الثلاثاء، 24 يناير 2012

أماكن ومعالم : المسجد الحرام والكعبة المشرفة


المسجد الحرام والكعبة الشريفة

نبدأ أماكن ومعالم بأطهر وأشرف بقعة على الأرض ألا وهو المسجد الحرام
 
تاريخ الحرمين الشريفين

ذكر الكعبة البيت الحرام /218 أول بيت وضع للناس، ورفع عـلى قديم الأسـاس، بني مثالا للبيت المعـمور، ودعى إليه كل مأمور، وأذن إبراهيم صلوات الله عليه بالحج، ودعا إليه الناس فأتوه من كل فج، حجته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم، ويقـال أنه لم يبق نبي حتى حـجه، ويعـد عدة أنبيـاء دفنوا في الحجـر منه، ولم تزل شعـائره مكرمة، ومشاعره محرمـة، عظم في الجاهلية والإسلام، وحرم من حيث بنيت الأعلام
ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب وهو البـيت المحجـوج المحجـوب، والمقصـود بالزيارة قصـد الوجوب، وبه الحجـر الأسود الذي هو يمين الله في أرضـه، والشاهد لمن حج وقبله بأداء فرضه، سـماء الدعاء، وحرم تحريم الدماء، يأمن به الحمام ساكنا، ومن دخله كان آمنا. - ص 9 -قال الله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسـول الله: أي مسـجـد وضع في الأرض؟ رواه البخاري وأبو عروبة وزاد: (وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد). قال ابن جـرير الطبري اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس فقال بعضهم: تأويله أن أول بيت وضع للناس يعبـد الله فيه، مـباركا وهدى للعالمين للذي ببكة، قالوا: وليس هو أول بيت - ص 10 -وضع في الأرض لأنه قـد كان قـبله بيوت كـثيـرة. ثم أسند هذا القول عن علي بـن أبي طالب والحسن ومطر وسعيد وأظنه ابن جبير، ثم قال: وقال آخرون: بل هو أول بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في صفة وصفه أول، فـقال بعـضهم: خلقه قبل الأرض، ثم دحـيت الأرض من تحته. وأسند هذا عن عبد الله بن عمرو بن العـاص، وقـال: خلق الله البـيت قـبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء، على زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. ونـحوه عن مجاهد وقـتادة والسدي، وقال آخـرون: موضع الكعبـة موضع أول بيت وضـعه الله في الأرض. وأسند عن قـتادة قـال: ذكـر لنا أن البـيت هبط مع آدم حين أهبط، قال الله: أهبط مـعك بيتي يطاف به كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حـتى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار مغمورا في السـماء، ثم إن إبراهيم تبع منه أثرا بعد ذلك فبناه على أساس قديم كان قبله. - ص 11 -وقوله تعالى: للذي ببكة يعني للبيت الذي ببكة، قال الـزمخـشري: وهو علم البلد الحـرام، ومكة وبكة لغتان، وقيل: مكة البلد وبكة مـوضع المسجد، وقيل: بكة موضـع البيت ومكة مـا حوله، وقيل: بكـة البيت والمسـجد ومكة الحـرم كله. وقـال عطاء بن أبي رباح: وجه آدم إلى مكة حـين استـوحش، فشكر ذلك إلى الله عز وجل في دعائه، فلما انتهى إلى مكة أنزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوته حتى بعث الله عـز وجل إبراهيم فـبناه. فذاك قـول الله تعـالى: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت رواه أبو عروبة. وروى أبو الوليد الأزرقي بسنده عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: إن الله تبارك وتعالى بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بناء في أرض تمثال البيت وقدره، وأمر الله من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. - ص 12 -قال: وكان هذا قبل خلق آدم عليه السلام، والله أعلم. وقيل: إن آدم أول من بناها، وقـيل: شيث بن آدم، وكانت قبل بنائه خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم. وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن قواعد البـيت من حراء. وذكر لنا أن البيت من خـمسة أجبل: حـراء ولبنان والجودي وطور سـيناء وطور زنتا. وقال ابن جريج: بني أساس البيت من خمسة أجبل. فـذكر مثله، ونقل السهيلي أن الملائكة كـانت تأتي إبراهيم عليه السلام بالحجارة.
وقـيل: رفعت الكعـبة في الطوفـان، وأودع الحجـر الأسـود أبا قبـيس وبقي موضـعـها ربوة حـجهـا هود وصالح، فيقال أن يعرب قال لهود: ألا تبينه؟ قال: إنما يبنيه نبي يتـخذه الله خليلا. ولما بناه إبراهيم دلتـه عليه السكينة وكانت تنزل عليه كالحجفة
قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قـال: المسجد الأقصى. قلت: كـم بينهما؟ قـال: "أربعون سنة"
 
