان)
 حتى الذين عبدوا الأصنام قالوا:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)﴾
(سورة الزُمر)
 إذا أقررت بوجود الله عزّ وجل، فأنت لم ترتفع عن أي مستوى من مستويات الناس العاديين، ولكن معرفة الله تقتضي أن تعرف أسماءه وما من معرفة لها علاقة وشيجة بحياتك الدنيا وبمآلك إلى الآخرة كمعرفة أسمائه الحسنى، فكلما ازددت معرفة به ازددت حباً له، وازددت استقامة على أمره، وازددت عملاً صالحاً تتقرب إليه، وازدادت سعادتك في الآخرة.
 إذاً شيء في غاية الأهمية أن تتعرف إلى الله من خلال أسمائه الحسنى، اسم الشكور ثابت بالقرآن الكريم، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)﴾
(سورة فاطر)
 وفي سورة الإسراء يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
(سورة الإسراء)
 مشكور: اسم مفعول، من الشاكر ؟ هو الله عز وجل.
 وفي آية ثالثة في سورة النساء يقول عز وجل:
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾
(سورة النساء من الآية 147)
 إذاً شكور وشاكر ومشكور، المشكور هو العبد، والله سبحانه وتعالى شاكر وشكور، وبعد فما تعني كلمة " شَكَرَ " باللغة ؟
 الشكور مبالغة من شكر، ودائماً أسماء المبالغة إذا اقترنت بأسماء الله الحسنى فتعني إما عدد الشُكر أو حجم الشُكر، أما حجم الشُكر ؛ فأنت قد تعيش أنت في الدنيا لسنوات معدودات، سنوات قد تزيد على الستين سنة أو السبعين، فإذا أطعته في هذه السنوات المعدودات يَهَبُك حياةً أبدية لا تنقضي، وكلمة ( أبد ) هذه كلمة قد لا ننتبه إلى معناها، وها أنا ذا أُخاطب الإخوة الرياضين، الذين يدرسون الرياضيات، لو أن " واحداً " في دمشق ووضعنا أصفاراً وبين كل صفرين ميلمتر، وتابعنا الأصفار إلى حمص إلى حماة إلى حلب إلى أنقرة إلى موسكو إلى القطب الشمالي إلى المحيط الهادي إلى القطب الجنوبي إلى أفريقيا إلى إلى.... حتى عادت هذه الأصفار حول الأرض إلى أن استقرت على شمال " الواحد "، هذا الرقم كم هو ؟ هذا الرقم "واحد " في دمشق والأصفار حول الأرض، لو وُضِعَ هذا الرقم صورة لِكسر عادي وفي مخرج الكسر إشارة اللانهاية، هذا الرقم يساوي صفراً في الرياضيات، يعني: أي رقم مهما بدا لك كبيراً إذا قيسَ إلى اللانهاية فهو صفر، فأنت إذا عِشت في الدنيا سنوات معدودات، وفي هذه السنوات المعدودات أطعت الله عز وجل، ونهيت نفسك عن الهوى، وضبطت جوارحك، وحررت دخلك، وتعرّفت إلى الله، وجلست في مجالس العلم، وتلوت القرآن وفهمت القرآن، ودعوت إلى الله، وأنفقت من مالك ومن جاهك ومن علمك وجاء الأجل، إذا قِستَ هذه السنوات المعدودة إلى الحياة الأبدية فأنت ما فعلت شيئاً، فمعنى " شكور" أنه يعطيك على الشيء القليل الشيء الكثير.
 أيعقل أن تدفع ربع ليرة سورية، لتشتري بها محلات شارع الحمراء على الطرفين ؟ الطوابق والمخازن والمستودعات، والحريقة وطريق الصالحية والبحصة وحمراء بيروت، وشارع بيكاديلي بلندن، وشارع كذا بفرنسا، هل من الممكن شرائها بربع ليرة ؟ أؤكد لكم أن كل عمل الإنسان إذا قيسَ بما أعدَّ الله له من نعيمٍ مُقيم، والله إنه أقلّ من هذه النسبة.
 انظر في هذه الشركات الكبرى في العالم، فقد سمعت عن شركة قالوا: عندها فائض هم في حيرة من توظيفه، مليار دولار، فائض ليس له وظيفة يوظف بها، هناك شركات كبرى في العالم ميزانياتها وأرباحها بِقَدَر ميزانيات مجموعة دول، هذه الشركة هل تُشتَرى بفرنك، بليرة ؟ ها أنا ذا أقول ومن دون أن أبالغ، إن ما أعدَه الله للمؤمن من نعيمٍ مُقيم نظير ما يُقدمه من طاعةٍ لله في الدنيا، كالنسبة بين ما قدّم وما سيأخذ وهي لا تتعدى أن تكون كمن يشتري إحدى أكبر الشركات في العالم بليرة سورية:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. ))
(صحيح البخاري)
 هذا معنى " الشكور "، صيغة مبالغة لاسم الفاعل، عندنا " شاكر " وعندنا " شكور " صيغة المبالغة أنه يعطي اللانهاية، يعطي الأبد.
