الخميس، 15 مارس 2012

موسوعة الفقه : باب الصلح

الصلح

.تعريفه: الصلح في اللغة: قطع المنازعة.
وفي الشرع: عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين.
ويسمى كل واحد من المتعاقدين مصالحا.
ويسمى الحق المتنازع فيه، مصالحا عنه.
وما يسمى يؤديه أحدهما لخصمه قطعا للنزاع: مصالحا عليه أو بدل الصلح.

.مشروعيته:
والصلح مشروع بالكتاب والسنة والاجماع من أجل أن يحل الوفاق محل الشقاق، ولكي يقضي على البغضاء بين المتنازعين.
ففي الكتاب يقول الله سبحانه وتعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين}.
وفي السنة يروي أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن حيان عن عمرو بن عوف أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما».
وزاد الترمذي: «والمسلمون على شروطهم» ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.
وقال عمر،، رضي الله عنه: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن».
وقد أجمع المسلمون على مشروعية الصلح بين الخصوم.

.أركانه:
وأركان الصلح: الايجاب والقبول بكل لفظ ينبئ عن المصالحة، كأن يقول المدعى عليه: صالحتك على المائة التي لك عندي على خمسين.
ويقول الاخر: قبلت. ونحو ذلك.
ومتى تم الصلح أصبح عقدا لازما للمتعاقدين، فلا يصح لاحدهما أن يستقل بفسخه بدون رضا الاخر، وبمقتضى العقد يملك المدعي بدل الصلح ولا يملك المدعى عليه استرداده وتسقط دعوى المدعي فلا تسمع منه مرة أخرى.

.شروطه:
من شروط الصلح ما يرجع إلى المصالح، ومنها ما يرجع إلى المصالح به، ومنها ما يرجع إلى المصالح عنه.

.شروط المصالح:
يشترط في المصالح أن يكون ممن يصح تبرعه، فلو كان المصالح ممن لا يصح تبرعه مثل: المجنون أو الصبي أو ولي اليتيم أو ناظر الوقف، فإن صلحه لا يصح لأنه تبرع، وهم لا يملكونه.
ويصح صلح الصبي المميز وولي اليتيم وناظر الوقف إذا كان فيه نفع للصبي أو لليتيم أو للوقف، مثل أن يكون هناك دين على آخر وليس ثمة أدلة على ثبوت هذا الدين، فيصالح المدين على أخذ بعض دينه وترك البعض الاخر.

.شروط المصالح به:
1- أن يكون مالا متقوما مقدور التسليم، أو يكون منفعة.
2- أن يكون معلوما علما نافيا للجهالة الفاحشة المؤدية إلى النزاع إن كان يحتاج إلى التسلم والتسليم.
قال الأحناف: فإن كان لا يحتاج إلى التسليم والتسلم فإنه لا يشترط العلم به، كما إذا ادعى كل من رجلين على صاحبه شيئا، ثم تصالحا على أن يجعل كل منهما حقه بدل صلح عما للاخر.
ورجح الشوكاني جواز الصلح بالمجهول عن المعلوم.
فعن أم سلمة، رضي الله عنها، قالت: «جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فإ مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنكم تختصمون إلى رسول الله، وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة. فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لاخي. فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق. ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه». رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
وفي رواية لابي داود: «وإنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه».
قال الشوكاني: وفيه دليل على أنه يصح الابراء عن المجهول، لان

الذي في ذمة كل واحد ههنا غير معلوم. وفيه أيضا صحة الصلح بمعلوم عن المجهول. ولكن لا بد مع ذلك من التحليل. وحكي في البحر عن الناصر والشافعي أنه لا يصح الصلح بمعلوم عن مجهول. انتهى.

شروط المصالح عنه الحق المتنازع فيه:
ويشترط في المصالح عنه الشروط الاتية:
1- أن يكون مالا متقوما أو يكون منفعة، ولا يشترط العلم به لأنه لا يحتاج فيه إلى التسليم.
فعن جابر أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، قال: فأتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحلوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي، صلى الله عليه وسلم حائطي، وقال: سنغدو عليك، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة. فجذذتها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها.
وفي لفظ «أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشفع له إليه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلم اليهودي ليأخذ ثمرة نخله بالذي له فأبى، فدخل النبي، صلى الله عليه وسلم، النخل فمشى فيها ثم قال لجابر: جذ له فأوف له الذي له، فجذه بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت سبعة عشر وسقا» رواه البخاري.
قال الشوكاني: وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول.
2- أن يكون حقا من حقوق العباد يجوز الاعتياض عنه ولو كان غير مال كالقصاص. أما حقوق الله فلا صلح عنها.
فلو صالح الزاني أو السارق أو شارب الخمر من أمسكه ليرفع أمر إلى الحاكم على مال ليطلق سراحه فإن الصلح لا يجوز، لأنه لا يصح أخذ العوض في مقابلته. ويعتبر أخذ العوض في هذه الحال رشوة.
وكذلك لا يصح الصلح عن حد القذف لأنه شرع للزجر وردع الناس عن الوقوع في الاعراض، فهو وإن كان فيه حق للعبد ولكن حق الله فيه أغلب.
ولو صالح الشاهد على مال ليكتم الشهادة عليه بحق لله تعالى أو بحق لادمي فإن الصلح غير صحيح لحرمة كتمان الشهادة.
قال تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه}. وقال، جل شأنه: {وأقيموا الشهادة لله}. ولا يصح الصلح على ترك الشفعة. كما إذا صالح المشتري الشفيع على شيء ليترك الشفعة فالصلح باطل، لأن الشفعة شرعت لازالة ضرر الشركة ولم تشرع من أجل استفادة المال، وكذلك لا يصح الصلح على دعوى الزوجية.