 
وصف الكعبة
لما بناها إبراهيم الخليل عليه السلام
قـال الأندقي: لما بنى إبراهيم عليـه السـلام الكعبـة جعل طول بنائها في السـماء تسـعة أذرع وطولهـا في الأرض ثلاثين ذراعـا، وعرضـهـا في الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وكانت غير مسقوفة
 
 
وصف بناء قريش لها في الجاهلية
ثم بنتـها قـريش في الجاهليـة فزادت في طولهـا في السمـاء تسعة أذرع، فـصار ارتفاعـها في الهواء ثمـانية عشر ذراعا، ونقصوا من طولهـا في الأرض ستة أذرع وشبرا تركوها في الحجر
 
 
 
وصف بنائها في زمن عبد الله بن الزبير والحجاج بن يوسف
ولم تزل كـذلك حتى كـان زمن عـبد الله بن الزبيـر فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وزاد ارتفـاعها في الهـواء تسعة أذرع فصـار ارتفاعـها سـبعـة وعشـرين ذراعا ثم بناها الحجاج بن يوسف الثـقفي فلم يغير ارتفاعها ونقص الحجر وأعلاه كما كان في الجاهلية
 
 
 
تاريخ بناء الكعبة بالترتيب
واعلم أن الكعبة بنيت في الدهر خمس مرات

إحداهن: بناء الملائكة، وآدم وشيث على ما تقدم. الثانية: بناء إبراهيم. الثالثة: بناء قريـش، والسبب في ذلك أن الكعـبة استـهدمت وكانت فوق القامة وأرادوا تعليتها، وكان بابها لاصـقا بالأرض في عهـد إبراهيم وعهـد جرهم، إلى أن بنتـها قريش، فـقال أبو حـذيفة بن المغـيرة: يا قوم: ارفعوا باب الكعبة حتى لا يدخلها أحد إلا بسلم، فإنه لا يدخلها حينئـذ إلا من أردتم، فإن جاء أحد ممن تكرهونه رميتم به فسقط، وصار نكالا لمن يراه. فرفعت بابها وجعلت لهـا سقـفا، ولم يكن لهـا سقف، وزادت ارتفاعها كما تقدم، وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك - ص 16 -خمسا وعـشرين سنة، وقيل: خمسا وثـلاثين، فحضر البناء، وكـان ينقـل الحـجـارة مـعـهم كـمـا ثبت في الصحيح، وتنافـست قريش فيمن يضع الحـجر الأسود موضعه من الركن، ثم رضوا بأن يضعه النبي صلى الله عليه وسلم . الرابعة: بناء عبـد الله بن الزبير، والسـبب في ذلك على ما ذكر السـهيلي أن امرأة أرادت أن تجمـر الكعبة، فطارت شـررة من المجمـرة في أستارها فـاحتـرقت، وقيل: طارت شررة من أبي قبيس فوقعت في أستار الكعـبة فاحـترقت، فـشاور ابن الزبـير من حضـره في هدمهـا فهـابوا ذلك، وقالوا: نرى أن يصلح ما وهى منها ولا تهـدم. فقـال: لو أن بيت أحدكم احـترق لم يرض له إلا بأكمل إصـلاح، ولا يكمل إصلاحـها إلا بهدمـها، فـهدمـها حتـى أفضي إلى قواعـد إبراهيم، - ص 17 -فأمرهم أن يزيدوا في الحفر، فحـركوا حجرا منها فرأوا لجته نارا وهولا أفزعهم، فبنوا على القواعد. وفي الخـبر أنه سترها وقت حفـر القواعد، فطاف الناس بتلك السـتارة، ولم تخل من طائف، حـتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشـتد الحرب، وشغل الناس حـينئذ، فلم ير طائف يـطوف بها إلا جـمل! ثم بناها وألصق بابهـا بالأرض وعـمل لهـا خلفـا، أي بابا من ورائها، وأدخل الحـجر فـيها، وذلك أن خـالته عـائشة رضي الله عنها حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألم تر أن قـومك قـصرت بهم النـفقـة حـين بنو الكعـبة، فاقـتصروا على قـواعد إبراهيم ثم قـال: لولا حدثان قومك بالجاهلية لهدمتـها، وجعلت خلفا، وألصقت بابها بالأرض وأدخلت فيها الحجر فقال ابن الزبير: فليس بنا عجز عن النفقة، فبناها على مقتضى حديث عائشة. - ص 18 -وحكى أبو الوليـد الأزرقي أنه لما عزم على هدمـها، خرج أهل مكة إلى منى، فأقاموا بها ثلاثا خوفا أن ينزل عليهم عـذاب لهدمهـا، فأمر ابن الزبير بهدمها، فـما اجتـرأ على ذلك أحد، فـعلاها بنفـسه، وأخـذ المعول وجعل يهدمها ويرمي أحجارها، فلما رأوا أنه لا يصيبه شيء صعدوا وهدموا، فلما تم بناؤها خلقها من داخلها وخارجـها من أعلاها إلى أسفلـها، وكساها القباطي، وقال: من كـانت لي عليه طاعة فليـخرج فليعتـمر من التنعيم، ومن قدر أن ينحر بـدنه فليفعل، ومن لم يقدر فليذبح شـاة، ومن لم يقدر عليهـا فليتصدق بوسـعه. وخرج ابن الزبير ماشيا وخرج الناس مشاة فاعتمروا من التنعيم شكرا لله تعـالى، فلم ير يوم أكثر عتـيقا وبدنة منحورة وشـاة مذبوحة وصدقة من ذلك الـيوم، ونحر ابن الزبير مائة بدنة. قال