 مرةً سمعت أن بعض القضاة في بلد معين ليس لهم رواتب، بل لديهم شيكات مفتوحة، أي مبلغ يرده يأخذه، لو طلب مبلغاً فلكياً يأخذه فوراً، معنى " الشكور " إذاً، أنه يعطي الشيء الذي لا نهاية له، الذي لا حدود له كما قال ربنا في الحديث القدسي:
(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ))
 الحقيقة هذا الكلام نقرؤه كثيراً ونردده كثيراً ولكن لو وقفنا عند مدلول هذه الكلمة، كل واحد منا له دائرة مشاهدات، فأنت مثلاً إلى أين ذهبت ؟ تقول: ذهبت إلى لبنان وإلى الأردن وذهبت إلى الحج، وذهبت إلى مصر وإلى قبرص. فقط ؟ أجل، فقط.
بينما قد تجد شخصاً يعرف أمريكا، يعرف اليابان، يعرف روسيا يعرف أفريقيا وشخص آخر يعرف جنوب شرقي آسيا أيضاً، وتجد آخر ذهب إلى أستراليا وغير أولئك من ذهب إلى القمر، رواد الفضاء.
 على كلٍ دائرة المشاهدات إذا قيست بدائرة المسموعات لا شيء سمعت بالمريخ ولكن لم تذهب إليه، وسمعت بالمشتري وسمعت و بنجم القطب، وسمعت بألاسكا، وسمعت بسيبيريا وسمعت بالقطب الشمالي دائرة المشاهدات إذا قيست بدائرة المسموعات فهي لا شيء، أما دائرة الخواطر قد يخطر ببالك جبل طوله من هنا إلى الشمس، هذا خاطر، ما دام الخاطر ليس له واقع فالقضية سهلة، قد يخطر ببالك إنسان إذا وقف على الأرض اقترب من القمر، طوله ثلاثمائة ألف كيلو متر، هذا خاطر.
 فعندما حدثنا النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه في الحديث القدسي قال:
(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ))
 هذا معنى " الشكور "، نظير ثلاث وستين سنة عشتهما، انقضى خُمُسُهما حتى أصبحت مكلّفاً، يعني هذه السنوات المعدودة كل يوم خمس صلوات كلما رأت عينك امرأةً غضضت البصر عنها، وكلما لاح لك مبلغ من شُبُهة قلت معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، يعني مجموعة صلوات ومجموعة أيام صمتها، ومجموعة مواقف خِفت فيها من الله عز وجل فاستحققت هذا العطاء الكبير. وربنا عز وجل قال:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)﴾
(سورة الإنسان)
 أحدهم قال لي: كنت ببلد أجنبي ودعانا مدير الشركة إلى قصره، فشدهنا إذ رأينا ما يفتن العقل والنظر، دخلنا في غابة بقيت السيارة منطلقة ربع ساعة في هذه الغابة المحيطة بقصره، بينما يحتاج المرء في بلدان كثيرة إلى مائة متر، بل سبعين متراً مساحة بيت يأوي إليه، في حين أن الغابة مساحتها مئات الكيلو مترات، غابة صنوبر وبالمنتصف قصر كبير لا تقل هذا بيت، بل ملك كبير، قصر وحوله حديقة مترامية، غابة صنوبر، فربنا عز وجل قال:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾
 الله سمى ما أعد لك في الجنة ملكاً كبيراً، هذا معنى " الشكور" يعني شيء لا يُقدّر بثمن، مقابل شيءٍ قليل جداً قدمته نلت به شيئاً كثيراً.
 والمعنىالآخر لكلمة " شكور " هو المعنى العددي، يعني لا يمكن أن تقدم شيئاً لله عز وجل إلا ويشكرك عليه.
 أعتقد أن أبا جهل بعيد البعثة، جاء بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وطرق بابه، ففتحت فاطمة الزهراء وكانت بنتاً صغيرةً، قال: أين أبوكِ ؟ قالت: ليس هنا. فضربها بِلا سبب، فلما عَلِمَ أبو سفيان أنَّ أبا جهل ضرب هذه الفتاة الوديعة الصغيرة ولطمها على وجهها لأنها قالت أبي ليس في البيت، ذهب إلى بيت النبي وأخذ فاطمة الصغيرة الزهراء وحملها على يده وتوجّه إلى بيت أبي جهل وطرق الباب ففتح الباب، قال: اضربيه كما ضربك، أراد أن يثأر لكرامتها، لما علم النبي ذلك رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم لا تنسها لأبي سفيان، لا تنسها له، والله عز وجل لم ينسها له، مع أنه حارب النبي عشرين عاماً في النهاية أسلم، ولما أسلم وكان النبي كريماً معه وحليماً، قال يا ابن أخي: ما أحلمك وما أعقلك وما أوصلك وما أرحمك.
 ورد في بعض الكتب أن أبا لهب حينما علم بميلاد النبي عليه الصلاة والسلام أعتق جارية، فقيل: إنه يخفف عنه العذاب كل يوم اثنين، وأنه أعتق أعتق هذه الجارية فرحاً بميلاد النبي عليه الصلاة والسلام، كل شيء محفوظ عند الله سبحانه يعني ولو أنقذت نملة، قال تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾
(سورة النساء)
 قد تخدم شخصاً، الخدمة لا يمكن أن يشكرك عليها إلا إذا عرفها، مثلاً، كأن تزور مريضاً، فتحمل هدية وتتوجه إليه، في مدخل البيت أخذها منك ابنه، ولم يبلغه، ثم جلست عند المريض فهل يعقل أن يشكرك هذا المريض بقوله (فضلت، شكراً ) لا. طبعاً إنه لم يدر بالهدية، فكيف يشكر وهو لا يعلم، لذلك ربنا عز وجل:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾
 فهو يعلم، يعلم أي عمل مهما بدا صغيراً، لو أنقذت فراشةً، لو أنقذت نملة، لو رحمت إنساناً، لو أمّنت إنساناً خائفاً، أو هدأت من روع إنسان خائف، لو طمأنت إنساناً، لو أطعمت إنساناً جائعاً، كل شيءٍ محفوظ عِنَدَ الله، فكلمة " شكور " إما لحجم " الشُكر " وإما لعدد مرات الشُكر، وهي مبالغة اسم فاعل.