.أقسام الصلح:
الصلح إما أن يكون صلحا عن إقرار، أو صلحا عن إنكار، أو صلحا عن سكوت.

.الصلح عن إقرار:
والصلح عن إقرار: هو أن يدعي إنسان على غيره دينا أو عينا أو منفعة فيقر المدعى عليه بالدعوى ثم يتصالحا على أن يأخذ المدعي من المدعى عليه شيئا لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه أو بعضه.
قال أحمد رضي الله عنه، ولو شفع فيه شافع لم يأثم، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم كلم غرماء جابر فوضعوا عنه الشطر.
وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر.
يشير الإمام أحمد إلى ما رواه النسائي وغيره عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو في بيته، فخرج إليهما وكشف سجف حجرته فنادى: «يا كعب قال: لبيك يا رسول الله. قال: ضع من دينك هذا. وأومأ إلى الشطر. قال: لقد فعلت يا رسول الله. قال: قم فاقضه».
ثم إن المدعى عليه إن اعترف بنقد وصالح على نقد فإن هذا يعتبر صرفا ويعتبر فيه شروطه، وإن اعترف بنقد وصالح على عروض أو بالعكس فهذا بيع يثبت فيه أحكامه كلها.
وإن اعترف بنقد أو عرض وصالح على منفعة كسكنى دار وخدمة فهذه إجارة تثبت فيها أحكامها، وإذا استحق المصالح عنه، الحق المتنازع فيه، كان من حق المدعى عليه أن يسترد بدل الصلح لأنه ما دفعه إلا ليسلم له ما في يده.
وإذا استحق البدل رجع المدعي على المدعى عليه لأنه ما ترك المدعى إلا ليسلم له البدل.

.الصلح عن إنكار:
والصلح عن إنكار: هو أن يدعي شخص على آخر عينا أو دينا أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحا.

.الصلح عن سكوت:
والصلح عن سكوت: هو أن يدعي شخص على آخر ما ذكر فيسكت المدعى عليه، فلا يقر ولا ينكر.
حكم الصلح عن إنكار وسكوت: وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى جواز الصلح عن الانكار والسكوت.
وقال الإمام الشافعي وابن حزم: لا يجوز إلا الصلح عن إقرار.
لان الصلح يستدعي حقا ثابتا ولم يوجد في حال الانكار والسكوت.
أما في حال الانكار فلان الحق لا يثبت إلا بالدعوى وهي معارضة بالانكار، ومع التعارض لا يثبت الحق.
وأما في حال السكوت فلان الساكت يعتبر منكرا حكما حتى تسمع عليه البينة.
وبذل كل منهما المال لدفع الخصومة غير صحيح. لأن الخصومة باطلة، فيكون البذل في معنى الرشوة، وهي ممنوعة شرعا لقول الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون}.
وقد توسط بعض العلماء فلم يمنعه بإطلاق ولم يبحه بإطلاق.
فقال: والأولى أن يقال: إن كان المدعي يعلم أن له حقا عند خصمه جاز له قبض ما صولح عليه.
وإن كان خصمه منكرا وإن كان يدعي باطلا فإنه يحرم عليه الدعوى، وأخذ ما صولح به.
والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه، وإنما ينكر لغرض وجب عليه تسليم ما صولح عليه.
وإن كان يعلم أنه ليس عنده حق جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريمه وأذيته.
وحرم على المدعي أخذه. وبهذا تجتمع الادلة: فلا يقال الصلح على الانكار لا يصح، ولا أنه يصح على الاطلاق. بل يفصل فيه.
والذين أجازوا الصلح عن إنكار أو سكوت قالوا: إن حكمه يكون في حق المدعي معاوضة عن حقه.
وفي حق المدعى عليه افتداء ليمينه وقطعا للخصومة عن نفسه.
ويترتب على هذا أن بدل الصلح إذا كان عينا كان في معنى البيع، فتجري عليه جميع أحكامه.
وإن كان منفعة كان في معنى الاجارة فتجري عليه أحكامها.
وأما المصالح عنه فإنه لا يكون كذلك لأنه في مقابلة انقطاع الخصومة وليس عوضا عن مال، ومتى استحق بدل الصلح رجع المدعي بالخصومة على المدعى عليه، لأنه لم يترك الدعوى إلا ليسلم له البدل.
ومتى استحق المصالح عنه رجع المدعى عليه على المدعي لأنه لم يدفع البدل إلا ليسلم له المدعى، فإذا استحق لم يتم مقصوده، فيرجع على المدعي.

.الصلح عن دين المؤجل ببعضه حالاً:
ولو صالح عن الدين المؤجل ببعضه حالا لم يصح عند الحنابلة وابن حزم.
قال ابن حزم في المحلي: ولا يجوز في الصلح الذي يكون فيه إبراء من البعض شرط تأجيل أصلا، لأنه شرط ليس في كتاب الله. فهو باطل.
ولكنه يكون حالا في الذمة ينظره به ما شاء بلا شرط، لأنه فعل خير.
وكرهه ابن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو حنيفة.
وروي عن ابن عباس، وابن سيرين والنخعي: أنه لا باس به.