السهيلي: ولما قام عـبد الملك بن مروان في الخلافة قال: لسنا من تخليط أبي خبيب بشيء، يعني عبد الله بن - ص 19 -الزبير، فـهدمها وأعادها على مـا كانت عليه في عـهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ارتفاعها، ثم جاءه الحارث بن أبي ربيعة المخزومي ومعه رجل آخـر، فحدثاه عن عائشة عن رسـول الله صلى الله عليه وسلم بالحـديث المتـقـدم، فندم وجـعل ينكث بمخـصـرة في يده الأرض ويقـول: وددت أني تركت أبا خـبيب ومـا تحمل، وتولى البـناء في زمن عبـد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو البناء: الخامس: الموجود الآن والذي هدمه الحجاج هو الزيادة وحدها، وأعاد الركنين، وسد البـاب الذي فتحه ابن الزبير، وسده بين إلى الآن، وجـعل في الحجر من البيت دون سـبعة أذرع، وعلامة ذلك فـي داخل الحجر لوحان مرمر منقوشان متقابلان في الحجر، وصار عرض وجهها - وهو الذي فيه الباب - أربعة وعشرين ذراعا. - ص 20 -وقيل أن الكعبة بنيت مرتين آخـرتين غير الخمس، إحداهما بناء العمالقة بعد إبراهيم، والثانية بناء جرهم بعد العمالقة. قال السهيلي: إنما كان ذلك إصلاحا لما وهى منه، لأن السيل قد صدع حائطه، وكـانت الكعبة بعد إبراهيم عليه السلام مع العمـالقة وجرهم إلى أن انقرضـوا، وخلفتهم فيها قـريش بعد استيلائهم على الحـرم لكثرتهم بعد القلة وعزهم بعد الذلة، وكان أول من جدد بناءها بعد إبراهيم قصي بن كلاب وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل. وروى الطبراني عن أبي سعيـد الخدري مرفوعا أن أول من جـدد الكعبـة بعد كـلاب بن مرة قـصي. وحكى السهيلي أن أول من اتخذ للكعبة غلقا تبع، ثم ضرب لها عـبد المطلب بابا من حـديد، وهي الأسياف القلعـية التي كـانت مع الغـزالين الذهب، وهو ما استـخرجـه عبد المطلب من بئر زمزم كما احتفرها بعـد ما طمها - ص 21 -الحـارث بن مـضاض، لمـا أخـرج الله جـرهم من مكة بسبب إحـداثهم في الحرم، واستـخفافـهم بالحرم، وبغي بعضهم على بعض، فتغور ماء زمزم، وعمد الحارث إلى مـا كان عنده من مـال الكعـبة، وفـيه غـزلان من ذهب وأسيـاف قلعيـة كان ساسـان أهداها إلى الكعبـة، وقيل سـابور، وجـاء تحت الليل ودفن ذلك في زمزم وعـفى عليها ولم تزل دارسة حتى حفرها عبد المطلب، واستخرج ذلك كما هو مذكور في موضعه. واتخذ عبد المطلب من الغزاليـن المذكورين حلية للكعبة، فهو أول ذهب حليت به الكعبة، فلما جاء الإسلام، وآلت الخلافة إلى الوليد بن عـبد الملك، بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله القسري بستة وثلاثين ألف دينار، فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى الميزاب وعلى - ص 22 -الأساطين التي في جوفهـا، وعلى الأركان، وهو أول من ذهب البيت في الإسلام. وذكر السـهيلي أن الذي عمله الوليد هو مـا كان من مائدة سليمان بن داود عليهما السلام من ذهب وفضة، حمل إليـه من طليطلة من جزيرة الأندلس وكـانت لها أطواق من زبرجد وياقـوت، وكانت قد احـتملت على بغل قوي فتفسخ تحتها. ثم لما آلت الخـلافـة إلى الأمين رفع إليـه أن الذهب الذي عـمله الوليـد قـد رق، فـأرسل إلى عامله على ضواحي مكة سـالم بن الجراج بثمانية عشر ألف دينار ليضـربها صفائح على بابـا الكعبة، فقلع مـا كان على الباب من الصفائح وزيد عليهـا ثمانية عشر ألف دينار، وضرب الصفائح والمسامير وحلق الباب والعتبة، فالذي كان عليه من الذهب ثلاثة وثلاثون ألف مثقال. - ص 23 -ثم جـدد البـاب الشـريف في الأيام الزاهرة الملكيـة الناصرية سقي الله عهدها عمل بمصـر ومصحفا بالفضة وأنا كتبت نسـخة ما كتب عليه، وجـهز به "برس بغا" الناصري أحد الحجاب في ذلك الوقت.
قـال الأزرقي: وعـمل الوليـد بن عبـد الملك الرخـام الأبيض والأخضر والأحـمر في جوفها فوزر بهـا جدرانها وفرشها بالرخام، فجـميع ما في الكعبة من الرخام هو من عمل الوليـد، وهو أول مـن فـرشـهـا بالرخـام وأزر به جدرانها، قلت: ثم تقلع غالب ذلك، وغالب ترخيمها وما فيهـا الآن من آثار المظفر يوسف بن عمـرو رسول صاحب اليمن واسمه بالرخام داخل الكعبة حيث يصلي المصلي بين العمودين تجاه وجهه في الجدار المتصل بالركن اليماني
 