 قال العلماء: معنى " الشكور "، باللغة: الشُكر في الأصل الزيادة، فلان شكير أي عياله صغار، وشكير الشجر ما نبت في أصلها من القضبان الصغار، وناقة شكيرة وشَكْرى إذا كانت ممتلئة الضرع، وشكرت الأرض إذا كثر النبات فيها، ودابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تُعطى من العلف، وكل نبت يكتفي بالماء القليل فهو شكور، هذا ما ورد في كتب اللغة عن كلمة شكور.
 أما الشكر في حق العباد فله طريقان، ويمكن أن نضيف لهما طريقاً ثالثة، شكر باللسان، وشكر بالعمل، ونقول لن يكون الشكر لا باللِسان ولا بالعمل إلا إذا عرفت النعمة، أساس الشُكر المعرفة، إذاً أنت تعرف ثم تشكر، لا تشكر ما لم تعرف.
فشكر العمل، مثلاً: هناك شخص قدم لك بيتاً، أو وظفك فهو إذاً قدّمَ لكَ شيئاً ثميناً، أو كُنتَ واقعاً في ورطٍة كبيرة فأنقذك منها، ثم رأيت ابنه في الطريق، فإذا قدمت لهذا الصغير قطعة حلوى فهذه الحلوى في الحقيقة شُكر لوالده، فأنت عبّرت عن امتنانك من أبيه بإكرام ابنه، هذا بشكل مبسط.
 لذلك فالمؤمن إذا أسدى للعباد خدمات، أو إذا رحم العباد أو أكرمهم، طمأنهم، أطعمهم، أسقاهم، كساهم، رحمهم، حينما تُسدي معروفاً لِمخلوق كائناً من كان، لِقطة، لجروٍ صغير، فقد ترى حيواناً قد مرض وتأخذه إلى مشفى بيطري أو إلى طبيب بيطري، فإذا أردت الحقيقة فهذا هو عين الشُكر، لأنك تُعبّر عن شُكرِكَ لله عز وجل وعن امتنانك له بخدمة مخلوقاته، وإذا أردت أن تعرف سِر العمل الصالح في الدنيا و لماذا المؤمن يعمل الأعمال الصالحة، ليس لها تفسير إلا أنها تعبير عن شُكر العبد لله عز وجل من خلال خدمة عباده، إذا نصحت زبائنك نصيحةً صادقة، فهذا شُكر منك لله، إذا رحمت الناس، إذا عطفت عليهم، إذا أنصفتهم، إذا خففت من مآسيهم، إذا مسحت جراحهم، إذا أمنتهم من خوفهم، إذا قدمت لهم المعونة، إذا فعلت أي عمل صالح هو في الحقيقة تعبير عن امتنانك لله عز وجل من خلال عباده ومألوف عند الناس بشكل واضح جداً أن تكرمَ الأب من خلال إكرام الابن، إذا رأيت رجلاً تحبه يصحبه ابنه فيمكنك كحد أدنى أن ترحب بالابن، كيف أنت يا عم ؟ ما اسمك ؟ بأي صف ؟ وإذا معك قطعة سُكر أعطيته إياها، وإذا وجدت لديك قلماً ثميناً، وهذا الإنسان له فضل عليك أعطيته القلم، وهذا طبيعي جداً وهو شكر عملي حقاً.
 تُريد شيئاً يريح قلبك، تُريد لهذا الإنسان الذي أكرمك، أن تُعبّر عن امتنانك له، فتلقى أمامك ابنه وتكرمه، الله عز وجل غني عن العالمين، يطعم ولا يُطعم، مستحيل أن تقدم هدية إلى الله لكن ليس أمامك إلا عباده، كلهم عباده، حتى الكفار، حتى الذين أنكروا وجوده هم عباده إذا أحسنت إليهم فهذا عمل خيرٍ عند الله محفوظٌ، فإن كنت طبيباً وجاءك مريض، والمريض تعرفه غير مؤمن بالله ولا دين له، فهذا عبد لله أمامك يجب أن تقدم له كل شيء، كل ما في إمكانك لأنه عبد لله.
 مثل آخر في مجال الحيوان، فإذا جاءك حيوانٌ يحتاج أن يأكل، فتطعمه، نعرف أُناساً يطعمون الطيور ويشعر أحدهم بلذة عارمة وبسعادة، فيشتري 2 كيلو أو ثلاثة من الحبوب، التي تصلح للطيور يضعها على السطح فترى سبعمائة أو ثمانمائة طير تسقط على السطح وتأكل يقول: كأني أتغذى أنا، شعور نبيل سامٍ، هؤلاء مخلوقات لله عز وجل، لذلك فالمؤمن وهو يقود مركبته يحرص حرصاً كبيراً على ألا يدهس بها مخلوقاً، فمثلاً لو دهس غنمة لقطع أصحابها عنقه، ويقطعون عليه الطريق، ثمنها ثمانية آلاف يغرمونه الثمن. لكن إذا دهس كلباً لا أحد يُحاسبه، ترى في الطرقات منها مئات مدهوسة، أما المؤمن فهو يعرف أن هذا الكلب حتى لو لم يكن ملكاً لأحد، ولو لم يكن هناك يحاسبه عليه، لكن يعلم أن الله ربه ويحاسبه، لذلك فالمؤمن يحرص حرصاً بالغاً على ألا يدهس حيواناً وإذا وقع منه من غير قصد يبادر إلى أداء صدقة فلعل الله سبحانه وتعالى يعفو عنه.