 
أول من كسى الكعبة الديباج

واخـتلف أهل السـيـر في أول من كسى الكعـبـة الديباج، فـقال ابن إسحاق: هو الحـجاج بن يوسف. وقال ابن بكار: هو عبد الله بن الزبير. وقال الماوردي: أول من كساها الديباج خالد بن جـعفر بن كلاب، أخذ لطيمة تحمل البز وأخذ فيـها أنماطا فعلقها على الكعبة. وذكر جـماعة منهم الدارقطني أن نتـيلة بنت أجناب أم العباس بن عبد المطلب كـانت قد أضلت
العباس صغيرا، فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج. وحكى الأزرقي أن معاوية كسى الكعبة الديباج، قال: وكـانت تكسى يوم عـاشـوراء، ثم إن مـعاوية كـسـاها مرتين،، ثـم كساها المأمـون ثلاث مرات فكان يكـسوها الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم إهلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان. - ص 25 -وهذا الأبيض ابتدأه المأمـون سنة ست ومائتين، حـين قالوا له: الديباج الأحـمر يتخرق قبل الكسـوة الثانية. فسأل عن أحسن ما تكون فيـه الكعبة، فقالوا: الديباج الأبيض. ففعله. قلت: وهي الآن تكسى في العـام مرة واحـدة، فى وقت الموسم، وتحمل إليها الكسوة من الخزانة السلطانية بالديار المصـرية صـحـبة الركـب، فيـولي ذلك أمـراء الركب، ويحضرون بأنفسهم، فتكسى، ويأخذ الأشراف وبنو شيبة الكسوة العتيقة ويقتسمونها، ويأخذون في كل قطعـة منها أوفـر الأعواض، وتحـمل إلى سائر البـلاد للبركـة، وعهدي بصـاحب اليمن يبـعث إليها كـسوة، فتلبس تحت الكسوة المصـرية، وهما سوداوان من الحرير الأسود بكتابة بيضاء فيها آيات جاءت في القرآن في ذكر الكعبة، ولما حججت سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة صعدت أنا وأمراء الركب المصري لتلبيس الكعبة الشريفة - ص 26 -حتى كـنا على سطحهـا فرأيته مـبلطا بالمرمر والرخام الأبيض، ومن جـوانبه جـدر قصار فـيهـا حلق لمرابط السـتور تجـر فيـها الكسـوة بحبـال، ثم تربط في تلك الحلق، وأنا أحـمـد الله إذ بيـدي توليت خلع الكسـوة العتيقة عنها وتلبيسها الكسوة الجديدة، وحملت الكسوة العتـيقة في تلك السنة إلـى السلطان بمصر لتجـهز إلى السلطان أبي الحـسن المزيني مع مـا تجـهز عـوض هدية بعثهـا في هذه السنة صحبة مريم زوجـة أبيه، وعريف السويدي وجـماعة من أكابـر دولته، وعوض بنو شيبة والأشراف عنها من بيت المال بمصر، والعادة جارية أن تغسل الكعبة المعظمة بماء زمزم في السابع والعشرين من ذي القعدة وتشـمـر ستـورها، وتلبس يوم الأضـحى وتغـسـل بماء الورد عنـد عـود الركب مـن منى أوان منصرفهم، وكل ذلك حضرته في هذه السنة وتوليته بيدي والحمد لله. - ص 27 -وأما أول من كـسى الكعبة مطلقـا، فحكى الأزرقي عن ابن جـريج أن تبعا أول من كـسى الكعبـة كسـوة كاملـة، أري في المنام أن يكسوها فكسـاها الأنطاع، ثم أري أن يكسوها الوصائل فكساها، وهي ثياب حبرة من عصب ثم كساها الناس بعده في الجاهلية.
قـال السهـيلي: ويروى أن تبـعا لما كـساها المسـوح والأنطاع انتـفض البـيت فـزال ذلك عنه حين كـسـاها الخـصف، وهي ثياب غـلاظ، فـلما كـسـاها الملاء والوصائل، وهي ثياب موصلة من ثياب اليمن واحدتها وصيلة قبلتـه، ذكره قاسم في الدلائل، وروى الأزرقي بأسانيد متفرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كسى الكعبة، ثم كساها أبو بكر وكساها عـمر من بيـت المال القباطي، وكسـاها عثمان، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير من بعدهم،
 
 
 
 
وصف الكعبة

وأما صفة الكعبة فاعلم أن الكعبة البيت الحرام مربعة البنيان في وسط المسـجد، ارتفاعـها من الأرض سبـعة وعـشرون ذراعـا، وعرض الجـدار وجهـها الآن أربعـة وعشرون ذراعا، وهو الذي فيـه بابها، وعرض مؤخرها مثل ذلك، وعرض جدارها الذي يلي اليمن، وهو فيما بين الركن اليـمـاني والركن العـراقي، وهو الذي فـيـه الحـجر عشـرون ذراعا، وإلى وسـط هذا الجدار كـان يصلي النبي صلى الله عليه وسلم قـبل هـجـرته إلى المديـنة، وعـرض جـدارها الذي يلي الشام وهو الذي فـيـما بين الركن الشامي والركن الغـربي أحد وعشرون ذراعا، وميزاب
- ص 29 -الكعبـة على وسطه يسكب في الحـجر، ومن أصل هذا الجدار إلى أقصى الجدار ستـة عشر ذراعا، وعرض باب الحجر الشامي خمسة أذرع إلا شيء يسير، وعرض بابه الغربي ستـة أذرع إلا شيء يسير، وجدار الحـجر مدور من بابه الشـامي إلى بابه الغـربي كالطيلسـان وعرضـه ذراع، وارتفـاعه من الأرض أربعة أشـبار، والحجـر الأسود في الركن الـعراقي المقابل لزمـزم، وهو سبـعة أشبار من الأرض، وباب الكعبـة على أربعة أذرع من الأرض وعلوه ستـة أذرع، وعرضه أربعـة أذرع وما بين الباب والحجر الأسـود أربعة أذرع، ويسمى ذلك الموضع الملتزم، لأن رسـول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ مـن طوافه التزمه ودعا فـيه، ثم التـفت فرأى عمر فقـال: هاهنا تسكب العبرات .
ومن الباب إلى مصلى آدم عليه السلام حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه التوبة، (وهو موضع الخلوق ومن أزار الكعبـة أرجح من سـبعـة أذرع) وكان هناك موضع مقـام إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عنده حين فرغ من طوافه ركعتين، وأنزل الله عليه: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ثم نقله صلى الله عليه وسلم إلى الموضع الذي هو فيه الآن وذلك على عشرين ذراعـا من الكعبة لئـلا ينقطع الطواف بـالمصلين خلفـه، أو يتـرك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف حين كثـر الناس، وليدور الصف حول الكعبة، ويري الإمام من وجهه، ثم حمله السيل في أيام عمر، وأخرجه من المسجد فأمر عمر برده إلى مـوضعه الـذي وضعه فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين - ص 32 -مـوضع الخلوق، وهو مصلـى آدم عليـه السـلام وبين الركن الشـامي ثمـانيـة أذرع، ومن الركن الشـامي إلى اللوح المرمـر المنقـوش في الحـجـر الذي بني هناك ابن الزبير ركن البيت، وهو على قواعد إبراهيم عليه السلام تسعـة أذرع، وفيما بين الحـجر إلى مقـام إبراهيم عليه السلام خمسة وعشرون ذراعـا، ويسمي ذلك الحطيم، لأنه يحطم الذنوب، أي يسقطها، وقيل لأنه حطم من البـيت، وقيل لأن من حلف هـناك كاذبا انحـصم دينه ودنياه، ومـا بين الركن العراقي وهو الذي فـيه الحـجر الأسود إلى مصلي النبي صلى الله عليه وسلم قـبل هجـرته إلى المدينة عشرة أذرع، وكان يستقـبل بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ولهذا لم يبن توجـهه إلى بيت المقـدس إلا لما هاجر إلى المدينـة، وبين الركن اليمـاني وبين المسدود في ظهر الكعبة أربعة أذرع، ويسمي ذلك الموضع المسـتجـار من الذنوب وعـرض الباب خـمسـة أذرع، وارتفاعـه سبعة أذرع، وبـينه وبين الركن الغربي - ص 33 -ثلاثة عـشر ذراعـا، وبين الركن الغـربي وآخـر قواعـد إبراهيم - وهناك اللوح المرمر المنقوش - أزيد من سبـعة أذرع وإلى هناك بناء ابن الزبيـر، وقد قدمـنا أن ارتفاع الكعبة سبعة وعشرون ذراعا
 