هذا هو الشُكر، فالشُكر بالأفعال أن تعمل عملاً صالحاً مع كل مخلوق وأنا أؤكد أنك إن تخدم المسلمين فقط أو إن تخدم المؤمنين فهذا أرقى وأجدى عن الله تعالى، أما أن تخدم إخوانك ممن تلتقي بهم في المسجد، فهذه نظرة ضيقة جداً جداً جداً ولا تُرضي الله كثيراً، بل يجب أن تخدم الخلق عامة.
 حدثني أخ قال: رجل مُنعَم يركب سيارته الفخمة يمشي في طريق بين مدينة ومدينة رأى شاباً راكباً دراجة جنزيرها مقطوع والرجل له مكانته التجارية والاجتماعية، وسيارته فخمة ثمنها عشرات الملايين، وقف وأصلح له الدراجة، فكان هذا العمل سبب إسلام الشاب وإيمانه وأصبح من أخلص إخوانه لأنه أصلح له الدراجة.
 إذاً، هذا هو الشُكر ؛ الإسلام نظرته أممية، وليست نظرته نظرة ضيقة، هذا مسلم وذاك غير مسلم، هذا مؤمن وذاك غير مؤمن، هذا من إخواننا وهو من جماعتنا، هذه كلها عنعنة جاهلية، إذا كنت فعلاً تعرف الله فهؤلاء جميعاً عبيده.
 والله الذي لا إله إلا هو ما من مخلوق ترحمه إلا شكر الله لك.. قال: بغيّ، والبغيّ معروفة، رأت كلباً يأكل الثرى من العطش فسقته فشكر الله لها وغفر لها و الحديث الشريف يقول:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا قَالَ فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))
(صحيح البخاري)
 ذات مرة رأيت في مزرعة قرب يعفور سمكاً، صاد بعض من في المزرعة سمكاً من هذا السمك وأرادوا فوراً أن ينظفوها، بحجة استغراقها وقتاً طويلاً لتموت، قلت: فما المانع أن تنتظر ولا تعذب مخلوقاً، انتظر حتى تموت الأسماك، هو يريد أن يفتح البطن وهي حية، فهذا تعذيب لبعض خلق الله، أشاهد أحياناً بائع فراريج يذبح الفروج ويلقيه فوراً بماء يغلي، قبل أن يموت، إن هذا خطأ يحاسب الله عليه، فاخذر. قال تعالى:
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)﴾
(سورة الحج)
 لماذا الدين ضروري ؟ هذا مخلوق، قدم جسمه لك، فوق هذا المعروف تسلقه حياً بالماء المغلي، بعد أن تذبحه وقبل أن يموت لاتضعه في البرميل الذي يغلي غلياناً، والله كبير وشديد العقاب، ففي الحديث الشريف:
((عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))
(صحيح مسلم)
 هذا هو الشكر..
 إذا عرفت الله عز وجل ورأيت فضله عليك، فقد عرفت كيف تتعامل مع مخلوقاته أياً كانت، أقرأ هذه الآية مثلاً:
﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾
(سورة النساء)
 والله إني أقرأها عشرات المرات ولا أشبع منها:
﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾
 أوجدك من عدم، عمرك الآن ثلاثون سنة، افتح كتاباً قد طبع سنة ألف وتسعمائة وثمانيةٍ وخمسين، فأثناء صف الحروف أين كنت أنت ؟ أكان لك وجود ؟ أكان لك ذكر ؟ أكان لك حجم ؟ أكان لك جرم ؟ أكان لك أهمية ؟ لم تكن موجوداً كلك، قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾
(سورة الإنسان)
 فأنعَمَ الله عليك بنعمة الوجود، وأعطاك صورة قال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾
(سورة غافر)
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾
(سورة البلد)
 يقولون إن بشار بن برد خاط ثوباً عند خياط أعور، لبس الثوب تضايق منه لا قصير ولا طويل، قال له والله لأهجونك ببيت لا تعرفه أمدحاً كان أم ذماً قال:
خاط لي زيد قباء  ليت عينيه سواء
***
 قباء ثوب، ليت عينيه مثل بعضهما بعضاً، فيا ترى هذا مدح أم ذم، فالبيت قد يكون مدحاً ويصح أن يكون ذماً، عينان، وبالعينين ترى البعد الثالث، بعين واحدة حاول أن تدخل الخيط في ثقب إبرة، فسوف يأتي الخيط بعيداً عن الإبرة عشرة سانتيمرات بالعينين تلقى البعد الثالث، بالعينين العملية دقيقة جداً، مرتكز خيال العينين فيه انزلاق بسيط جداً، هذا الانزلاق يعطيك البعد الثالث.
 له عينان يعني له شكل حسن، فالنبي الكريم كلما رأى وجهه في المرآة يقول:
((عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))
 أعطاك صورة أعطاك عقلاً أعطاك قلباً ورئتين... ألخ، شكا لي رجل بعض همومه فقلت له: أتحتاج صماماً لقلبك ؟ قال لا، قلت له أتحتاج أن تغسل كليتيك كل أسبوع ؟ قال: لا، قلت: أنت في نعمة عظيمة إذاً فاحمد الله تعالى.