 
 
صفة المسجد الحرام المحيط بالكعبة

وأما صفة المسجد الحرام المحيط بالكعبة، فنقول: قد ذكر الأزرقي والماوردي والسـهيلي - وفي كلام بعـضهم زيادة على بعض: كـان المسـجد الحـرام، أعني المحـيط بالكعبة فناء لها وفضاء للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر جدار يحيـط به، فضيق الناس على الكعبـة، وألصـقوا دورهم بهـا، وكـانت الدور محدقة بالكعبة، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية، فلما استخلـف عمر، وكثر الناس، قال: (لا بد لبـيت الله من فناء، وإنكـم دخلتم عليـه ولم يدخل عليكم) فـوسع المسجد واشـترى تلك الدور وهدمـها، وزاد في المسجد.
- ص 34 -واتخذ للمسجد جدارا قـصيرا دون القامة، وكانت القناديل توضع عليه، وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام. ثم لما استخلف عـثمان ابتاع منازل ووسـعه بها وبنى الأروقة للمسجد فيما ذكر الأزرقي والماوردي وغيرهما.
ثم إن ابن الزبير زاد في المسجد زيادة كـبيرة واشترى دورا من جملتها بعض دار الأزرق، اشترى ذلك البعض ببضعة عـشر ألف دينار وجعل فيها عـمدا من الرخام، ثم عمره عبـد الملك بن مروان ولم يزد فيه، ولكن رفع جداره وجلب إليه السواري في البحر إلى جدة، وسقفه بالسـاج، وعمـره عمـارة حسنة، ثم وسع ابنه الوليـد وحـمل إليـه أعمـدة الحـجـارة والرخام، ثـم زاد فيـه المنصور، وجـعل فيه أعـمدة الرخام، وزاد فيـه المهدي مرتيـن: إحداهما سنة ستين ومائة، والثانية سبع وستين ومائة، وفيها توفي المهدي واستقر بناؤه إلى الآن
 
 
 
 
وصف الرواق المحيط بالكعبة

وأما الرواق
فنقول: إن له سـقفين أحدهمـا فوق الآخر، وبينهما فرجة قـدر الذراعين، أو نحوهما، فأما الأعلى منه فرش بالدوم اليماني، وأمـا الأسفل منهما، فهو مسقوف بالساج مزخرف بالذهب، وعدد أساطينه - وذلك من الرخام والحجر الأبـيض سوي، ما جدد إلى دار الندوة وسـوق الحيطة - أربع مـائة وأربع وثمانون اسطوانة، بين كـل اسطوانتين سـتـة أذرع، مـنهـا إلى الجانب الشـرقي الذي يلي المسعى مـائة اسطوانة وثلاث أسـاطين، وفي الجانب الشـمـالي مما يلي الصـفا مـائة اسطوانة وإحدى وأربعون اسطوانة، وفي الجانب الغربي مائـة اسطوانة وخمس أساطين، وفي الجانب الشـامي الذي فـيه دار الندوة مـائة وخـمس وثلاثون اسطوانة، - ص 36 -وفي وسط هذا الشق أو نحوه الذي يلي المسـجد سارية خمس أساطين، ذكر أنها كانت ليـهودية، فسامها النبي فيها فأبت بيعها إلا بوزنها ذهبا، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فوضـعت في ميزان ووضع مثـقال واحد فرجح المثـقال ببركـة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها على باب المسجد اثـنتان وعـشرون، ومن ناحـية، المسـجد ست، ومن ناحيـة الوادي والصفا عشر، ومن ناحية بني جمح أربع، ومن ناحيـة دار الندوة اثنتان وفي دار الندوة سوى مـا ذكرناه سـبع وستـون اسطوانة بالحـجارة مبيضة وطول كل اسطوانة منـهـا عـشرة أذرع وتدويرها ثلاثة أذرع، وذرع مـا بين كل اسطوانـتين سـتـة أذرع ونصف، وعدد طاقاته - وهي الحنايا المعـقودة على الأساطين أربع مائة طاق وثمـان وتسـعون طـاقا، سـوي مـا في دار الندوة، وذرع المسجد الحرام من باب بني جمح إلى باب - ص 37 -العبـاس الذي عند العلم الأخـضر - ويعرف ببـاب بني هاشم - أربع مائة ذراع وأربعة أذرع، وعرضه ما بين دار الندوة إلى باب الصف ثلثمائة ذراع وأربعة أذرع، وذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقي الذي يلي المسعى مائتا ذراع وثلاثة عشر ذراعا ومن وسط جـدار الكعبة الغربي إلى جدار المسجد الغربي الذي يلي بني جمح مائة ذراع وتسعة وتسعون ذراعا، ومن وسط جدار الكعبة الجنوبي إلى جـدار المسـجد الذي يلي الـوادي مائة ذراع وأحـد وأربعون ذراعا، ومن وسط جدار الكعـبة الشمالي الذي يلي الحجر إلى جدار المسـجد الذي يلي دار الندوة مائة ذراع وتسعة وثلاثون ذراعا، ومن ركن الكعبة العراقي - ويقال له الشامي - إلى المنـارة التي تلي المروة مائتا ذراع وأربعة وستون ذراعا، ومن ركن الكعبة الشامي - ويقال له الغـربي - إلى المنارة التي تلي باب بني سـهم - وهو باب العمرة - مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعا، ومن الركن اليماني إلى المنارة التي تلي أجياد الكبرى وبين الحزورة - ص 38 -مائتا ذراع وثمـانية أذرع، ومن الركن الأسود إلى المنارة مستمرة تلي المسعى والوادي من ناحـية الصفا مائتا ذراع وثمانية وعشرون ذراعـا، وارتفاع جداره إلى السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعا، ومما يلي الوادي والصفا اثنان وعشرون ذراعا ومما يلي بـني جمح اثنان وعشرون ذراعا، ومما يلي دار الندوة سـبعة عشـر ذراعا ونصف، وعـدد شرفـاته من داخله وخارجـه أربع مائة وخـمس وتسعـون شرافة، هذا من خارجـه، وعددها من داخله أربع مائة وثمان وتسعون شرافة فجميعها ألف شرافة إلا سبع شرافات
 
 
 
 
تنبيه

اعلم أن المسجـد الحرام يطلق ويراد به عين الكعبة كـما في قوله تعالى:
فول وجهك شطر المسجد الحرام إذ لم يقل أحد من المسلمين بالاكتفاء بالتوجـه إلى استقبال المسجد المحيط بالكعبة، وهذا هو أصل حقـيقة اللفظ وهو المعني بقوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وبقوله صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو ذر عن أول مسـجد وضع أول قال: "المسجد الحرام" . وقد يطلق المسجد الحرام ويراد به المسـجد المحيط بالكعبة، وهو الغالب في الاستـعمال على وجه التغليب المجـازي كما في قوله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجـدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام . - ص 40 -وقوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام على قول من روى أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما في المسجد المحيط بالكعبة.
وقد يطلق المسجد الحرام ويراد به مكة والحرم بكماله على قـول من يقـول: إن المراد بالمسـجـد الحـرام مكة لأنه صلى الله عليه وسلم كان نائما في بيت أم هانئ لما أسري به، وكما في قوله: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام على قول من يقول: إن المراد الحرم الخارج عن مكة بكماله، وهذا كله على وجـه التغليب المجازي ولا ريب فيه، وإلا يلزم الاشتـراك في موضوع المسجد الحرام والمجاز أولى منه والله أعلم
 
 
 
حدود الحرم

أنصاب الحرم هي العلامات المبنية على حدود الحرم، وأول من بناها إبراهيم صلوات الله عليه، وأشار له جبـريل إلى مواضعها، هكذا ذكره أبو عروبة والأزرقي وغيرهما.
وروى الأزرقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتـحديد العـلامات التي على الحـرم التي عـمـلهـا إبراهيم وجـبـريل يريه مـواضعـها، ثم عـمـر ثم عثـمـان ثم معـاوية، وهذه العلامات بينة إلى الآن والحمد لله تعالى .
وحد الحرم من طريق مدينة النبي صلى الله عليه وسلم دون التنعيم عند بيوت نفار، على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لبن في ثنية لبن على سبع أميال، ومن طريق العراق على ثنيـه جبل بالمقطع على سـبعة أمـيال، ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميـال، ومن طريق الطائف على عرفـات من بطن نمرة على سبعة أميال، ومن طريق جده منقطع الأعشاش على عشرة أميال
 
 
مصر وكسوة الكعبة
وأول من كسا الكعبة من ملوك مصر بعد سقوط بغداد هو بيبرس البندقدارى وذلك عام 661هـ، واستمرت الكسوة ترد إلى الكعبة أحيانا من مصر وأخرى من اليمن إلى عهد الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (743ــ746هـ) الذى أوقف عدة أوقاف على الكسوة سنويا، وعلى كسوة الحجرة النبوية والمنبر النبوى فى المدينة كل خمس سنوات، ويذكر إبراهيم رفعت فى مرآة الحرمين أن هذا الوقف عبارة عن ثلاث قرى هى باسوس وسندبيس وأبو الغيط.