 الذي ليس مضطراً أن يضع صماماً أو ليس بحاجة لإجراء عملية قثطرة في لندن ويدفع مليون ليرة، وليس مضطراً أن يغسل كليتيه كل أسبوع مرتين ويترقب الآلة هل تعطلت أولم تتعطل، وليس مضطراً أن يحمل غائطه بيده، وليس مضطراً وليس مضطراً...، فاليسجد لله ويقبل الأرض ويشكر الله عز وجل.
 إن العبد إذا أطاع ربه ثم إن الرب تعالى كافأه على طاعته كان ذلك شكراً للعبد. فكيف بالجزاء الأوفى الذي سيجزي الله به عباده، فهذا يعنى أن الله شكور.
 و الشكر المُفسّر بالثناء، يعني إذا عملت عملاً طيباً لك الجنة أنفقت من مالك لك جنة عرضها السماوات والأرض، أنفقت من وقتك أنفقت من خبرتك من علمك، عاونت، أخلصت، أتقنت عملك، ونصحت المسلمين، يعني قدمت الحد الأدنى، كأن تكون لك مهنة تتقنها ثم تعمل العمل بإتقانٍ وتأخذ أجراً معتدلاً، فالحد الأدنى أن تنفع المسلمين بطريقة ما.
 إذا اشتريت قماشاً رديئاً( ستوك ) من اليابان، صنعت منه قميصاً وبعته بمائة وخمسين ليرة، يعني بسعر زهيد مغرٍ، فلبسه من اشتراه مرتين وبحركة بسيطة تمزق وتلف، فأنت مؤذٍ! فاحرص على أن يكون عملك نافعاً لتنال شكر الله والعباد.
 اشترى أحدهم كراسي للجلوس، ووضعها في غرفة الضيوف، ولأول سهرة جلسوا على كرسي انكسر، فهذا غش فاضح.
ومن غش المسلمين بل مَن غش الناس أياً كانوا يكن مسيئاً، الحد الأدنى أن تتقن عملك وتأخذ ثمناً معتدلاً وبها تكون قد قدمت خدمة للمسلمين، وصنعت معهم صنيعاً حسناً.
 أحدهم اشترى جرابات صوف ثمن الزوج ستين ليرة أو سبعين، ما إن لبسهما ثلاث مرات حتى تقطعت فما السر ؟ فالخيط خيط " براتو " وهذا " شراطيط " من إيطاليا يعالجونها ويصنعون منها غزلاً، هذا الخيط غير جيد غير صالح للارتداء وجد جرابات سميكة وألوانها جميلة يدفع ثمنها ستين لَبِسَهُا ثلاث مرات انتهت، الذي يَغُش خلق الله فسيعاقبه الله، لِمَ تخدعهم و تبتز أموالهم ؟ رجل فقير أجره محدود، قطع من ثمن طعامه وشرابه واشترى هذه البذلة فمن أول غسلة انعدمت. ما هذا ؟ إنه غش وتعد على الآخرين. فاحذر، فالله تعالى يقول:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾
( سورة الشورى: من آية " 40 " )
 فالحد الأدنى أن تتقن عملك، وأن تتقاضى ثمناً معتدلاً، والحد الأعلى حدث ولا حرج، تطعم الطعام تعين الضعيف: " ليس كل مصل يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي ".
 حدثني أخ والقصة قديمة منذ عقدين تقريباً أثناء أحداث لبنان قال: جئت من " الهامة " فرأيت رجلاً واقفاً في ضاحية " دُمر " أيام البرد الشديد حاملاً طفلاً صغيراً يلفه بسترته، وبجانبه امرأة، وكانت الساعة الثانية عشر ليلاً، فقلن أوصلهم لدارهم، وإذا بالطفل حرارته مرتفعة جداً، واحدة وأربعون درجة وهذان أبواه أتيا من لبنان أثناء أحداث لبنان، سكنا في بيت في دمر ولا يعرفان أحداً في الشام، قال أركبتهم بالسيارة وأخذتهم إلى طبيب مناوب عالج الصغير واشترينا الدواء من صيدلية مناوبة، ذهبنا إلى مشفى لأعطي الطفل إبرة، وانتهينا الساعة الرابعة صباحاً، بقيت أسبوعين أو ثلاث مغموراً بسعادة لا تُوصف.
 يقول بعضهم: والله نحنُ نُريد السعادة، السعادة بين يديك، إذا أردت أن تَسعَد فأسعد الآخرين، كل واحد منا يذوق لذة الأخذ، هو يقبض المال فيفرح ويمرح ولكن ما أحد ذاق لذة العطاء، العطاء له لذة أكثر، العطاء تمسح به جراح أسرة، فمثلاً شخص لهفان تحل له مشكلته، بلا مأوى أمّنت له بيت، بلا زوجة ساعدته على الزواج، أو رجل مريض دللتَهُ على طبيب مُخلص لا يَغُشُّهُ، لا يبتزّ أمواله، له قضية بالقضاء دللتَهُ على محامٍ صادق.
 لا تعرف طعم السعادة حقاً إلا إذا خدمت الناس.
 مرةً سمعت متهجداً، يقول: يا رب لا يحلو الليل إلا بالتهجد لك، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك. هذا إن كان صادقاً فيما يقول وفعلاً طبق ما يقول، هنيئاً له. وهكذا كن.