أدى هذا الوقف إلى استقرار إرسال الكسوة سنويا من مصر حتى دخول العثمانيون إليها، وكان آخرها فى العصر المملوكى التى أرسلها طومان باى عام 922هـ ومعها صدقات أهل الحرمين ذلك على الرغم من اشتعال الحروب بين المماليك والعثمانيين، وعدم حج أحد من المصريين فى ذلك العام.

وعندما انتصر سليم الأول على المماليك فى مرج دابق 1516م ودخل حلب لقبة خطيب مسجدها بخادم الحرمين الشريفين وكان ذلك من دواعى اعتزازه وفخره، لذا فقد اهتم سليم أثناء إقامته بمصر بأعداد كسوة الكعبة وبإعداد كسوة لحجرة النبى (صلى الله عليه وسلم)، وصنع للمحمل كسوة جديدة،

وكتب اسمه على هذه الكسوة، ويذكر لنا ابن إياس أن السلطان سليم أقام حفلا استعرض فيه هذه الكساوى فى 21 شعبان 923هـ قبل مغادرته مصر بيومين، وبلغ اهتمام العثمانيين أن أقيم لها ثلاث احتفالات بعد مغادرة سليم لمصر،

فقد بدأ الأهتمام العثمانى بالحجاز لإسباغ الصبغة الإسلامية على حكم آل عثمان، وفى عهد السلطان سليمان المشرع بن سليم الأول ضعف ريع الوقف الخاص بالكسوة عن الوفاء بتكاليف عملها فأمر بأن يستكمل من الخزائن السلطانية، وفى عام 947هـ اشترى السلطان سليمان سبع قرى كاملة فى مصر وأضافهم لوقف الكسوة فصار وقفا عامرا فائضا مستمرا واختصت مصر دون غيرها من بلدان العالم الإسلامى بكسوة الكعبة، ولم تتوقف إلا أثناء الحملة الفرنسية على مصر لمدة ثلاث سنوات على الرغم من محاولات الفرنسيين المستميتة لإرسال الكسوة.

وواصلت مصر إرسال الكسوة كالمعتاد حتى عام 1221هـ فبعد أن بسط سعود الكبير سيطرته على الحجاز قابل أمير قافلة الحج المصرى وأنكر عليه البدع مثل الطبول والزمور المصاحبة لموكب الحج وحذره من معاوادة المجىء إلى الحج بهذه الصورة مرة أخرى،

وعندما استعاد محمد على باشا الحجاز عادت مصر إلى إرسال الكسوة للكعبة كل عام كما كان الحال سابقا ولكن ليس من ريع الأوقاف بل على نفقة الخزانة المصرية ذلك أن محمد على استولى على أوقاف مصر كلها ابتداء من عام 1228هـ وأدخل إيراداتها إلى الخزانة المصرية التى أصبح عليها أن تنفق على ما كانت تتفق عليه الأوقاف.

وأثناء الحرب العالمية الأولى دخلت الدولة العثمانية الحرب فى الفريق المنافس لإنجلترا التى تحتل جيوشها مصر فعملت على إرسال كسوة للكعبة من استانبول وأرسلتها إلى المدينة المنورة عبر سكة حديد الحجاز، فى الوقت ذاته أرسلت مصر الكسوة التى رسم على حزامها اسم السلطان حسين كامل سلطان مصر إلى جانب السلطان محمد رشاد سلطان الدولة العثمانية، ولكن حاكم الحجاز أمر بنزع القطعة التى تحمل اسم السلطان حسين كامل، وعلقت على الكعبة وبقيت كسوة العثمانيين فى المدينة.

وتوقف إرسال الكسوة أثناء الحروب بين الشريف حسين بن على وآل سعود بقيادة الملك عبدالعزيز، وفى عام 1344هـ استتب الأمر للملك عبدالعزيز آل سعود وأرسلت مصر الكسوة ولكن حدث خلاف فى منى حيث اصطدم بعض البدو بالمحمل بسبب الموسيقى والطبول والزمور التى اعتبروها خروجا على الدين فأطلق بعض الجنود المصريين عدة طلقات للدفاع عن النفس، فترتب على ذلك رفض الملك عبدالعزيز آل سعود دخول المحمل المصرى أراضى الحجاز التابعة له.

وفى عام 1346هـ أسس الملك عبدالعزيز دارا خاصة بصناعة الكسوة فى حى أجياد بمكة وظلت الكسوة تصنع بها لمدة عشرة سنوات حتى تم التفاهم بين الحكومتين السعودية والمصرية على استئناف إرسال مصر للكسوة حتى توقف ذلك نهائيا بعد حدوث الخلاف السياسى بين مصر والسعودية فى عهد الملك سعود والرئيس عبدالناصر،

وردت السعودية عام 1381م الكسوة بحجة أنها من نوع ردىء وهو تبرير غير مقبول، وما زالت تلك الكسوة محفوظة فى دواليبها بدار الكسوة الشريفة بالخرنفش فى القاهرة