 على المسلم أن يزور مريضاً أو أن يقدم معونةً:
(( والله لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا ))
 هذا الحديث الشريف لا أشبع منه.
 صيام شهر من صيام رسول الله واعتكاف شهر..
(( لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا ))
 الشُكر الثاني: أيها الإخوة أن تُثني على الله: يا رب أنت اللطيف، أنت الرحيم، أنت القوي، أنت الغني، أنت الرؤوف، يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، يا غفار الذنوب، يا ستار العيوب، أنت الذي تعطي ولا تسأل، تحلُم ولا تعجل.
 لسانك ينطلق: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، يعني إذا أثنيت على الله، هذا شُكر أيضاً.
 يا ربي لقد خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عني، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك.
 يعني أن ينطلق لسانك بذكر الله بالثناء عليه، يا رحمن الدنيا والآخرة، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أعوذ بك من أن تنزل بي سخطك أو أن تحل بي غضبك، لك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك هي أوسع لي.
 إذا رأيت مؤمناً من غير رواد جامعك ومن غير جماعتك، ورأيته مستقيماً محباً لله إن لم تحبه فلست مؤمناً، لما تُعمّق انتماءك فقط لجماعتك فأنت طائفي، أنت عُنصري محدود الأفق، بل عليك أن تنطلق إلى الناس جميعاً.. فالدعوة عامة..
((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا قَالَ قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ.... ))
 الإسلام للناس جميعاً، يجب أن تعمل تحت ضوء الشمس، لا مُعميات في الإسلام، كل شيء واضح، خالق الكون هذا كتابه وهذا منهجه وهذه سُنّة نبيه، فأنا أُلِح ألا يقتصر العمل الطيب على من يلوذ بك أو ممن تعرف من العباد، لا.. بل خيرك للناس كافة، ولا تدري في أية لحظة يُشرق في نفس هذا الإنسان الذي أسديت إليه الجميل ؛ فهذا هو الإيمان لعلَّ الله عز وجل يهدي بك وأنت لا تدري.
 فمثلاً كان لأبي حنيفة النعمان جارٌ مغنٍ تارك صلاة شارب خمر لا ينيمه الليل وطول الليل يغني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا  ليوم كريهة وطعان خلس
***
 ذات ليلة لم يسمع أبو حنيفة غناء في البيت المجاور، يعني أن المغني لديه عارض عرض له، تفقده فوجده في السجن لقضية ما، فذهب إلى مدير السجن وشفع له، مدير السجن لم يُصدّق، وجد الإمام الأعظم عنده في المكتب، فأطلق إكراماً له كل من أُلقي القبض عليهم في تلك الليلة، وهو في طريقه قال له: يا فتى هل أضعناك.. نسيناك، فكان هذا المعروف سبباً لتوبته.
 اجتهادك وبطولتك ليس في إسداء خدمةٍ لمؤمن، المؤمن سوي مثلك، تجلس إلى مؤمن فتقول: لقد أقنعته، وهو قانع أصلاً قبل أن تؤثر فيه، إذا كنت بطلاً تُقنع إنساناً تارك صلاة، تُقنع إنساناً عنده شكوك بالله عز وجل، هُنا البطولة، أن تُدخل على المجتمع المؤمن عنصراً جديداً، تجلس إلى عدو للدين عنده شبهات ولا يعبأ بالعلماء ولا يعبأ بالدين تقنعه تحلم عليه وتعطيه الأدلة القطعية، ويرى منك خُلُقاً حسناً، لمدة شهر أو شهرين أو ثلاثة فيشرح الله صدره، ومن بعد يصلي ثم يتوب، ويأتي إلى المسجد، ويعتاد المساجد وحلقات العلم، فهذه البطولة حقاً وليست البطولة أن تُفسد الناس على شيوخها، ولا الشيوخ على تلاميذها لا. فأنت مهمتك أن تُحدث عنصراً جديداً في المؤمنين البطولة على قدر المشقة وبحجم العمل الإيجابي النافع.
 مرة ذكرت لجلسائي كلمة قالها رجل يدعو إلى الله عز وجل، قال لتلميذه: يا بني السليم لا يحتاجُك، يحتاجك السقيم السيء، فالفهيم والذكي والمتفوق والورع والتقي والنقي، إذا حدثته عن الله فأبكيته فماذا فعلت ؟ عنده مشاعر ولديه عواطف صادقة فلما ذكّرته تأثّر، أما إذا كنت تستطيع أن تجلس مع البعيدين والمنكرين والمتشككين تمنحهم من علمك وأدلتك وحجتك، وتزيل عنهم كل الشبهات وتأخذ بيدهم درجة درجة، مرحلة مرحلة، تأخذ بيدهم، تعينهم، تكرمهم، حتى يحبوك، وترقى بالعليل والسقبم إلى السعادة فهذا العمل طيب مشكور.
 وبعد، فإن الشُكر يكون بالثناء بالثناء، فالربّ سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبده فقد شكره، أنت تثني على الله في مجالسك والناس يحبونك يحبونك لأحاديثك هذه ويمدحونك في غيبتك، هذا شُكر الله لك، إذا أحسنت للعباد يُحسن الله إليك:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)﴾
(سورة الرحمن)
 والإمام الغزالي له كلمة، قال: " إذا كان الذي أخذ فأثنى شكوراً فالذي أعطى وأثنى أولى أن يكون شكوراً ".
 فالذي قبض القبضة قال شكراً، والذي أعطاك، وبعد أن أعطاك وسمع ثناءك أثنى عليك، أيهما أحق أن يكون شكوراً أكثر، فالله الذي أعطى سبحانه وتعالى هو الشكور، فالذي أخذ فأثنى على الله يُعد شكوراً، أما الذي أعطى وأثنى مرتين هذا هو الشكور، مرةً أكرمه بعطاءٍ مادي، ومرةً أثنى عليه عند الخلق.
 لذلك: وفي البخاري: يقول الله عز وجل:
((من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ))
 أنت تكلّمت بين خمسة طلاب أو ستة، والله عز وجل جعل ذكرك بين ثلاثة مئة رجل، فلما ذكرت قام أحدهم وتكلّمَ عنك كلاماً تعطّرَ المجلس بِذكرك، الله شكور، أنت أثنيت على الله أمام خمسة أشخاص من عامة الناس، والله عز وجل أثنى عليك أمام عَلية القوم،
(( ما ذكرني عبدي في نفسه إلا ذكرته في نفسي، ولا ذكرني عبدي في ملأ من خلقي إلا ذكرته في ملأ خير منهم ))
 هذا هو الشكور، إن عملت يعاملك بالإحسان فهو شكور، وإن تحدثت عن الله عز وجل يعاملك بالعرفان فهو شكور.
 الشكر يتوجه لمن ؟ إما إلى الخالق وإما إلى المخلوق، ومن ثم فشكر الخالق مستحيل، أي أنك يستحيل عليه أن توفيه بشكرك له، لماذا ؟ قالوا: لأن شُكر النعمة مشروط بمعرفة هذه النعمة، وما دامت معرفة النعمة مستحيلة فالشُكر مستحيل، والدليل:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)﴾
(سورة النحل)
 أعرف قريباً لي هو طالب طب في السنة الرابعةُ، صحته جيدة جداً ووجهه نضر، أصابه فقر بالدم، غذاؤه درجة أولى، ثم صار ينتقل من طبيب إلى طبيب إلى طبيب بقي ستة شهور، بعد ذلك قال له طبيب: لعل الطحال له مشكلة، فأخذوا عينة منه وفحصوه، فماذا في الطحال ؟ الطحال هو في الأصل مقبرة لكريات الدم الحمراء الميتة، فصار هذا الطحال يأخذ كرية حمراء حية يميتها حتى يضعها في المقبرة عنده، كمقبرة بنيناها حديثاً ولا يوجد موتى تعال إلى هنا اقتلوه وادفنوه، لأننا نُريد أن نملأها فكلها قبور فارغة هذا الطحال عبارة عن نصف أوقية من الحم، مهمته مستودع للدم ومقبرة للكريات الحمراء، اختل توازنه قليلاً فصار يأخذ كريات حية ويدمرها ليحللها ويبعث بها إلى الكبد والدم فتوفي قريبي. ما مرضه ؟ نشاط في الطحال زائد فقط.
 وأنت عزيزي القارئ انظر إلى نعم الله عليك، فإذا أردت أن تجري إحصاء: فالطحال والكلية والكظر مركز التوازن، مركز توازن السوائل، مراكز عديده في جسمك، وبإيجاز: إنك إن تعد نعمة الله عليك لا تحصيها.
 ما دام يستحيل عليك أن تعرف نعمة الله كما هي إذاً يستحيل أن تشكر الله حق الشُكر، لهذا ماذا قال النبي:
((سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.))
 الشكر مستحيل، أي توفي الله حقه من الشكر، مستحيل هذه واحدة.
 الثانية: الشُكر نعمة من الله، فأنت تشكُر على نعمة والشُكر نفسه نعمة، فأنت في نِعم، يا رب كيف أشكرك وشُكرك لا يتم إلا بنعمة منك جديدة، إذاً أنت مفتقر إلى أن تكون شاكراً لله عز وجل.
 هناك نقطة دقيقة وهامة: رؤية النعمة نعمة، الله عز وجل يعطيك مع استغنائه عنك، لكنك تشكُرَهُ مع افتقارك إليه وشتان بين هذا وذاك، وهناك أدلة كثيرة على أنه يستحيل أن تشكُر الله كما ينبغي، لكن أخذ القليل خير من ترك الكثير، وما دام مستحيلاً أن تشكُر الله كما ينبغي فلذلك قل: يا رب لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، يا رب ليس في قدرتي أن أشكرك كما ينبغي لكن أشكرك بقدر ما أعلم وبقدر ما أستطيع.
 آخر ما ينبغي شد أفكار القارئ إليه بالموضوع يتلخص بالسؤال التالي والإجابة عليه: أسدى مخلوق إليك نعمة فلمن الشُكر ؟ الجواب: لله فقط. فهذا المخلوق الذي أكرمك مِن خلقه، أعطاه الله عز وجل قوةً وحياةً، والله عز وجل هو الذي سمح له أن يخدمك، كما ألهمه أن يخدمك، بماذا خدمك ؟ أعطاك مثلاً طعاماً، من خلق الطعام؟ الله عز وجل، أعطاك مالاً وهذا المال قيمته بقيمة مشترياته، من خلق النِعم ؟ الله عز وجل، أعطاك طعاماً كيف تأكل الطعام ؟ تحتاج إلى أجهزة ؟ إذاً الذي خلق والمُنعِم هو الله، والذي أَلهَمَهُ هو الله، والذي مَكَنَهُ هو الله والذي خَلَقَ النِعمة التي هي موضوع عطائُك هو الله، والذي مكّنَكَ من أن تستفيد من هذه النعمة هو الله، إذاً الشُكر لله عز وجل، ولكن هذا المخلوق مادام مُخيّراً، إذاً يستحق أن تشكُرَهُ بعد الله عز وجل، فالشُكر لا تقل لله وفلان، بل قل لله ثم لفلان.
 هذه ( ثم ) ضرورية جداً، الحمد لله على هذه النعمة التي أنعم الله بها علي ثم الشكر لفلان الذي جاءتني عن طريقه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ ))
 لو فرضنا جاءك معروف من جماد، رجل ماشٍ في طريق مر بشرفة من إسمنت ومشى تحتها فوقع حجر من آخر البناية عليه، هذه الشرفة تلقت الحجر، لولا هذه الشرفة لهلك، فهل يشكر الشرفة ويقول: الله يجزيك الخير لأنك في هذا المكان، هذه شرفة جامدة لا تعقل، إذا جاءك خير من جماد أو من حيوان أو من مخلوق غير مكلف فالشُكر لله فقط، أما إذا جاءك خير من مخلوق مكلّف مخيّر، قلت: ما دخله إن الله سخّرَهُ ليّ، فهذا منتهى الوقاحة ومنتهى الجحود، إذا جاءك الخير من إنسان مكلّف يجب أن تشكُرَ الله لأنه خَلَقَهُ، وألهَمَهُ، وسَمَحَ لَهُ، ومَكَّنُه، وخَلَقَ الله النِعمة التي بين يديه وجعلك تنتفع بها، كله لله لكن ما دام مخيّراً وقدّمَ لك هذه النِعمة باختياره إذاً نزجي له الشُكر ثانياً بعد الله عز وجل.
 وبعد، وقفه أخيره بالموضوع وهي لطيفة ؛ موازنة بين نعمة أسداها الله إليك ونعمة أسداها زيد إليك، قالوا: أولاً إن إنعام الأمير مكدر من وجوه أحدها أنك ربما احتجت إلى شيء ولا يعطيك إيّاه لأنه محتاج إليه، مرة كنت في الحج احتجتُ إلى ليتر ماء، فسألت حاجاً قال: والله يلزمني الماء، شكراً فمعه حق لأن الماء يلزمه. فأنت قد تطلب من إنسان شيئاً هو بحاجة إليه، وإن كنت بالمطار مثلاً وأردت أن تكتب بطاقة وليس معك قلم، فتقول لواحد: إذا سمحت أريد قلمك، يقول لك: أحتاجُهُ والله، فأنت إذا طلبت من إنسان حاجة قد يكون هو محتاج إليها فلا يعطيك إياها، أما إذا سألت الله عز وجل، فإنه يلبيك ولا يمنعك، وهذا أول فرق.
 الأهم من ذلك أنه يمكن لفلان أن يعطيك، ولكن فلاناً ليسَ حاضراً الآن، فأنت مسافر وهو بالشام وعطاؤه مستحيل لبعد المسافة بينكما أما الله فهو معك دائماً، هذه النقطة الثانية، النقطة الأولى قد يكون الشخص قادراً على العطاء لكن الشيء محتاج إليه قبلك، النقطة الثانية أنك قد لا تستطيع أن تصل إلى هذا المنعم لسبب ما.
 النقطة الثالثة ؛ أنك إذا قصّرتَ مع إنسان فإنه يقطع عنك فوراً، لكن الله تعالى قال:
((عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))
 والأمير إذا أعطى يقول لك: اللحم الذي على أكتافك من خيري، معلم عنده أجير، يمنُّ عليه، وإذا أعارَهُ بذلة، فإنه يمن عليه بها أمام الناس، ويفَضَحَهُ أمام الناس، كأن يقول له: حافظ عليها ولا تفسدها.
 فأول نقطة أن الأمير قد لا يعطي لأنه بحاجة لهذا الشيء، وقد لا تستطيع أن تصل إليه، وإذا قصّرتَ في خدمته حَرَمَكَ هذا العطاء وقد يمنُّ عليك.
 وفي ختام معالجتنا للموضوع أقول: الشكور الذي إذا نَوَّل أجزل، وإذا أطيع بالقليل قبل وهو الذي يقبل القليل ويعطي الجزيل، وهو الذي يقبل اليسير من الطاعات ويعطي الكثير من الدرجات، وقيل حقيقة الشُكر الغَيبة عن شهود النعمة بشهود المنعم.
 الدول البعيدة العلمانية ماذا ترى بعينيها ؟ النعمة فقط، وكل شيء ثمين عندها وله ثمن بينما المؤمن ماذا يرى ؟ المُنعِم، وملخّص الدرس كله، أنك إذا استطعت أن تتجاوز النعمة إلى المُنعم فأنت شكور.
 يسمع أحدنا النشرة الجوية أن هناك منخفضاً، وأمطاراً، وثلاثون ميلمتر مليمتر من الأمطار نزل، فهو في النشرة مع النعمة وفي النعمة، أما المؤمن يا رب لك الحمد، سمعتأنهم صلوا في دمشق صلاة الشُكر على هذه الأمطار، إذ وصل المعدل اثنى عشر ميلمتراً، في مطار دمشق والمزة، و ميلمتر واحد من قبل صارت ثلاثة عشر ميلمتراً. الحمد لله فهذا الشُكر ونحن بأمس الحاجة لهذا الوعظ لاقتناص العبرة